تطويع عناصر المنهاج الدراسيّ لتعزيز التعبير الشفويّ
تطويع عناصر المنهاج الدراسيّ لتعزيز التعبير الشفويّ
عبدالرحمن الشولي | أستاذ لغة عربية - قطر

 

لعلّ المناهج الدراسيّة في مادّة اللغة العربيّة وآدابها التي نعتمدها في مدارسنا، تفتقر إلى دروس وتمارين ونشاطات تعزّز مهارة التّعبير الشّفويّ عند المتعلِّم، وتصبّ عنايتها على التّعبير الكتابيّ، فتفرضُ تحدّيًا أمام المعلِّم، وتدعوه إلى ابتكار نشاطات لغويّة يطوّع بها معارف المنهاج المقرّر وأهداف محاوره ووحداته، في سبيل تحقيق وظيفة اللغة الحياتيّة. هذه النّشاطات اللغويّة التي وجب ابتكارها وتطبيقها في العمليّة التّعليميّة، وهي التي تبثّ الرّوح والحياة في مناهجنا بما تحويه من نصوص وكفايات وأهداف وتقنيّات. على المعلِّم أن يضع ضمن خطّته نشاطات لغويّة تناسب كلّ محور ودرس ونصّ يجده مدرجًا في المناهج المتّبعة، في سبيل تحرير المنهاج والمتعلِّم على حدّ سواء من قيود الجمود والصّوريّة في دراسة اللغة. لذلك، يفترض من المعلِّم ألّا يتعامل مع المنهاج تعاملًا صنميًّا، أي عليه ألّا يعدّ المنهاج صنمًا مطاعًا لا روح فيه. 

تلك الأهميّة التي حازتها النّشاطات اللغويّة التي تركّز على مهارة التعبير الشفويّ في عمليّة تعليم اللغة وتعلّمها، وضرورة تطبيق هذه النّشاطات وتعميمها، والإفادة ممّن طبّقها، هي ما دفعني إلى اختيار هذا الموضوع الذي سأعرض فيه بعض تجاربي الشخصيّة التي أديّتها في أكثر من مدرسة في لبنان ضمن المنهاج اللبنانيّ، وفي مدرسة دوليّة في قطر ضمن محاولة المزج بين المنهج القطريّ ومنهج البكالوريا الدوليّة، إذ إنّي حاولت خلال تعليمي مادّة اللغة العربيّة في لبنان وقطر أن أطوّع المناهج لخدمة الاستعمال الشفويّ للغة، دون الخروج عن كفاياتها وأهدافها. فأردتُ أن أقدِّم هذه التجربة لأبيّن فيها إمكانيّة إقامة نشاطات تعزّز استعمال اللغة استعمالًا شفويًّا حيًّا، وترتكز على المنهاج الدّراسيّ، وتحقّق استجابةً إيجابيّةً أمام ما يفرضه الواقع من تحدّيّات توقع بعض المعلّمين في الحَيرة والتّناقض.

 

مداخل للنشاط الشفويّ

يجد المعلّم في كلّ محور من محاور كتاب اللغة العربيّة، في مختلف المراحل الدّراسيّة مدخلًا للمحور، وصورًا، ونصوصًا، وأسئلةً على النّصوص، ونشاطات كتابيّةً تعبيريّةً، يستطيع المعلّم استغلالها لإقامة نشاطات لغويّة يحقّق من خلالها معارف المحور وأهدافه من جهة، وينمي مهارة التّعبير الشّفويّ وقدرة استعمال اللغة استعمالًا حيًّا من جهة أخرى. فلا تضيع أهداف المادّة المدرجة في المنهاج، ولا تضيع لغة المتعلِّم في سبيل تمكّنه من تلك الأهداف التي تعدّ بمعظمها كفايات تقنيّةً صوريّةً محضةً، ينكبّ عليها المتعلّمون لأجل النّجاح في الاختبارات الورقيّة.

 

أوّلًا: نشاطات المدخل

يمكن الاستعاضة عن مدخل المحور الذي يكون مكتوبًا في بداية كلّ محور في الكتاب، بعرض فيلم عن موضوع المحور ومناقشة أفكاره شفويًّا مع المتعلِّمين، أو توزيع أوراق تحوي قصّةً عن موضوع المحور، ونطلب إلى المتعلّمين أن يلخّصوا شفويًّا فكرة القصّة، أو نكلِّف المتعلِّمين بالبحث عن أفكار تتعلّق بموضوع المحور، ليعرضوا شفويًّا ما بحثوه، أو نكلِّف المتعلّمين بإجراء مقابلة مع بعض الشّخصيّات التي يمكنها أن تفيدهم في الموضوع الذي يدور حوله المحور، ليعرضوا نتائج مقابلاتهم. كلّ هذه النّشاطات تجعل المتعلِّم شريكًا في استنباط موضوع المحور الذي نريد الدّخول إليه، وتسهم في تعزيز لغته، وتمكّنه من استعمالها، دون أن يكون قارئًا سلبيًّا لما عرضه الكتاب لنا في صفحة "مدخل إلى المحور".

مثال نشاط الفيلم ومناقشة أفكاره شفويًّا: النّشاط الذي أديّته مع طلّاب الصّف الحادي عشر في مدرسة في بيروت، للدّخول إلى محور "الإنسان والعلم". قمتُ بعرض فيلمين صغيرين، أحدهما عن قنبلة هيروشيما، والثّاني عن إنجازات الطّب الحديث، وأقمتُ حوارًا مع المتعلّمين حول ما عُرض في الفيلمين حلّلنا فيه علاقة الإنسان بإنجازاته العلميّة، وقدرته على استغلال العلم في سبيل الخير أو الشّر. وكنتُ حريصًا على أن يستعمل المتعلّمون اللغة العربيّة الفصيحة في حوارهم.

مثال نشاط البحث: ما قمتُ به مع طلّاب الصف السادس للدخول إلى محور "السّيرة"، حيث طلبت إلى المتعلّمين أن يكتبوا سيرة غيريّة عن حياة شخصيّة يختارونها (عالم، مخترع، شاعر، أديب..)، ليتمّوا عرض السّيرة شفويًّا أمام زملائهم، فيذكر الطّالب الباحث أبرز المحطّات الحياتيّة في حياة الشّخصيّة المختارة، مستعينًا ببطاقات ووسائل إيضاح مناسبة.  

أمّا مثال نشاط المقابلة: فما أجريته في الصّف الثّامن في مدرسة في بيروت في محور "السّيرة"، فطلبتُ إلى المتعلّمين أن يختاروا شخصًا من المدرسة، ويجروا معه مقابلة شفويّة يسألونه فيها عن أبرز محطّات حياته العلميّة والمهنيّة، وعن بعض مواهبه. يأخذ المتعلّمون معلومات المقابلة ويدرجونها على بطاقات كبيرة تُعلّق على لوحة الصّف.

أسهمت هذه النّشاطات في تعزيز فهم الدّروس المدرجة في كلّ محور، وأعانت المتعلّم على ربط كلّ نصّ بالمحور الذي ينتمي إليه، وعزّزت بعض إجاباته عن أسئلة التّحليل ذات الصّلة بموضوع المحور، أو بفكرة من أفكاره.

 

ثانيًا: نشاط الصّورة

بعد المدخل، تأتي دراسة الصّور حسب محاور المنهاج في مختلف المراحل. وحبّذا لو تناقش الصّورة مناقشةً شفويّةً قبل أن يُعبِّر عنها المتعلِّم تعبيرًا كتابيًّا، ويمكن للمعلِّم أن يفرز بعض الصّور التي يجدها مناسبةً، لإقامة نشاط شفويّ قائم على التّعبير عن الصّورة تعبيرًا شفويًّا. ومن أمثلة النّشاطات التي عقدتُها في مدرسة في الدوحة حول صور النّصوص، ما أقمته مع طلّاب الصف السادس في محور "عادات وتقاليد"، حيث أحضر المتعلّمون صورًا لعادات وتقاليد تنتمي إلى مجتمعات عربيّة وأجنبيّة مختلفة، وقسّموا إلى مجموعات، ثمّ أحضرت كلّ مجموعة معلومات عن الصورة التي تمثّل التقليد الاجتماعيّ المختار من بلد معيّن، فناقشت كلّ مجموعة ما أحضرته من صور، وربطت الصّور بالمعلومات، واختارت كلّ مجموعة متحدّثًا عنها ليخرج عارضًا الصّور عرضًا شفويًّا بناءً على ما ناقشه مع زملائه في المجموعة حول الصّور. أسهم هذا النّشاط في تعزيز فهم المتعلّمين معنى المحور وموضوعات دروسه، وفي تقديرهم قيمة العادات والتقاليد الاجتماعيّة في الأدب والحياة، وضرورة احترامها مهما كانت مختلفة أو غريبة.

 

ثالثًا: نشاطات النّصوص

أمّا النّصوص، لا سيّما الشّعريّة والخطابيّة منها، فتُقام لها النشاطات والمسابقات، إذ يحفظ المتعلِّم القصيدة أو الرّسالة أو الخطبة أو القصّة أو الحوار، ويؤدّيه أداءً معبِّرًا في الصّفّ أمام زملائه. وهذا الأداء الشّفويّ الإلقائيّ التّمثيليّ للنّصوص يسهم في تعزيز ثقة المتعلِّم بقدرته على التّحدّث بالعربيّة الفصيحة، دون أن يخرج به عن إطار المنهاج، فالمتعلِّم يفقه النّص ومضامينه ومعانيه، قبل أن يحفظه ويؤدّيه؛ لأنّ أداء النّص يقتضي فهمه أكثر ممّا تقتضي الأسئلة التّقنيّة ذلك؛ والطالب سيمنح كلّ كلمة حقّها في نطقه وتعبيرات وجهه وحركات جسمه. ومثاله ما كنتُ أؤدّيه مع طلّاب الصّف العاشر في أكثر من مدرسة في لبنان في قصائد الكتاب كلّها، وفي الرسالة والخطابة والمقامة وغيرها، من نشاط دائم في إلقاء النّصوص مع التّدريب على تأدية المعنى بنبرة الصّوت وملامح الوجه وحركات الجسد تدريبًا دائمًا. ومثاله أيضًا ما أدّيته مع طلّاب الصف السابع في "محور القصّة" وفي محور "الأدب الوجدانيّ"، إذ أدّى الطلّاب مقاطع تمثيليّة قصيرة للشخصيّات الواردة في بعض القصص التي دُرِست، وألقوا القصائد الوجدانيّة إلقاءً معبِّرًا عن موضوعاتها ومعانيها والمشاعر التي عجّت بها أبياتها.

أسهمت نشاطات إلقاء النّصوص المختلفة وتمثيلها في تعزيز ثقة المتعلّم بنفسه، وبقدراته على التحدّث وعلى جذب انتباه السّامعين، وفي تجميل العربيّة الفصحى في أعين المتعلّمين، وهم يؤدّون المعاني والألفاظ بصوتهم وجسدهم، كما أسهم نشاط الإلقاء في فهم المتعلّمين النّصوص التي يؤدّونها.

 

رابعًا: نشاطات أسئلة النّصوص

الأسئلة التي تُطرَح على النّصوص منها أسئلة تقنيّة، ومنها تحليليّة. فأمّا التّقنيّة فلا يمكن تطويعها تطويعًا لغويًّا، مثل الحواشي والحقل المعجميّ والأنماط والأساليب... إلخ. أمّا التّحليليّة فهي التي تُطوَّع لخدمة اللغة. ومن النّشاطات اللغويّة التي يمكن للمعلّم استثمارها في الأسئلة التّحليليّة: أن يطرح المعلِّم سؤالًا نقديًّا تقييميًّا على النّص، كأن يسأل إن كان الكاتب مصيبًا فيما ذهب إليه من أفكار أم غير مصيب، ويقسم المتعلّمين إلى فريقين، فريق مؤيِّد وآخر معارض، وتقام مناقشة منظّمة بين المتعلِّمين يفوز فيها من أحسن التّدليل على رأيه. ومن النّشاطات التي يمكن استثمارها أن يطرح المعلِّم سؤالًا حول فكرة فقرة من النّص، ويقسّم المتعلّمين ضمن مجموعات، تُمنح كلّ مجموعة وقتًا لتنجز الإجابةـ وتختار كلّ مجموعة متحدّثًا، وبعد انتهاء الوقت يخرج المتحدّث ليعرض إجابة مجموعته عرضًا شفويًّا، ويناقش بقيةُ الزّملاء المتحدّثَ فيما يدلي به من أفكار.

مثال النّشاط الأوّل: ما أجريتُه مع طلّاب الصف العاشر في مدرسة في بيروت في محور "الأدب في التّعبير عن التّقاليد والأخلاق" من معلّقة عنترة بن شدّاد، إذ طرحتُ على المتعلِّمين سؤالًا تقييميًّا حول القصيدة: "ما تزال شخصيّة عنترة مثلا أعلى للعرب في الشّجاعة وصورة محبّبة إلى نفوسهم. أأنت من هذا الرّأي؟ ما الصّلة التي يمكن أن تربط قارئًا معاصرًا بقصيدة مرّ عليها مئات السّنين؟" وقسّمتُ الصّف إلى مجموعتين، مجموعة تؤيِّد القول، وأخرى تعارضه، وأقام كلّ فريق أدلّته وحججه.

ومثال النّشاط الثّاني: ما أجريتُه مع طلّاب الصف الحادي عشر في مدرسة في صيدا في نصّ "حكاية الشّرق والغرب" ضمن محور "التّفاعل الثّقافيّ بين الشعوب"، إذ طرحتُ على المتعلِّمين سؤالًا من وحي الخلاصة التي توصَّل إليها الكاتب "ميخائيل نعيمة" من نصّه: "كيف يمكن للأدب أن يؤثِّر في ثقافة شعب أو يغيِّرها؟" وجعلتُ المتعلّمين مجموعات، كلّ مجموعة ناقشت الفكرة واختارت متحدّثًا عنها، بعد ذلك عرض كلّ متحدّث ما توصّلت إليه مجموعته شفويًّا، وناقشه فيما عرضه بقيّة الزّملاء من المجموعات كافّة.

عزّزت هذه النشاطات قدرة المتعلّم على الإقناع، وجرأته على اتّخاذ رأي والدّفاع عنه. فضلًا عن تعزيزها فهمَه النّص، وقدرتَه على تحليل أفكاره تحليلًا أكثر عمقًا وإبداعًا.

 

خامسًا: نشاطات التّعبير الكتابيّ

إذا ما أتينا إلى النّشاطات التّعبيريّة الكتابيّة التي نعثر عليها عادةً في آخر المحور أو بعد كلّ درس، والتي تتمثّل بكتابة الأبحاث والموضوعات الكتابيّة، عثرنا على أعظم العناصر المنهجيّة خدمةً للاستعمال الحيّ للغة. فالأبحاث العلميّة تقترن دائمًا بتقرير يعرضه المتعلِّم عرضًا شفويًّا في الصّف أمام زملائه، ويُناقَش فيما يعرضه. والموضوعات الكتابيّة يمكن استغلالها استغلال النّصوص من إلقاء وأداء تمثيليّ، ويمكن استغلال الموضوعات قبل كتابتها، فتُشتَغل ضمن مجموعات، تكتب كلّ مجموعة أفكارها على لوحة كبيرة، تُعلّق على جدران الصّف، وتقوم المجموعات بجولة على كلّ مجموعة لمناقشة الأفكار. ومثال النّشاطات التي أُجريت حول البحث العلميّ: ما قدّمتُه مع طلّاب الصّف العاشر  ضمن محور "الأدب في التّعبير عن القيم الرّوحيّة والاجتماعيّة"، إذ طلبتُ إليهم بحثًا عن موقف الإسلام من الشّعر، يعرض كلّ متعلِّم قسمًا من بحثه، ويناقشه بقيّة الزّملاء.

 

خلاصة

بناءً على ما تمّ عرضه يتبيّن لنا أنّ معلّم العربيّة قادر على عقد نشاطات لغويّة شفويّة حيّة في صفّه بحسب معطيات المنهاج، رغم أنّ هذا الأخير لا يقدِّم للمعلِّم ما يستطيع المعلِّم تقديمه من خلاله، دون الخروج عنه وعن كفاياته وأهداف كلّ محور ودرس يحويه. فكان لا بدّ من عرض هذه الفكرة المجرّبة التي آمنت بها، وجعلتها بوصلتي في تعليم اللغة العربيّة، لأثبت أنّ المعلّمين أسياد المنهج الدّراسيّ، وأنّنا قادرون على استغلاله أيّما استغلال، ولسنا خاضعين لأهدافه ومضامينه خضوع العبد لمولاه. فالخروج من مرحلة التّعامل مع المنهاج تعاملًا صنميًّا أصبح ضرورةً في عصرنا، ولا سيّما عندما نتحدّث عن اللغة العربيّة، لأنّ اللغة إذا لم تُعلَّم بالاستخدام الشفويّ الحيّ ضمن مواقف لغويّة، عُلِّمتْ بالاستذكار الذي لا يلبث أن يزول بعدما تزول أسبابه المتمثّلة بالنّجاح في الاختبارات.