"أصبح التحوّل في التعليم أولويّة قصوى في العديد من الوثائق السياسيّة الدوليّة، ويُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسيّة لمستقبل التعليم، مدفوعًا بجائحة كوفيد-19 والقصور الطويل الأمد في جودة التعليم" (Mincu, 2022). بناء على ذلك، أصبح من اللازم أن تبدأ عمليّات التطوير المدرسيّ من منطلق غير تقليديّ، مناسب لكلّ التغيّرات والتحدّيات التي قد تواجه التعليم، لنخرج من قوقعة النمط التقليديّ إلى الإبداع والاستدامة في المجال التطويريّ التربويّ، خصوصًا في معالجة المشكلات داخل أسوار المدارس والمؤسّسات التعليميّة. أصبح لزامًا أن تنطلق كلّ عمليّة تطويريّة تربويّة من تشخيص دقيق للحاجات الفعليّة، لا من حلول جاهزة مفروضة من الخارج. وتُعدّ مرحلة تحديد الحاجة الخطوة الأكثر جوهريّة قبل الانطلاق بأيّ مشروع تطويريّ، إذ إنّها تضمن أن تكون الانطلاقة متجذّرة في سياق المدرسة الواقعيّ، وقائمة على أولويّات نابعة من الميدان. ويتّسق هذا التوجّه مع ما تشير إليه الأدبيّات التربويّة الحديثة التي ترى أنّ المدرسة الفاعلة، تلك التي تعمل بوصفها "منظّمة متعلّمة"، حيث يُشخّص الواقع المدرسيّ بصورة مستمرّة، ويُعزّز التعلّم المهنيّ الجماعيّ وتبادل المعرفة بين المعلّمين، من أجل تطوير الممارسات التعليميّة، وتحسين نتائج تعلّم الطلبة (Kools & Stoll, 2016).
يناقش هذا المقال تجربة عمليّة نفّذها فريق من المتدرّبين ضمن مشروع "تمام"، وهو مشروع بحثيّ تربويّ إقليميّ أطلقته الجامعة الأمريكيّة في بيروت سنة 2007، ويُعنى ببناء قدرات المدارس على قيادة التغيير التربويّ انطلاقًا من سياقها المحلّيّ، بتطوير مهنيّ مستند إلى المدرسة، وقائم على التأمّل والعمل الجماعيّ والبحث التشاركيّ. جاءت التجربة في إطار برنامج "إعداد المدرّبين على بناء القدرات القياديّة للتطوير المستند إلى المدرسة"، والذي يركّز على تمكين الفرق المدرسيّة من قيادة التطوير من داخل المدرسة نفسها، لا بواسطة تدخّلات خارجيّة. وقد طُبّقت التجربة في إحدى المدارس في المملكة العربيّة السعوديّة، بقيادة فريقها وبتيسير المتدرّبين المحلّيّين؛ إذ بدأت باختيار المدرسة وتشكيل فريق قياديّ داخليّ، ثمّ تنفيذ عمليّة تشخيصيّة جماعيّة وتحليل معمّق للواقع، وصولًا إلى تحديد الحاجة التطويريّة الأكثر إلحاحًا، والمتمثّلة في تعزيز الدور الإشرافيّ الداخليّ للفريق الإداريّ، لا سيّما قائد المدرسة. وتسرد التجربة كيف تمّ التوصّل إلى هذه الحاجة، ولماذا عُدّت الخيار الأكثر تأثيرًا واستدامة.
لماذا تبدأ كلّ رحلة تطويريّة بتحديد الحاجة؟
في أغلب الأحيان، يتّجه المطوّرون التربويّون إلى وضع الحلول قبل تحديد الحاجات وأولويّاتها بعمق، ما يؤدّي إلى حاجات غير مرتبطة بمشكلات فعليّة، وينتج عن ذلك حلول غير فعّالة أو غير مستدامة. لذا، يجب أن يكون تحديد الحاجات الفعليّة، وليس الحلول، نقطة البداية لأيّ مشروع تطويريّ. وعليه، فإنّ البدء بمحطّة تحديد الحاجة ليس ترفًا تنظيميًّا، بل خطوة استراتيجيّة. وبحسب دليل Needs Assessment، فإنّ "الغرض من تقييم الحاجات مساعدة المربّين في التحديد والفهم والترتيب للحاجات التي يجب على المديريّات والمدارس معالجتها لتحسين الأداء" (Cuiccio & Husby-Slater, 2018).
وتأتي أهمّيّة تحديد الحاجة من عدّة أبعاد، كونها:
- تعتبر تمهيدًا يسمح للفريق القياديّ بالتأمّل بشكل جماعيّ، ما يتيح لهم الفرصة لـقراءة المعطيات وتحليل التحدّيات، بما يخلق توافقًا داخليًّا حول الأولويّات.
- تكشف الفجوات المخفيّة الخاصّة بالسياق المدرسيّ، والتي قد لا تظهر في المؤشّرات السريعة، لكنّها ستؤثّر بعمق في الأداء والممارسات الصفّيّة.
- تُسهم في تحويل ثقافة العمل من الاستجابة للأوامر إلى المبادرة بالتشخيص والتحسين، ما يُعزّز التمكين والوكالة المهنيّة للممارسين.
- تمنح المدرسة صوتها الخاصّ في تحديد مسارها التطويريّ، ما يزيد من فاعليّة أيّ تدخّل لاحق واستدامته.
وعليه، فإنّ إغفال هذه المرحلة أو التهاون في تطبيقها بعمق وتشاركيّة، يجعل كثيرًا من المبادرات عرضة للزوال أو الانفصال عن الواقع، مهما كانت أدواتها حديثة أو تصميمها متقنًا.
ويُعرَّف "تحديد الحاجة" بأنّه "فحص منهجيّ للفجوة بين الوضع الحاليّ والوضع المرغوب، بما يساعد التربويّين على تشخيص الواقع، وترتيب الاحتياجات بحسب أهمّيّتها". ولا تقتصر أهمّيّته على كونه خطوة تحليليّة، بل لأنّه يمكّن الفريق التربويّ من امتلاك المبادرة، وبناء مشروع تغييريّ نابع من المدرسة لا مفروض عليها (تمام، 2018).
وانطلاقًا من هذا التعلّم، اكتسبنا، نحن المدرّبين، قناعة عميقة بأهمّيّة تحويل هذا الفهم إلى ممارسة فعليّة على أرض الواقع. ومن هنا انطلقنا إلى تجريب عمليّة "تحديد الحاجة" في إحدى المدارس، بهدف تطبيق ما تعلّمناه ميدانيًّا، واختبار مدى فاعليّة هذا النهج في تمكين الفريق المدرسيّ من تشخيص واقعه التربويّ، وتحديد أولويّاته التطويريّة. ويُعرض في ما يلي وصف لتجربة تحديد الحاجة وخطواتها التنفيذيّة.
المشروع التدريبيّ: خلفيّة الانطلاق
شكّل البرنامج إطارًا مهنيًّا ساعدني وزملائي المشاركين في تأمّل ممارساتنا التربويّة، وتيسير تحليل الواقع المدرسيّ بطريقة تشاركيّة، بهدف الوصول إلى فهم أعمق للحاجات التطويريّة الفعليّة، والقدرة على قيادتها من داخل المدرسة. ولم نكن أدوات لنقل مبادرات جاهزة، بل ميسّرون نساند في بلورة رؤى جديدة تنطلق من خصوصيّة كلّ سياق مدرسيّ نعمل فيه. وبحكم عملنا في تلك الفترة مشرفين تربويّين في إحدى إدارات التعليم في المملكة العربيّة السعوديّة، وبحكم طبيعة عملنا الذي يتمثّل في جزء كبير منه في تطوير مهنيّ للمعلّمين والمدراء، اقترحنا تنفيذ المشروع التدريبيّ في إحدى المدارس الحكوميّة للبنين، بالتشاور مع الأقسام المعنيّة، ليكون بمثابة تجربة تطبيقيّة أولى لتفعيل مفهوم تحديد الحاجة في سياق واقعيّ داخل المدرسة.
اختيار المدرسة وتشكيل الفريق القياديّ
بعد دراسة ومفاضلة، وقع الاختيار على مدرسة ابتدائيّة للبنين في المملكة العربيّة السعوديّة، استوفت عددًا من المحكّات الجوهريّة لتطبيق المشروع ، من أبرزها:
- - وجود قيادة مدرسيّة منفتحة على فرص التطوير.
- - استعداد أفراد من المدرسة للتعاون والانخراط في العمل التشاركيّ.
- - وجود توقيت مناسب لتطبيق المشروع ضمن تقويم المدرسة السنويّ.
- - إمكانيّة استمرار التواصل الدوريّ بين أعضاء الفريق القياديّ والمدرّبين برغم التحدّيات.
تشير Mincu (2022) إلى أنّ التحوّل المدرسيّ لا يتحقّق بمبادرات فرديّة معزولة، بل يتطلّب قيادة مدرسيّة قادرة على بلورة رؤية مشتركة، تنبثق من التفاعل بين الفاعلين داخل المدرسة.
ولأنّ أيّ تطوير تربويّ مستدام لا يمكن أن يُدار بأسلوب فرديّ أو فوقيّ، كان من المهمّ تشكيل فريق قياديّ داخليّ يعمل من داخل المدرسة نفسها، ويقود مسار التغيير عن طريق الشراكة لا التبعيّة. وبالفعل، نُسّق مع الإدارة المدرسيّة لتشكيل الفريق القياديّ، والذي ضمّ:
- 1. قائد المدرسة.
- 2. وكيل المدرسة.
- 3. رائد النشاط.
- 4. ثلاثة معلّمين من تخصّصات مختلفة.
وبحسب المعايير التي شاركها معنا مشروع تمام، كان لا بدّ من توفّر مجموعة من السمات الضروريّة لقيادة التطوير، مثل الحماس للتعلّم، والقدرة على العمل ضمن فريق، والانفتاح على الحوار البنّاء، وتقبّل التغذية الراجعة.
ولم يكن هذا التشكيل خطوة إداريّة فقط، بل كان جزءًا من التمهيد الثقافيّ للتطوير، إذ تمكّن الفريق من إدراك أنّه ليس منفّذًا لتوجيهات مفروضة، بل شريك في تحليل الواقع وصياغة مسارات العمل.
وقد ساعدت مشاركتنا في برنامج إعداد المدرّبين في تمام، والذي ركّز على كيفيّة بناء القدرات القياديّة داخل المدرسة، في امتلاك بعض الأدوات النوعيّة لتحفيز هذا النوع من القيادة التشاركيّة، والتي ترى في التطوير رحلة جماعيّة تنبع من المدرسة ولا تُفرض عليها.
تحديد الحاجة التطويريّة: من الفهم إلى المسار
بعد تشكيل الفريق القياديّ وتحضير البيئة المدرسيّة للانطلاق بالتطوير، بدأت أولى خطوات العمل بتحديد الحاجة التطويريّة، بصفتها محطّة محوريّة تمثّل الانطلاقة الحقيقيّة لأيّ مشروع تغيير مستند إلى المدرسة. انطلقنا، بوصفنا مدرّبين، من قناعة بأنّ التطوير لا يبدأ من الحلول، بل من فهم السياق بدقّة. لذلك ركّزنا على تحليل الواقع المدرسيّ كما هو، وليس كما نتمنّى أن يكون.
تحديد الحاجة لا يعني فقط الإحاطة بالمشكلة، بل بفهم المسبّبات والمظاهر والظروف المحيطة بها. تمثّلت الخطوة الأولى في تيسير جلسات عصف ذهنيّ داخل الفريق القياديّ، أعقبها جمع بيانات نوعيّة من مصادر متعدّدة، شملت المقابلات الفرديّة مع المعلّمين، ومجموعات التركيز، بالإضافة إلى مراجعة السجلّات المدرسيّة، والخطط الإشرافيّة السابقة، ونتائج التحصيل الدراسيّ، وتقارير زيارات المشرفين.
وفي هذا السياق، تدرّج الفريق في تحليل هذه البيانات باستخدام أدوات تحليليّة نوعيّة، من بينها تحليل الفجوة وSWOT Analysis، والذي مكّن الفريق من تحديد نقاط القوّة ونقاط الضعف والفرص المتاحة والتحدّيات، ما ساعد في بناء تصوّر أكثر وضوحًا ودقّة للواقع المدرسيّ.
وقد طُرحت في البداية مجموعة من الحاجات التطويريّة بناءً على الانطباعات الشخصيّة والملاحظات العامّة، غير أنّ النقاش التفكّريّ الجماعيّ والتحليل العميق للبيانات، قاد الفريق إلى التوافق على أنّ الحاجة الأكثر جوهريّة وأولويّة في هذه المرحلة، تتمثّل في تطوير الدور الإشرافيّ الداخليّ لقائد المدرسة.
وجاء هذا التحديد لأنّه يتماشى مع معايير الاختيار الفعّال للحاجة التطويريّة، وأهمّها:
- - اتّساق الحاجة مع رؤية المدرسة التي تسعى لتعليم متميّز عالي الجودة، ما يجعل تحسين الإشراف التربويّ الداخليّ ركيزة لتحقيق هذا الهدف.
- - قدرة الحاجة على إحداث تأثير مباشر في الممارسات الصفّيّة، عن طريق رفع جودة المساندة المهنيّة المقدّمة إلى المعلّمين.
- - إمكانيّة التغيير والتحسين من داخل المدرسة، من دون الاعتماد على تدخّلات خارجيّة.
- - قابليّة التنفيذ والتقييم باعتماد مؤشّرات واضحة، يمكن رصدها على مدار العام الدراسيّ.
من تشخيص الحاجة إلى بناء التصوّر المثاليّ: رحلة تشاركيّة نحو التحسين
بعد تحديد الحاجة التطويريّة المرتبطة بتقوية الدور الإشرافيّ الداخليّ للقائد في المدرسة، بدأ الفريق بقيادة هذا المشروع التحسينيّ في جلسات تفكّر تشاركيّة، تهدف إلى تعميق الفهم للواقع الحاليّ، وتحليل الجذور الممكنة للمشكلة، ثمّ الانتقال إلى رسم تصوّر مثاليّ للإشراف التربويّ المنشود الذي يطمح الفريق إلى تحقيقه.
كانت هذه الجلسات منظّمة وفق خطّة زمنيّة مرنة، تراعي طبيعة الجداول المدرسيّة ومهامّ الفريق، وتستثمر الأدوات التأمّليّة، مثل خرائط التفكير، وجداول المقارنة بين الوضع القائم والمأمول. لم يكن الهدف من هذه الجلسات وصف الواقع فقط، بل إعادة تأطيره ضمن منظور تحليليّ، يسمح ببلورة التصوّر المثاليّ الذي تطمح إليه المدرسة.
في نهاية مرحلة تحديد الحاجة، توصّل الفريق إلى بناء تصوّر مثاليّ أوّليّ لدور إشرافيّ فعّال، يتجاوز المتابعة الشكليّة إلى مرافقة مهنيّة داعمة تُبنى على الثقة والتغذية الراجعة التشاركيّة. وعلى الرغم من أنّ المشروع توقّف عند هذه المرحلة، إلّا أنّ المدرسة احتفظت بهذا التصوّر مرجعيّة استراتيجيّة مستقبليّة، تنطلق منها أيّ خطط تطوير لاحقة. وقد شكّل هذا التصوّر ثمرة لعمليّة تفكّر جماعيّ وتحليل معمّق للواقع.
مدرسة تعرف ماذا تريد
تؤكّد هذه التجربة، على بساطتها، أهمّيّة أن تمتلك المدرسة صوتها الخاصّ في تحديد وجهتها التطويريّة. فحين يكون التغيير نابعًا من فهم دقيق للحاجة، ومبنيًّا على مشاركة فاعلة، يصبح أكثر قابليّة للاستدامة والتأثير. ويمكن تلخيص أهمّ ما خرجنا به من هذا المشروع التدريبي، في أنّ تحديد الحاجة ليس مجرّد خطوة، بل أسلوب تفكير وبحث تربويّ، يدعو المدرسة إلى التوقّف والتأمّل والتساؤل: "إلامَ نحتاج؟ ولماذا؟ وكيف نعرف ذلك من معرفتنا بسياقنا؟"وهذا، في جوهره، ما يصنع الفرق بين مبادرة تمرّ، وتطوير يبقى.
المراجع
- تمام. (2018). مشروع التطوير المستند إلى المدرسة. الجامعة الأمريكيّة في بيروت.
- U.S. Department of Education. (2016). Guide to conducting a needs assessment.
- Mincu, M. E. (2022). Why is school leadership key to transforming education? Structural and cultural assumptions for quality education in diverse contexts. Prospects, 51, 445–468.
- Kools, M., & Stoll, L. (2016). What Makes a School a Learning Organisation? OECD Education Working Papers, No. 137. Paris: OECD Publishing. https://doi.org/10.1787/5jlwm62b3bvh-en
- Cuiccio, C., & HusbySlater, M. (2018). Needs Assessment Guidebook: Supporting the development of district and school needs assessments. U.S. Department of Education. Slater,





نشر في عدد (24) ربيع 2026