ضعف الطلبة القرائيّ في مرحلة الطفولة المبكِّرة
ضعف الطلبة القرائيّ في مرحلة الطفولة المبكِّرة
محمّد تيسير الزعبي | خبير تطوير أساليب تدريس اللغة العربيّة - الأردن

تتباين مستويات الطلبة في فهم المقروء، وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا مع تقدّمهم في المراحل الدراسيّة، فتعلو الصيحات بضرورة التدخّل لمساعدة المعلّمين والطلبة، على حدّ سواء، في حلّ المشكلة وتخفيف آثارها التي لا تقتصر على حصّة اللغة العربيّة فحسب، بل تمتدّ لتشمل المباحث الدراسيّة كلّها. يسمع العاملون في قطاعات الإشراف التربويّ أو تدريب المعلّمين، باستمرار، عن ضعف الطلبة، وتدنّي مستواهم في القراءة، إذ بالكاد يقرؤون الكلمات والجمل القصيرة، برغم أنّ مفرداتها مألوفة لديهم. نلمس هذه المشكلة في بيئاتنا التعليميّة العربيّة، والتي تؤثِّر بدورها في المهارات الحياتيّة التي تظهر على الطلبة في بيوتهم ومحيطهم العائليّ. لو استمعنا إلى ملاحظات معلّمي العلوم أو الرياضيّات نجدهم يحيلون، بلا تردّد، قلّة استيعاب الطلبة مفاهيم العلوم والرياضيّات إلى ضعفهم القرائيّ.

نتطرّق في هذا المقال إلى قضيّة تدنّي مستويات الطلبة في مهارة القراءة في الصفوف المبكِّرة، والتي تقود حتمًا إلى ضعف في مهارة الكتابة، والضعف فيهما يؤدّي إلى ضعف عام في مستواهم اللغويّ. نسلّط الضوء على أسباب هذا الضعف، وطرق تجنّبه، والحلول التي تخفِّف أثره في مسيرة تعلّم طلبتنا، مع الإشارة إلى كيفيّة مواجهة المعلّمين هذا التحدّي في غرفهم الصفّيّة. 

 

مفهوم الضعف القرائيّ

يشير مفهوم الضعف القرائيّ إلى القصور في تحقيق الأهداف المقصودة بالقراءة (شحاتة، 1993). استنادًا إلى هذا التعريف، تتجلّى مظاهر الضعف القرائيّ لدى طلبة الصفوف المبكِّرة في عدم استطاعتهم تهجئة الكلمات، وقراءة الحروف قراءةً سليمة، أو قراءة المفردات والجمل قراءةً بطيئة جدًّا. من جانب آخر، تعدّ إضافة الطلبة أصواتًا جديدة غير موجودة في الكلمة أحد مظاهر ضعف القراءة، كقراءتهم كلمة "مباراة" مباريات، أو حذف بعض أصوات الكلمة بسبب تتابع مخارج أصواتها، مثل حذف صوت التاء في كلمة استطاع، أو عدم نجاح الطلبة في التمييز بين الضاد والظاء، أو بين الصاد والسين، والخلط بين التنوين والنون أو التاء المفتوحة والمربوطة. من مظاهر الضعف القرائيّ كذلك، قراءة الجملة الواحدة قراءة متقطِّعة (كلمة كلمة)، أو عدم مراعاة علامات الترقيم، أو القراءة بنبرة صوت واحدة تخلو من الأداء المعبِّر عن دلالات الألفاظ.

 

أسباب الضعف القرائيّ

أسباب الضعف القرائيّ كثيرة، وقد يكون لكلّ حالة فرديّة أو بيئة صفّيّة أسبابها الخاصّة التي أدّت إلى تعثّر الطلبة في قراءة الكلمات والجمل في الصفوف المبكِرة. أولى خطوات معرفة هذه الأسباب تكمن في حلّ المشكلة، ويمكن إجمال الأسباب في ما يلي:

1. أساليب التدريس المُتَّبعة في التعليم الأساسيّ التي تضغط على الطالب كي يتقدّم بسرعة في القراءة، أو عدم مراعاة المعلّمين الفروق الفرديّة في التدريس، فيركّزون على الطلبة المتفوّقين ومتوسّطي المستوى، ويهمّشون فئة المبتدئين منهم، والذين يحتاجون إلى الدعم والمساعدة. 

2. تشتّت الطلبة أثناء الحصّة المدرسيّة وغياب تركيزهم مع المعلّم، أو خجلهم من التفاعل مع المعلّم، وتدنّي دافعيّتهم إلى القراءة والمشاركة.  

3. ضعف ذاكرة الطلبة في الصفوف المبكِرة، وعدم استيعابهم بعض المفردات، ممّا يشعِرهم بالخوف من الأهل أو المعلّم. بالإضافة إلى تقصير الأهل وإهمال متابعة الأبناء في مراحل تعلّمهم الأولى.  

4. مشكلات في جهاز النطق لدى بعض الطلبة، فضلًا عن العوامل الجسميّة، مثل ضعف الرؤية وعدم القدرة البصريّة على تمييز أشكال الحروف تمييزًا كافيًا.

 

كيف نشخِّص الضعف القرائيّ؟

تشخيص المشكلة نصف الحلّ، كما يقول خبراء العلوم المختلفة، ومن المهمّ، في مشكلة التعثّر القرائيّ في الصفوف المبكِّرة، تشخيص سبب التعثّر تشخيصًا دقيقًا. يفرض هذا الأمر على المعلّمين تطوير أنفسهم في اكتساب مهارات التشخيص الدقيق، ولكن من الأفضل وجود مختصّ بالمشكلات الأكاديميّة أو السلوكيّة في كلّ مدرسة. أمّا أدوات تشخيص مشكلة الضعف القرائيّ فتتمثّل في النقاط الآتية:

1. الملاحظة الدقيقة، حيث يراقب المعلّم الطلبة أثناء حصص القراءة، ويحدّد عاداتهم في القراءة.  

2. الحوار مع الطالب ومناقشته في النصوص القرائيّة، فاستيعاب الطالب تلك النصوص مؤشِّر على طريقة قراءته.  

3. توثيق أداء الطلبة في السجلّات اليوميّة، وقوائم رصد الأداء، ووثائق متابعة تعلّمهم.  

4. الامتحانات والاختبارات بأنواعها المختلفة، ولا سيّما المتعلّقة بالقراءة أو الاختبارات التشخيصيّة التي يؤدّيها المعلّمون لتحديد مستوى الطلبة في مهارة معيّنة.

5. دراسة حالات الضعف القرائيّ الفرديّة دراسة مستقلّة وشاملة.

 

حلول مُقترَحة

أودّ التنبيه إلى أنّ الحلول لا تأتي بنتائج سريعة وفوريّة، ومن الضروريّ أن يتحلّى المعلّمون بالصبر الكافي والطويل ريثما يحصّلون النتائج، وأن يحاولوا الحصول على دعم أصحاب العلاقة بتعلّم الطلبة، ويدعموهم من النواحي كلّها، وألّا يكون غياب أيّ طرف، مثل الإدارة، أو عدم اهتمام الأهل، مبرِّرًا لعدم علاج ضعف الطلبة القرائيّ. يجب أن ينصبّ اهتمام المعلّمين، في هذه المرحلة، على إنقاذ الطلبة من استمراريّة الضعف، ووقف انحدار مستواهم في الاستيعاب القرائيّ في المباحث كلّها، من دون أن يقتصر على اللغة العربيّة وحدها. بالإضافة إلى ذلك، يجب ألّا يكونوا إضافة سلبيّة إلى خبرات الطلبة التي أوصلتهم إلى الضعف القرائيّ. وعليه، يمكن تقسيم الحلول وفق الأدوار المناطة بمنفّذيها على النحو الآتي:

حلول متعلّقة بالمعلّم

1. العمق المعرفيّ باستراتيجيّات تدريس القراءة في الصفوف المبكِّرة، ومعرفة خصائص الطلبة النمائيّة في هذه المرحلة، وكيفيّة تعلّم الدماغ.  

2. اختيار الأمثلة المناسبة والملائمة وسهلة الفهم لدى الطلبة. مثال ذلك المحسوسات التي يملك الطلبة عنها صورة ذهنيّة في عقولهم، ولا يحتاجون فيها إلى تفسير المعلّم.

3. امتلاك سجلّات واضحة ومحدّدة لرصد أداء الطلبة، وإشراك أركان المجتمع المدرسيّ في الاطّلاع عليها. 

4. تدريب الطلبة العمليّ، وعدم الاكتفاء بتلقينهم المعلومات، فضلًا عن منحهم الوقت الكافي للقراءة والتحليل، وإتمام بقيّة العمليّات المتعلّقة بالقراءة، والصبر على تقدّمهم البطيء.  

5. البدء الفوريّ بعلاج أيّ مشكلة يرصدها المعلّم في أداء طلبته، وعدم تأجيلها. بالإضافة إلى عدم السخرية من الطلبة عند نطق بعض الكلمات بطريقة غريبة.  

حلول متعلّقة بالمنهاج والكتاب

1. تركيز لجان التأليف على اختيار الموضوعات المرتبطة بواقع الطلبة وسياق حياتهم الاجتماعيّ.  

2. إشراك خبراء علم النفس في التأليف، نظرًا لخبرتهم بخصائص مرحلة الطلبة النمائيّة. 

3. وضع عدد كاف من التدريبات والتمارين التي تُعنَى بمهارات القراءة المتنوِّعة والتركيز على سهولة تطبيقها.  

4. الشكل الجاذب للكتاب، وسهولة التعامل معه فيما لو تعلّم الطالب وحده.  

حلول متعلّقة بالبيئة التعليميّة والمجتمع المدرسيّ

1. كفايات المشرفين المعرفيّة والأدائيّة العالية في تعليم الصفوف المبكِّرة في المدارس.  

2. إشراك الآباء والأمّهات في متابعة تعلّم أبنائهم.  

3. وجود مختصّ اجتماعيّ أو نفسيّ في المدرسة لدعم جهود المعلّمين.  

4. دعم جهود تعلّم الطلبة الذاتيّ، مثل توفير كتب تناسب مرحلتهم النمائيّة في مكتبة المدرسة. 

5. توفير الأدوات المساندة في التعلّم وعدم جمع الطلبة الضعاف في غرفة صفّيّة واحدة.  

6. تجنّب المبالغة في التعزيز، أو منح المكافآت على المهمّات البسيطة.  

لا يتبادر إلى الذهن أنّ عدم التطرّق إلى الحلول المتعلّقة بالطلبة قد سقط سهوًا، بل كان مقصودًا، ذلك أنّ الطلبة في هذه المرحلة في طور التعلّم، وربّما تكون درجة تحمّلهم مسؤوليّة تعلّمهم منخفضة. لذلك، ما أنصح به هنا البدء بدفع الطالب إلى شعور تحمّله جزءًا من مسؤوليّة تعلّمه، بتكليفه بمهمّات بسيطة وذات علاقة بما تعلّمه في الغرفة الصفّيّة، ليتابع المعلّم إنجاز الطالب. قد يكلِّف المعلّم طلبته بإحضار 5 مفردات تتضمّن صوت الراء في وسط الكلمة، أو تذكُّر كلمات، أو تكوين كلمات تتابع فيها صوتا الصاد والتاء والتدرّب على نطقها الصحيح، أو وضع كلمة تتكرّر في المنهاج المدرسيّ في سياقات متنوّعة باستخدام مفرداتهم الخاصّة. مع التقدّم في التعلّم، يشعر الطلبة بأنّهم جزء من التعلّم، وليسوا متلقّينه فحسب.

 

برامج عالميّة

قد يشعر المعلّمون بتباين حالات ضعف القراءة، نظرًا إلى أسباب حدوثها. لكن توجد بعض البرامج العالميّة التي يمكن اتّباعها لتخفيف أثر مشكلة الضعف القرائيّ، مع ضرورة تأمّل هذه البرامج، للتأكّد من ملاءمتها حاجات الطلبة، وإمكانيّة أن تكون حلًّا فعّالًا لمعاناتهم من تعثّر القراءة، وتكييف مضمونها لضمان جدواها ومناسبتها قواعد القراءة العربيّة القائمة على التهجئة لا حفظ أشكال الكلمات. نذكر من هذه البرامج:

برنامج "دستار" للقراءة

في هذا البرنامج، والذي أعدّه الخبير "أنجلمان دستار"، ثلاثة مستويات. يوضع الطلبة ضمن مجموعات، على ألّا يتجاوز عدد كلّ مجموعة خمسة أشخاص، لتكون مستوياتهم متقاربة. 

يركِّز المستويان الأوّل والثاني على تعزيز تعلّم مهارات القراءة الأساسيّة باستخدام الألعاب، والواجبات المنزليّة والكتب، إذ يتضمّنان: 

  • - ألعاب تعليم مهارات القراءة والوعي الصوتيّ، مثل حذف الأصوات وإضافتها أو تبديلها؛ فيُدفع الطلبة مثلًا إلى التفكير بالصوت الذي يمكن وضعه مكان الصوت الأوّل في كلمة "جمال"، للحصول على معنى جديد، حيث يمكن تحويلها إلى كلمة "كمال".
  • - تركيب الكلمات لتدريب الطلبة على التعامل مع أصوات اللغة، فيمكن دفع الطلبة إلى التفكير بأكبر عدد من المفردات التي يمكن تكوينها من الأصوات (و، ط، ن). 
  • - تدريب الطلبة على تكوين أكبر عدد من الكلمات ذات الإيقاع المتشابه، مثل: ضياء، ونماء، وسماء، ودعاء.  

يركِّز المستوى الثالث في برنامج "دستار" على تعريض الطالب لقراءة مقطع قصير، يتدّرب على قراءته قراءةً صحيحة، ثمّ يرصد الأخطاء التي وقع فيها ويصحّحها بطريقة منظَّمة (علي، 2005).

برنامج "إدمارك" للقراءة

يركِّز هذا البرنامج الذي أعدّته جمعيّة "إدمارك" على تحديد 150 كلمة، ثمّ تعليمها للطلبة الذين يعانون ضعفًا قرائيًّا بترديدها وراء المعلّم. تمرّ هذه العمليّة بخطوات واضحة:  

  • - التعرّف إلى الكلمة، حيث يتعرّف الطلبة في كلّ حصّة إلى كلمتين فقط.  
  • - بعد أن يردّد الطلبة الكلمة يتتبّعون الاتّجاهات المطبوعة لتحديد الكلمة التي ردّدوها.  
  • - ربط العبارات بالصور التي تعبِّر عنها.  
  • - قراءة القصص، حيث يقرأ الطالب في هذا البرنامج 16 قصّة. 

يقسِّم البرنامج الدروس بطريقة مبسَّطة وسهلة تراعي مستوى الطالب، ويتطلّب تجميع الطلبة الضعاف في غرفة واحدة، ورصد تطوّرهم رصدًا مستمرًّا (علي، 2005).

طريقة "ريبوس" للقراءة

تعتمد هذه الطريقة على الصور بدلًا من الكلمات. في هذا البرنامج ثلاثة مستويات متتابعة، يقدّم المعلّم فيها للطلبة الذين يعانون ضعفًا قرائيًّا صورة (منزل، ملعب)، فيسمّي الطالب الكلمة وينطقها، ثمّ يكتبها بقلم رصاص. لا ينتقل الطالب إلى المستوى الثاني إلّا بعد إتقان المستوى الأوّل إتقانًا كاملًا. 

بعد إتقان الطلبة الضعاف في القراءة المستويات الثلاثة إتقانًا كاملًا، ينتقلون إلى الكتاب الرابع الذي يتضمّن قاموسًا بالكلمات التي تعبِّر عن الصور، وكلمات أخرى أكثر صعوبة. ينتقل الطالب، بعد ذلك، إلى مستوى استبدال الصور بجمل وفقر، يهجّيها، ثمّ يكتب كلماتها (علي، 2005)

* * *

يسهِّل تفكير المعلّمين المرتكِز إلى الحلّ مهمّتهم، ويعجّل حلّ مشكلة الضعف القرائيّ في الصفوف المبكِّرة. نرى المعلّمين يتهرّبون من حلّ المشكلة بتحميل سابقيهم المسؤوليّة، وإذا كان هذا المبرِّر صحيحًا إلى حدّ ما، فاحتماء المعلّمين به إضافة سلبيّة إلى تجربة الطلبة، وتكرار المأزق الذي وقع الطلبة فيه. لذلك، تعدّ مساعدة الطلبة الحلّ الأمثل في هذه الحالة. بالمقابل، يرفض بعض الأهالي مساعدة المعلّمين، أو تكون دافعيّة التعلّم عند الطلبة متدنية، وفي هذه الحالة يتحمّل المعلّم مسؤوليّة وجود مثل هذه العيّنات من الطلبة في غرفته الصفّيّة، ويؤدّي ما يملي عليه ضميره وواجبه.  

من هنا، يحمي الحلّ المبكِّر لمشكلة ضعف الطلبة القرائيّ الطلبة من مشكلات كثيرة قادمة، ويوفِّر على المعلّمين في مراحل التدريس اللاحقة عبء معالجتها. يُخصِّص ذلك وقت الحصص لإكساب الطلبة المهارات المعرفيّة والأدائيّة اللازمة في كلّ مرحلة عمريّة من مراحل حياتهم.  

 

المراجع

- شحاتة، حسن. (1993). تعليم اللغة العربيّة بـين النظريـّة والتطبيق. الدار المصريّة اللبنانيّة.

- علي، صلاح عميرة. (2005). صعوبات تعلّم القراءة والكتابة: التشخيص والعلاج. مكتبة الفلاح.