الرفاه المدرسيّ: أساس التعلّم الفعّال
الرفاه المدرسيّ: أساس التعلّم الفعّال

 

نظّمت منهجيّات ندوتها الشهريّة بعنوان "الرفاه المدرسيّ: أساس التعلّم الفعّال"، والتي ركّزت على محاور مُختلفة، منها:

1. الرفاه المدرسيّ والمنهاج.
2. الرفاه المدرسيّ للمعلّمين.
3. الرفاه المدرسيّ للطلّاب.
4. دور الإدارة المدرسيّة في تحقيق الرفاه لجميع أعضاء المجتمع المدرسيّ.

استضافت الندوة مجموعةً من المتحدّثات والمتحدّثين، هُم: محمّد سعيد، منسّق برامج في المدرسة المصريّة الدوليّة. وعبير حمصيّ، مديرة مدرسة ثانويّة رياض الصلح الرسميّة في لبنان. ومجد فاخوري، مسؤولة قسم الإرشاد في المدرسة المعمدانيّة في الأردن. وشادي عماري، منسّق قسم الإرشاد في الأكاديميّة العربيّة الدوليّة في قطر. وأدارت الندوة الدكتورة ريام أبو لبن، مستشارة تربويّة.

استهلّت د. ريام الندوة بالإشارة إلى أنّنا، في الوقت الرّاهن، نمرّ في لحظة تاريخيّة في الحقل التربويّ في الوطن العربيّ، ذلك أنّنا نواجه تقدّمًا معرفيًّا تكنولوجيًّا سريعًا، وتحدّيات اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وصحّيّة. توثّر هذه التحدّيات بشكلٍ مُباشر في الأطفال، خصوصًا أنّ دور المدرسة تعدّى دور التحصيل العلميّ المُجرّد. وأضافت أنّه مع تغيّر السياق والقيم وتقدّم العلم الذي يُساهم في تعزيز فهم أعمق للعمليّة التعليميّة والاحتياجات الاجتماعيّة النفسيّة للطلبة، وجدت المدارس نفسها أمام تحدّيات كبيرة، منها الجديد ومنها القديم المتجدّد.

وركّزت د. ريام على أنّ الحاجة باتت ماسّة وملحّة للابتكار وتبنّي استراتيجيّات وبرامج تضمن تحقيق الصحّة النفسيّة والعقليّة والاجتماعيّة لكافّة أفراد المُجتمع المدرسيّ. وتحدّثت في تقديمها حول اقتران مفهوم الرفاه المدرسيّ بفترة جائحة كورونا، وأكّدت على أنّ هذا المفهوم يعدُّ ركنًا أساسيًّا في العمليّة التربويّة.

 

حول مفهوم الرفاه المدرسيّ

بدأ عماري هذا المحور بتقديم تعريف للرفاه المدرسيّ، فقال: "يُنظر إلى الرفاه المدرسيّ على أنّه درجات متقدّمة من النماء والازدهار، من خلال الانخراط ضمن عمل مُعيّن، بهدف امتلاك المهارة والثقة والهدف للوصول إلى الفعاليّة الفرديّة المُدركة". وأضاف إلى ذلك أهمّيّة النظر إلى المفهوم بكونه يهدف إلى تحقيق التوازن بين المشاعر والأفكار والعلاقات الاجتماعيّة للفرد. كما أشار إلى تميُّز فكرة الرفاه بالتأقلم والمرونة والاكتفاء لكونه "جودة الحياة ونوعيّتها". وركّز على أهمّية النظر إلى أنواع الرفاه بكليّة، كالرفاه النفسيّ والعاطفيّ والاجتماعيّ، من أجل تحقيق الرفاه كمفهومٍ شاملٍ.

وضمن السياق ذاته، عرّفت حمصي الرفاه انطلاقًا من واقع المدرسة، فقالت: "هو الشّعور بالانتماء والاطمئنان والرضا، وهو إحساس حُبّ التواجد في المدرسة، والاهتمام بها وبأدقّ التفاصيل لتطويرها، للوصول إلى النجاح والإتقان والعُلا". وأشارت إلى ضرورة ألّا تكون المدرسة البيئةَ التي يخاف الطفل من التواجد بها، إنّما البيئة المحبّبة له، والتي توفّر له الراحة والسعادة والاهتمام.

وأشارت إلى أنّ تجسيد لمفهوم الرفاه يجعل المدرسة أشبه بالملجأ للمعلّم والطالب على السّواء، للابتعاد عن الأزمات، وتصبح، بالتّالي، مكانًا للتعبير عن الرغبات وتطوير المهارات. هُنا، يتجلّى شعور المسؤوليّة عند كلّ فرد من أفراد المجتمع المدرسيّ، ويتجسّد الرفاه المدرسيّ من خلال الانتماء إلى المدرسة، وتطويرها وتطوير بيئتها التعلُّميّة.

 

كيف يُحقّق المنهاج الرفاه المدرسيّ؟

بدأ سعيد ضمن هذا المحور باقتباس من جين نيلسن، وهو "من أين أتت تلك الفكرة المجنونة كون السبيل الأمثل لدفع الأطفال إلى فعل الأفضل هو أن نجعلهم يشعرون أنّهم أسوأ"، كمقدّمة ناقدة للضغط على الطلبة في سبيل إخراج أفضل ما لديهم، وهو ما يمثلّ مفهومًا معكوسًا للرفاه المدرسيّ. وأكّد سعيد على أنّ فكرة الرفاه المدرسيّ تتمثّل بجعل المجتمع المدرسيّ يشعر بالراحة والاطمئنان من أجل نتائج أفضل.

وشارك سعيد تجربة من المدرسة المصريّة الدوليّة، وهي مدرسة حكوميّة تقدّم تعليمًا دوليًّا. فتحدّث عن إدخال مفهوم التربية الإيجابيّة ضمن منهج البكالوريا الدوليّة، كاستجابة إلى الحاجة إلى مفهوم تربويّ يحترم المجتمع المدرسيّ، وخصوصًا الطالب وعمليّة إدماجه داخل المنظومة التربويّة. وتحدّث عن أنّ هذا المفهوم ساعد في فهم كلّ فرد لدورهِ، ما قاد إلى المساعدة في أمور عديدة، منها تعليم الأقران، والتعلّم بالتجاور بين أساتذة وطلبة من مدارس خاصّة وأساتذة وطلبة من مدارس حكوميّة. وأضاف أنّ مفهوم التربية الإيجابيّة ساهم في تعزيز شخصيّة الطالب، عبر فهم احتياجاته، وجعله شريكًا في العمليّة التربويّة، وبالتّالي كان مفهومًا تطبيقيًّا لتحقيق الرفاه المدرسيّ.

وفي الإجابة عن سؤال تحقيق المنهاج للرفاه المدرسيّ، تحدّث عماري على أهمّيّة جعل المنهج في المدارس منهجًا تشاركيًّا تشابكيًّا تكامليًّا. وأشار إلى ضرورة شبك الموادّ ببعضها لتعزيز شخصيّة الطالب، وجعل الموادّ مساحات تعبيريّة لا تتعارض مع بعضها، ذلك ليتعلّم الطالب عبر هذا المنهج العابر للموادّ مهارات مُختلفة، إلى جانب التركيز على التربية العاطفيّة.

وأكّدت د. ريام هُنا على أهمّيّة وجود منهاج يؤثّر في الفرد، وينمّي مهاراته على جميع الأصعدة، ليحقّق الرفاه المدرسيّ.

 

تحقيق الرفاه عبر حصص تربية الصفّ

داخلت فاخوري ضمن هذا المحور حول أهمّيّة بناء علاقة متينة بين الطالب والمعلّم، والسعي باستمرار لتقديم مواضيع تنمّي هذه العلاقة، وتنمّي علاقة الطالب بزملائه، وبالمجتمع المدرسيّ بشكلٍ متكامل كمقدّمة ومفتتح لتحقيق الرفاه. وأضافت أنّ هُناك جزءًا كبيرًا من الحصص يُركّز على تنمية جوانب مُختلفة؛ نفسيّة وروحيّة وجوانب بناء الشخصيّة، ويتمّ ذلك عبر عمليّة تكامليّة بين المعلّمين، ذلك للاتّفاق على المواضيع واختيار المرتبط بالواقع منها، وبالتالي بناء قاعدة متينة لتحقيق الرفاه المدرسيّ.

 

دور الإرشاد في تحقيق الرفاه للطلبة

هُنا أشار عماري إلى دور الإرشاد التربويّ الهامّ والكبير في دعم الطلبة. يبدأ هذا الدور بجانب وقائيّ توعويّ، عبر تزويد الطلبة بعدد من المهارات الحياتيّة والاجتماعيّة ومهارات الاستماع الفعّال والتعامل مع الآخر، ويستمرّ عبر النشرات الإرشاديّة لدمج أولياء الأمور في العمليّة الإرشاديّة من أجل تحقيق الرفاه.

وشارك عماري تجربة بسيطة لقسم الإرشاد في الأكاديميّة العربيّة الدوليّة في قطر، تمثّلت بتكوين نشاطات وألعاب وفعاليّات تربويّة، تسعى وتُساهم في خلق بيئة إيجابيّة بين الطلبة، بالتالي مساحة آمنة تُشجّع على التعبير الصادق والحُرّ.

وبهذا الخصوص، تحدّثت د. ريام حول أهمّيّة تساؤل المدارس عن ما تُقدّمه إلى المُرشد، للتأكُّد من أنّ المُرشد لا يُعاني "الاحتراق الوظيفيّ"، وبالتالي فقدان إحساسه بالرفاه والراحة في عمله، وذلك بغية استمراره في العطاء للطلبة، والتجديد في هذا العطاء. وأكّدت على أهمّيّة تقديم دعمٍ مهنيّ ونفسيّ للمرشدين، يساعدهم على تفريغ الضغط بدورهم، لأنّهم يواجهون حالات وتحدّيات صعبة جدًّا.

وضمن المحور ذاته، داخلت فاخوري حول فكرة تطبيقها للإرشاد غير المُباشر، عبر توظيف مجموعة من الأنشطة التي تعتمد على المسرح وعلى الحكايات، لتقديم الدعم للطلبة. وذكرت أفكارًا مُختلفة في سعيها للتقرّب من الطلبة، عبر تقمّص لباسهم أو أفكارهم، وبالتالي تشجيعهم على التعبير عن تحدّياتهم وتحقيق راحة نفسيّة لديهم. كما أشارت إلى أهميّة دور المُرشد في تقديم مسار لا حلول واضحة، لكي يكتشف الطالب طريقه، فيصبح المرشد هُنا ميسّرًا يراقب اكتشاف الطالب لمواهبه، ويساعده على حلّ المُشكلات من خلال الحوار، ومن خلال تمكين الطالب وإعطائه أدوات مُختلفة.

 

الرفاه المدرسيّ للمعلّم: تطوير الكفاءات وتسخير الأدوات

استكمل سعيد مُشاركة تجربته ولكن على مستوى المعلّم. فأشار إلى أنّ المدرسة، ومن اليوم الأوّل، جعلت المُعلّم شريكًا حقيقيًّا في العمليّة التعليميّة، عبر إشراكهِ في صياغة فلسفة المدرسة ومهمّتها. هذه الفكرة منحت المعلّمين ثقة كبيرة، وخلقت لدى المعلّم إحساسًا بأنّه مسؤول عن جميع مُركّبات المدرسة، وبالتالي يُظهر حرصًا كبيرًا على الطلبة وعلى تحقيق مساحة راحة لهم.

وأشار سعيد إلى أهمّيّة التركيز على الجوانب الاجتماعيّة والنفسيّة والمهنيّة للمعلّم من أجل تحقيق الرفاه، ويكون ذلك عبر إشراك المعلّمين بأنشطة تأسيسيّة تكوينيّة، تُساهم ببناء أُسرة تعليميّة متكاملة، وهو أمر عزّز فكرة الانتماء وفتح باب النقاش بين المعلّمين للحديث عن مشاكلهم في الغرفة الصفّيّة، وباب الحوار للتعبير عن ذواتهم.

وضمن هذا السياق، تحدّث عماري عن أهمّيّة وجود سياسات حماية الطفل ضمن المدرسة، وضرب مثالًا على وجودها في الأكاديميّة العربيّة الدوليّة، الأمر الذي يدعم أفراد المجتمع المدرسيّ نفسيًّا وعاطفيًّا، ويُشعرهم بأنّ المؤسّسة التي تحتضنهم تضع رفاههم أولويّة، وتسعى لتعزيز البيئة التعليميّة لتصبح بيئة خلّاقة وفاعلة وآمنة. وأشار عماري إلى تبنّي الأكاديميّة العربيّة الدوليّة للنهج التصالحيّ، وهو نهج يعزّز بيئة داعمة، وثقافة عامّة تصالحيّة لتحقيق رفاه الطلبة والمعلّمين، وبهذا النهج نستغني عن النظام السلوكيّ والعقوبات.

 

دور الأهل في تحقيق الرفاه المدرسيّ

ركّزت حمصي على ضرورة القيادة التشاركيّة بين الإدارة وأولياء الأمور. فتحدّثت عن أهمّيّة هذه المتابعة للطالب بين المدرسة والبيت، لمعرفة جوانب مُختلفة أكثر عنه، وبالتالي المساعدة الفاعلة في تقديم خطوات لتحقيق راحته وأمانه. وأشارت إلى أنّ هذا الدور التشاركيّ يُساهم بتوحيد الخِطاب بين المدرسة والبيت، فلا يشعر الطالب بفجوة بين ما يسمعه هُنا وهُناك، إنّما يلمس أشكالًا مُختلفة لقاعدة واحدة تهدف إلى مساعدته وتمكينه.

وشاركت فاخوري فكرة إدماج الأهل لضرورة فهم الأدوار ليس لتعزيز الرفاه فقط، ولتعزيز العمليّة التعلّميّة بكافّة جوانبها. وأكّدت على أهمّيّة إشراك أولياء الأمور كشركاء في وضع خطط المدرسة الاستراتيجيّة، والمُشاركة في تحديد حاجات أبنائهم. والوصول، بالتالي، إلى فهم شامل لحاجة الطالب، والاتفاق على آليّات مُختلفة لدعم الطلبة وجعل الرفاه هدفًا استراتيجيّا تشاركيّا بين جميع عناصر المجتمع المدرسيّ.

 

دور الإدارة المدرسيّة في تحقيق الرفاه المدرسيّ

استهلّت حمصي هذا المحور بحديثها عن ارتباط النجاح بشكلٍ مباشر بالرفاه المدرسيّ. وأشارت إلى أنّه طالما هُناك إيمان من قِبل الإدارة بهذه القناعة، فمن الضروريّ نشرها في المدرسة وتعزيزها كثقافة. وذكرت أنّ هذه الثقافة تُساهم في نشر أفكار ومعتقدات يؤمن بها أفراد المُجتمع المدرسيّ، وتصبح المدرسة ساحة لتطبيقها، على غرار، اتّخاذ القرارات، والحوار، وسياسة الباب المفتوح، وتعزيز التعبير لدى الطلبة وتحريره، خصوصًا في ظلّ الظروف الواقعيّة الصعبة المُختلفة. فتصبح المدرسة، إدارة ومعلّمين وطلبة، عائلة واحدة تدعم وتساند بعضها البعض.

وتحدّثت حمصي حول فكرة "الإدارة الودودة"، من منطلق أنّ المشاعر أساس العلاقات الإيجابيّة، و بالتالي مراقبة المعلّمين والطلبة ودعمهم، من خلال الاطلاع على حالتهم وتقديم الدعم الإيجابيّ إليهم. وشاركت حمصي تجربة انفجار مرفأ بيروت، وتضرّر جزء كبير من المدرسة، فكان الأساتذة والطلبة هُم من ساهموا بإعادة صيانة المدرسة، ذلك لاعتبارهم المدرسة مساحتَهم للحرّيّة والبناء، لا مساحة للتعذيب، وهذا كان مؤشّرًا على نجاح تعزيز الرفاه كثقافة في المؤسّسة، ووقوف جميع أفراد الأُسرة التعليميّة على الصفحة ذاتها.

وهُنا، أشارت د. ريام إلى أهمّيّة تقديم دعم ورعاية لمدير المدرسة. فمثلما الإرشاد بحاجة إلى دعم نفسيّ ومهنيّ، المدير بحاجة كذلك إلى هذا الدعم من باب تعزيز صحّته النفسيّة ورفاهه.

 

كلمة أخيرة

قدّم عماري كلمة أخيرة في الندوة، فأكّد على المهارات الحياتيّة بوصفها ضرورة لتحقيق الرفاه، وأنّها ما يجعل الشخص ممتلكًا مجموعة من الآليّات لمواجهة تحديّات الحياة. وتحدّثت فاخوري عن أهمّيّة تعزيز الرفاه وترسيخه كمفهوم ليأخذه الطلبة خارج أسوار المدرسة. أمّا سعيد فعبّر عن الأهمّيّة التي تكمن في كون الرفاه غاية، وركّز على أنّ العلاقة بين الطالب والمعلّم علاقةٌ إنسانيّة، ومن الضروري بناء هذه العلاقة على الاحترام والراحة، حتّى نستطيع خلق بيئة مُبدعة. وركّزت حمصي على أنّ دور الإدارة الهامّ بتعزيز فكرة الانتماء والرفاه، سينعكس على تعميم هذه الأفكار لتصبح بُنية ولبنة أساسيّة في المدرسة.

واختتمت د. ريام الندوة بقولها "قد يكون من الصعب تحقيق الرفاه في مدارسنا في ظلّ السياقات الصعبة التي نعيشها، ولكنّني على قناعة من أنّ المدرسة تستطيع أن تخلق جوًّا خاصًّا وثقافة خاصّة تحمي الطلبة، وتساهم بتهيئتهم للتحدّيات الأكبر التي تنتظرهم عندما سيخرجون من المدرسة إلى الحياة الجامعيّة والعمليّة".