المتعلّم بعد المدرسة: أيّ إنسان نُريد؟ قراءة تربويّة في الممارسات الصفّيّة ذات البعد المستقبلي
المتعلّم بعد المدرسة: أيّ إنسان نُريد؟ قراءة تربويّة في الممارسات الصفّيّة ذات البعد المستقبلي
وديع بويزيم | باحث في فلسفة التربية ومنسّق خدمة الزوار في متحف الفن الإسلاميّ- قطر/ المغرب

لم يعد التعليم يُقاس بقدرة المتعلّم على استيعاب المعرفة وإعادة إنتاجها في الاختبارات فقط، بل بمدى قدرته على التفكير المستقلّ واتّخاذ القرار والتفاعل مع واقعه. وانطلاقًا من هذا التصوّر، ينطلق هذا المقال من فرضيّة مفادها أنّ الصفّ الدراسيّ يمثّل الفضاء الأساسيّ الذي تتشكّل فيه ملامح المتعلّم القادر على الحياة بعد المدرسة، وأنّ نوعيّة الممارسات الصفّيّة تحدّد ما إذا كان المتعلّم سيظلّ متلقّيًا سلبيًّا، أم سيتحوّل إلى فاعل في بناء تعلّمه.

في هذا الإطار، سعت التجربة الصفّيّة، من واقع تجربتي الخاصّة التي يستند إليها هذا المقال، لتأكيد أنّ بناء متعلّم مستقلّ لا يتحقّق بالخطاب النظريّ، بل بمواقف تعليميّة يوميّة تتيح له الاختيار والتجريب والتعبير عن الرأي. فعندما يشعر المتعلّم أنّ صوته مسموع، وأنّ قراراته تؤثّر في مسار التعلّم، يتحوّل تدريجيًّا من منفّذ للتعليمات إلى شريك في بناء المعرفة، وهو ما يشكّل أساس المتعلّم القادر على مواصلة التعلّم، والتفاعل مع الحياة بعد المدرسة.

 

الاستقلاليّة وبناء القدرة على اتّخاذ القرار

اعتمدت في تجربتي الصفّيّة في مادّة الاجتماعيّات، على ممارسات تمنح المتعلّم مساحة حقيقيّة للتفكير والاختيار، بهدف تنمية قدرته على اتّخاذ القرار وبناء موقف مبرَّر. من بين أبرز هذه الممارسات، اعتماد الأسئلة المفتوحة في بداية الدرس أو نهايته، خصوصًا في موضوعات التاريخ والمجتمع. فعند مناقشة حدث تاريخيّ أو ظاهرة اجتماعيّة، أطرح على الطلبة أسئلة مثل: كيف يمكن فهم هذا الحدث من أكثر من زاوية؟ أو ما أثر هذا القرار في حياة الناس آنذاك واليوم؟ لا أبحث بهذه الأسئلة عن إجابة نموذجيّة جاهزة، بل أسعى لدفع المتعلّم إلى التفكير وبناء الحجج، وتبرير موقفه انطلاقًا من فهمه المحتوى. ثمّ أفتح المجال للنقاش داخل الصفّ، فيعرض الطلبة آراءهم ويتبادلون وجهات النظر، ما يساعدهم في التعبير بثقة وفي الاعتماد على تفكيرهم الخاصّ، بدل انتظار الإجابة الصحيحة من المعلّم.

كما حرصت في عدد من المشاريع المرتبطة بالمنهاج على منح الطلبة مساحة للاختيار، سواء في تحديد موضوع البحث أو في اختيار طريقة تقديمه. ففي وحدة الحضارات القديمة لطلبة الصفّ السادس مثلًا، طلبت إلى الطلبة اختيار موضوع يرتبط بمظاهر الحياة (الاجتماعيّة، الاقتصاديّة، السياسيّة)، ثمّ تركت لهم حرّيّة تحديد شكل المنتج النهائيّ: عرض شفهيّ، أو ملصق بصريّ، أو تصميم رقميّ، أو نشاط تفاعليّ. هذا التنويع في الخيارات يمنحهم فرصة اتّخاذ قرارات مرتبطة بتعلّمهم. وأثناء مراحل الإنجاز، أطلب إليهم توضيح أسباب اختياراتهم: لماذا اخترت هذا الموضوع؟ ولماذا هذه الطريقة في العرض؟ هذا الحوار البسيط يساعدهم في التفكير في قراراتهم بوعي، وفي إدراك أثرها في جودة العمل النهائيّ، ما يسهم تدريجيًّا في بناء متعلّم قادر على اتّخاذ القرار داخل الصفّ وخارجه.

 

التعلّم التعاونيّ وتنمية المسؤوليّة الجماعيّة

إلى جانب تنمية الاستقلاليّة الفرديّة، حرصت في مادّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة في توظيف العمل التعاونيّ، بوصفه مساحة لتعلّم اتّخاذ القرار الجماعيّ. فعند تدريسي وحدة الحضارة الأندلسيّة مثلًا، طلبت إلى الطلبة العمل في مجموعات لاختيار مدينة أندلسيّة محدّدة، مثل قرطبة أو غرناطة أو إشبيليّة، ثمّ إعداد عرض يبرز خصائصها المعماريّة والثقافيّة وأهمّيّتها التاريخيّة. تركت لكلّ مجموعة حرّيّة تنظيم عملها وتوزيع الأدوار داخلها: باحث عن المعلومات، ومصمّم للملصق أو العرض، ومنسّق للأفكار، ومتحدّث يقدّم العمل أمام الصفّ. هذا التنظيم الذاتيّ دفعهم إلى التفاوض وتحديد الأولويّات، واتّخاذ قرارات مشتركة حول محتوى العرض وطريقة تقديمه. وفي نشاط آخر ضمن محور القضايا الاجتماعيّة المعاصرة في مادّة الأفراد والمجتمعات، عمل الطلبة على إعداد عروض حول موضوعات مثل التنوّع الثقافيّ. كان على كلّ مجموعة اختيار القضيّة التي ترغب في تناولها (الأكل، اللباس، الأنشطة التقليديّة). وقد أتاح لهم ذلك ممارسة اتّخاذ القرار الجماعيّ، وتعلّم كيفيّة الاستماع إلى آراء الآخرين وبناء مشروع مشترك.

في نهاية هذه الأنشطة، أخصّص وقتًا لعرض نقاش تأمّليّ، يساعدهم في إدراك العلاقة بين القرارات التي اتّخذوها والنتائج التي حقّقوها، ويعزّز لديهم الشعور بالمسؤوليّة الفرديّة والجماعيّة. بهذه الممارسات المرتبطة بموضوعات محدّدة من المنهاج، مثل الحضارة الأندلسيّة أو القضايا الاجتماعيّة، يصبح العمل التعاونيّ أكثر من مجرّد تقسيم للمهامّ، إذ يتحوّل إلى تجربة تعلّم حقيقيّة، تدرّب المتعلّم على اتّخاذ القرار والعمل مع الآخرين، وهي مهارات أساسيّة يحتاج إليها في حياته الدراسيّة والاجتماعيّة بعد المدرسة.

 

ربط المعرفة بالواقع الاجتماعيّ

انطلقت في الممارسة الصفّيّة من مبدأ أساسيّ مفاده أنّ تعلّم العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، لا يكتسب معناه إلّا إذا ارتبط بالواقع الذي يعيشه المتعلّم. لذلك قمت بإدماج قضايا اجتماعيّة معاصرة داخل الدروس والأنشطة الصفّيّة، بحيث لا تبقى المعرفة التاريخيّة أو الجغرافيّة أو الاجتماعيّة معزولة عن حياة الطلبة اليوميّة. في بداية بعض الحصص، أخصّص دقائق قصيرة لما يمكن تسميته "متابعة الحدث"، فأطرح على الطلبة سؤالًا موجّهًا: ما أبرز حدث سمعتم عنه في مجتمعكم أو في العالم هذا الأسبوع؟ هذا النشاط البسيط ساعد في تنمية وعيهم بما يحدث حولهم، وفي إدراكهم أنّ ما يتعلّمونه في الصفّ يمكن أن يفسّر أحداث الواقع، ويمنحهم أدوات لفهمها.

كما اعتمدت في الأنشطة البحثيّة على ربط المفاهيم الدراسيّة بقضايا واقعيّة. فعند تدريس موضوع اكتشاف الزراعة للصفّ السابع، طلبت إلى الطلبة اختيار مشكلة زراعيّة معاصرة في المجتمعات العربيّة، مثل التصحّر أو استخدام الموادّ الكيميائيّة أو ندرة المياه، ثمّ تحليل أسبابها ونتائجها واقتراح حلول ممكنة. وقد عُرضت نتائج العمل في شكل ملصقات أو عروض شفويّة، ما أتاح لهم الانتقال من فهم المعرفة التاريخيّة إلى توظيفها في قراءة الواقع. هذا النوع من المشاريع جعل التعلّم أكثر معنى، لأنّه وضع المتعلّم أمام مشكلات حقيقيّة، تتطلّب التفكير والتحليل واقتراح الحلول.

وفي سياق تنمية الحسّ الاجتماعيّ، شارك الطلبة في أنشطة توعويّة مرتبطة بموضوعات إنسانيّة، مثل البيئة أو العنصريّة أو الهجرة، فعملوا على تصميم ملصقات أو رسائل توعويّة موجّهة إلى مجتمع المدرسة. وقد أسهمت هذه الأنشطة في تعزيز شعورهم بأنّ المعرفة يمكن أن تتحوّل إلى فعل اجتماعيّ مؤثّر، وأنّ دورهم لا يقتصر على التعلّم داخل الصفّ، بل يمتدّ إلى التفاعل مع المجتمع.

تكشف هذه الممارسات أنّ ربط المعرفة بالواقع لا يحتاج إلى مشاريع معقّدة، بقدر ما يحتاج إلى وعي تربويّ يجعل من الدرس منطلقًا لفهم العالم. فعندما يدرك المتعلّم أنّ ما يتعلّمه يساعده في قراءة مجتمعه والتفاعل معه، يصبح أكثر انخراطًا في التعلّم، وأكثر استعدادًا لممارسة دوره بوصفه مواطنًا واعيًا بعد المدرسة.

 

الحوار والاختلاف بوصفهما كفايات لما بعد المدرسة

من الجوانب المركزيّة في إعداد المتعلّم للمستقبل، تمكينه من مهارات الحوار والتعامل مع الاختلاف. وقد تجسّد ذلك في تنظيم نقاشات صفّيّة تُشجّع على التعبير عن الرأي، والإصغاء إلى الآخر، وبناء الحجج، لا سيّما في المدارس التي تضمّ تنوّعًا ثقافيًّا ولغويًّا بين الطلبة. ويساعد هذا على توظيف هذه الاختلافات إيجابيًّا، عن طريق فتح نقاش حول أهمّيّتها بوصفها عنصر إثراء. فعند طرح أيّ قضيّة أو الحديث عن عادات أو تقاليد، تظهر آراء وقصص مختلفة وثريّة وملهمة، تُسهم في تبادل المعارف. لم يكن الهدف الوصول إلى توافق شكليّ، بل تدريب المتعلّمين على تقبّل التعدّد، واحترام وجهات النظر المختلفة، والدفاع عن مواقفهم بوعي. وقد مثّل هذا الثراء في تجاربي نقطة قوّة للمدرسة بتنظيمها فعّاليّات تُبرز هذا التنوّع، مثل اليوم العالميّ لمناسبات متعدّدة، والاحتفاء بثقافات وتجارب متنوّعة، بما يتيح للطلبة الانفتاح على ثقافات أخرى، وتبادل المعارف معها في تفاصيل الحياة المختلفة، مثل الأكل واللباس والفلكلور، لبناء طالب منفتح العقل. وتُعدّ هذه المهارات أساسيّة للحياة بعد المدرسة، سواء في الفضاء الجامعيّ أو المهنيّ أو المجتمعيّ.

 

دور المعلّم في صناعة المتعلّم المستقبليّ

تُبرز هذه التجربة الصفّيّة أنّ التحوّل في صورة المتعلّم، يقتضي تحوّلًا موازيًا في دور المعلّم. فالمعلّم لم يعد ناقلًا للمعرفة فقط، بل مصمّمًا لتجارب تعلّم تُنمّي التفكير والاستقلاليّة والمسؤوليّة. ويتطلّب هذا الدور وعيًا تربويًّا عميقًا، وقدرة على الموازنة بين التوجيه وترك المساحة للمتعلّم ليبني تجربته الخاصّة.

في هذا الإطار، يصبح المعلّم شريكًا في بناء الإنسان، لا مجرّد منفّذ للمنهاج، وهو ما يمنح للممارسة الصفّيّة بُعدها الإنسانيّ والأخلاقيّ.

 

ما ينقصنا اليوم لبناء هذا المتعلّم؟

مع أهمّيّة هذه الممارسات الصفّيّة وإمكاناتها في بناء المتعلّم المستقبليّ، إلّا أنّ السؤال النقديّ يظلّ قائمًا: إلى أيّ حدّ يمكن لهذه المبادرات الصفّيّة أن تتحوّل إلى ثقافة مدرسيّة عامّة، لا مجرّد اجتهاد فرديّ مرتبط بشخص المعلّم؟ فالكثير من الأنظمة التعليميّة ما تزال محكومة بمنطق الامتحان المركزيّ، وبثقافة تعتبر النجاح مرادفًا للدرجة، لا لبناء الإنسان. كما إنّ ضغط المناهج، وثقل التقييمات، وضعف تكوين المعلّمين على الاستراتيجيّات الحديثة، قد تجعل هذه الممارسات عرضة للتهميش أو الاختزال.

لا يمكن أن يكون بناء "المتعلّم بعد المدرسة" مهمّة الصفّ وحده، بل يتطلّب مراجعة شاملة للمنظومة التعليميّة: من فلسفة المناهج، إلى طرق التقييم، إلى ثقافة المدرسة، حتّى تصبح المدرسة فضاءً لصناعة الإنسان، لا لإنتاج شهادات فقط. فالتحدّي الحقيقيّ اليوم ليس في تطوير أنشطة جميلة داخل الصفّ، بل في جعل المدرسة نفسها مشروعًا مجتمعيًّا يربّي على الحياة، لا على الامتحان.

وهنا، يشير الفيلسوف التربويّ جون ديوي (2012) في كتابه "التربية والديمقراطيّة"، إلى أنّ المدرسة ينبغي أن تكون "مجتمعًا مصغّرًا"، يعيش فيه المتعلّم خبرات حقيقيّة تمكّنه من فهم الحياة والمشاركة فيها، لا مجرّد فضاء لتلقّي المعلومات أو اجتياز الاختبارات. فالتعليم، في نظره، عمليّة اجتماعيّة تهدف إلى إعداد الفرد للحياة الديمقراطيّة الفاعلة، وليس فقط للنجاح الأكاديميّ. ومن هذا المنظور، لا يمكن للممارسات الصفّيّة التحويليّة أن تظلّ جهودًا فرديّة، بل ينبغي أن تتحوّل إلى ثقافة مؤسّسيّة، تُعيد تعريف معنى النجاح والتعلم. 

 

***

في هذا الطرح، أردت الوصول إلى أنّ سؤال "أيّ إنسان نريد بعد المدرسة؟" لا يمكن أن يبقى سؤالًا نظريًّا يُناقَش في الوثائق التربويّة فقط، فهو سؤال يجب أن يُحسم يوميًّا داخل الصفّ عن طريق الممارسات التعليميّة. فحين تُبنى الحصص الدراسيّة على الاستقلاليّة والحوار والمسؤوليّة وربط المعرفة بالواقع، تصبح المدرسة فضاءً لتشكيل إنسان قادر على التفكير والفعل والمشاركة في المجتمع، لا مجرّد متعلّم قادر على اجتياز الاختبارات.

يتمثّل الرهان الحقيقيّ اليوم في تحويل هذه الممارسات من مبادرات فرديّة، إلى ثقافة تربويّة مؤسّسيّة تجعل من المدرسة فضاءً لتعلّم الحياة ذاتها، إذ تبدأ رحلة المتعلّم بعد المدرسة من داخلها، لا عند مغادرتها.

 

المراجع

- فريري، باولو. (2003).  تعليم المقهورين. ( ترجمة: يوسف عوض، نور). دار الطليعة. 

- ديوي، جون. (2012). الديمقراطيّة والتربية. (ترجمة: عفراوي، منى). مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر.

- تجربتي التعليميّة الخاصّة في مدينة تطوان، المغرب.

- Dewey, John. (1916). Democracy and Education: An Introduction to the Philosophy of Education. The Macmillan Company,