لعلّ أهمّ ما يميّز ملفّ هذا العدد من منهجيّات، هو الصراع المعرفيّ القائم بين آنيّة الحاضر وزمنيّة المستقبل. وهذا الصراع قد يدلّنا على طرق متنوّعة نسلكها، حتّى تكون المدرسة بداية لخارطة طريق يستفيد منها المتعلّم في الوصول إلى كينونته المستقبليّة، وفق روافد تمكّنه من إدارة مستقبله، خصوصًا إذا كنّا ندرك ما يُخبّئه لنا هذا العصر من تطوّر تقنيّ شديد السرعة، وتسارع معرفيّ أشدّ حدّة، بما يؤثّر بالطبع في القيم الأخلاقيّة والمبادئ المعرفيّة. من هنا، وجب أن يكون الصراع حادًّا، مبنيًّا على خوف ورهبة من المستقبل القريب. غير أنّ وجود الخوف لا يعني استمراره، لذا وجب تبسيط هذا الصراع بين الحاضر والمستقبل. فالإنسان المتعلّم يُدرك أهمّيّة مستقبله؛ فهو يحاكي من سبقه في الوصول إلى المدرسة والتخرّج منها، ثمّ الذهاب إلى العالم التطبيقيّ لمعارفه التي تعلّمها. ومن هنا، وحتّى لا تكون المدرسة هيرودوت، ذلك المؤرّخ اليونانيّ الذي كان يسرد الوقائع من دون أسطرتها، فتصف لنا التاريخ وتذكر الوقائع من غير أن تجد حلولًا لآنيّتنا ومستقبلنا، فكيف نجعل ذلك الدرس المدرسيّ عنوانًا لإدارة المستقبل، يستذكره المتعلّم بعد تخرّجه من المدرسة؟
وجب أن يكون التعليم من أجل إدارة مستقبل المتعلّم وجعل فهمه أكثر نجاعة، بل وأكثر تطبيقًا. ومن هنا تظهر التحدّيات بين واجب المتعلّم في تلقّي مستقبله القريب، وواجب المعلّم في مفهمة المستقبل غير الواضح، وفق قراءة علميّة تجعل المتعلّم قادرًا على مواجهة المشكلات أينما كانت توجّهاته المستقبليّة، ودور المؤسّسات التعليميّة في فرض هذه الأدوار، وتجليتها وفق دراسات ميدانيّة وعلميّة متنوّعة.
اخترت الدرس صفر عنوانًا للمقال، لأصنع مشابهة مع رواية جميلة للكاتب إمبيرتو إيكو عنوانها "العدد صفر" (إيكو، 2017)، في إشارة إلى صحيفة اسمها (الغد) تنشر أخبارًا ووقائع زائفة ومغلوطة، من دون أن يكون لها أيّ عدد رسميّ، ولكنّها كانت ذات تأثير شديد في القرارات، وحتّى في تغيير بنية المجتمع. وهنا وجب أن يكون الدرس صفر للمعلّم خارج نطاق خطّته الدراسيّة التعليميّة، القائمة على الحفظ والمتابعة والتقويم والتقييم، ومن ثمّ رصد النتيجة النهائيّة من 100.
كما تقدّم المقالة مقاربة مع ما يسمّى نظريّة الاعتبار للعواقب المستقبليّة (Consideration of Future Consequences)، والتي نظّم لها عالم النفس الأمريكيّ ألان ستراثمان (Sanna,2006). إذ حاولنا في هذه المقالة المقاربة بين النظريّة والدرس صفر، وتقديم نموذج لجعل هذه النظريّة أداة تعليميّة للمتعلّم بعد المدرسة، وفق استراتيجيّة (توقّف - فكّر - توقّع).
تعريف الدرس صفر
يعني الدرس صفر البحث عن كلّ شيء يغيّب فيه المعلّم صراع العلامة، ويحرص فيه على ترسيخ مقوّمات التفكير الناقد، من التحليل إلى الانفتاح الذهنيّ المستمرّ حتّى بعد المدرسة. الدرس صفر ليس بديلًا عن المنهجيّة التعليميّة، بل إسناد لتلك المنهجيّة. وهو رمز للمواجهة وتخفيف الصراع بين المستقبل والآن، إذ يفرض عقليّة التساؤل والتفكير النقديّ، من أجل مستقبل تشارك المدرسة في تطوّره وبنائه.
تأتي المقالة في حدود عنوانَين: أوّلًا، الدرس صفر: التحدّيات وميكانيزم التطبيق؛ ثانيًا، النظريّة المستقبليّة وتطبيقات الدرس صفر.
الدرس صفر: التحدّيات وميكانيزم التطبيق
يعي المعلّم تمامًا مآلات التعليم المستقبليّة. ففي كلّ وقت، وفي صفّ ما، هناك صمت يطبق على المعلّم إذ يشاهد طلبته، كلًّا في مقعده. قد يسأل سؤالًا استشرافيًّا: ماذا تودّون أن تصبحوا في المستقبل؟ كلّ طالب يجيب من دون وعي بحجم التحدّيات التي ستواجهه، فيجيب الطالب المتميّز أنّه سيصبح طبيبًا، ويجيب آخر أنّه سيصبح طيّارًا، وآخر مهندسًا. كلّ يجيب لا بأحلامه، بل بما يشاهد من حوله، وكأنّه يعيش لحظات المستقبل. لا يستطيع المعلّم في هذه اللحظة مواجهة الطلبة بالتحدّيات التي تواجه كلّ واحدة من هذه المهن الحياتيّة والمجتمعيّة؛ فالطالب في هذه اللحظة يريد أن يكون، وليس إدارة ما يكون، وهنا يأتي دور الدرس صفر في فرض تبعيّات المستقبل على الحاضر. ولا بدّ أن تُراعى الحالة الفكريّة للصفّ التعليميّ، وديموغرافيا المدرسة، ليبدأ المعلّم وفق هذا التساؤل وضع الخطط المنهجيّة للدرس صفر، والذي سيجعل من الطالب حالة استشرافيّة، يدير مستقبله مهما كانت توجّهاته المهنيّة المستقبليّة. وهنا نطرح سؤالًا مهمًّا: ما تحدّيات الدرس صفر التي تجعل من الصفّ المدرسيّ مشاركًا في حياة المتعلّم بعد المدرسة؟
أوّل تحدّيات الدرس صفر يتمثّل في الحاضر لا في المستقبل؛ إنّه تحدّي الخوف والرهبة، وتعلّق الإنسان بالعيش في لحظات الآن من دون إدارة واعية للمستقبل. ومن هنا يكون المعلّم جزءًا من تحدّيات الدرس صفر، إذ إنّ كثيرًا من المعلّمين، لا على سبيل التعميم بل بوصفه واقعًا مفروضًا، قد خضعوا لنمط تعليميّ محدّد وممنهج، لذلك سيتعاملون مع طلبتهم وفق تصوّر لمستقبل مخيف. وقد يكون المعلّم أكثر سوداويّة، بحكم عيشه الواقع الذي سيعيشه طلبته بعد سنوات. فإذا تجاوز المعلّم عقدة الحاضر التي يعيشها، قدّم منهجًا ورؤية أكثر اتّساعًا من أجل سعادة المستقبل. وهنا يمكن للمعلّم استخدام استراتيجيّة التعلّم القائم على المشكلات (PBL) في وقت محدّد من الحصّة المدرسيّة، لاختيار مشكلة ضمن إطار منهجيّ، ومحاولة تبيانها أو إيجاد حلّ لها بالمناقشة والتحليل، بما يرسّخ لدى الطالب فكرة مناقشة المشكلات وحلّها، خصوصًا في ما يتعلّق بالمواجهة في المستقبل.
فرضيّة وجود بيئة تعليميّة مثاليّة، تقابلها حالة أسريّة تعي بأهمّيّة الدرس صفر، بل وتساعد في تطبيقه إذا لزم الأمر. لذلك، فمن التحدّيات التي تواجه الدرس صفر أسرة الطالب، فهي تعتقد أنّ المدرسة مرحلة عبور إلى المستقبل، وهذه المرحلة قائمة على تلقّي المعرفة، وتجاوز عقبات الاختبار أو الناتج التحصيليّ. وهناك أسر تنتظر أن يكبر ابنها ويصنع ذاته، وتترك للقدر مسؤوليّة الاختيار. مثل هذه الأسر تساعد الدرس صفر في تكوين شخصيّة الطالب المعرفيّة، ونظرته نحو المستقبل، بل تكون سندًا في جعل المدرسة حالة مستمرّة.
من التحدّيات التي تواجه الدرس صفر أيضًا، النظام التعليميّ المتّبع في العديد من الدول، وما يهمّنا هنا البيئة العربيّة. فليس بعيدًا عن منظّري العلم والتعلّم في الوطن العربيّ، أنّ البنية المعرفيّة للنظام التعليميّ قائمة وفق نظريّات غربيّة تطبيقًا وتنظيرًا، فتطبيق استراتيجيّات التدريس المهنيّة قد لا يتوافق مع بيئاتنا الصفّيّة. ومن هنا يمكن الحديث عن آليّة تطبيق الدرس صفر وفق هذه التحدّيات. فحتّى لو كانت بعض الاستراتيجيّات تساعد في التفكير الناقد والمستقبليّ، إلّا إنّها تُهمَل في سبيل الوصول إلى استراتيجيّات تساعد الطالب في تحصيل العلامات.
أمّا آليّات تطبيق الدرس صفر فمتنوّعة. في المجمل، ينظر الدرس صفر إلى المستقبل وإدارته، ويجعل المدرسة حالة مستمرّة من التعلّم. وتكمن آليّة التطبيق في أنّ أوّل هذه الآليّات ستكون فلسفيّة؛ إذ يخصّص المعلّم جزءًا من حصّته لتقديم خطاب فلسفيّ يصل فيه إلى ما يُسمّى "الطالب الأعلى"، أي إقناع الطالب في كلّ حصّة بأنّه ليس في صراع مع النفس، بل هو باحث عن ذاته في نفسه. وهنا نستعير مقولة المفكّر الألماني نيتشه (2011): "النفس العارفة هي التي لها أطول سلّم، وتستطيع أن تهبط إلى أعمق عمق. أكثر النفوس إحاطة هي التي تستطيع أن تنطلق وتحوم نحو الأبعد في نفسها". مفهوم الطالب الأعلى، وفق وجهة نظر الدرس صفر، يعني الطالب الذي يستثمر لحظات التعلّم، وينقلها معه في رحلته المستقبليّة ليكون ذا أثر. وتظهر تطبيقات الآليّة الفلسفيّة داخل الصفّ بصورة يسيرة، تقوم على التأمّل الذاتيّ عن طريق طرح مجموعة من الأسئلة التي تغذّي الروح الفلسفيّة، مثل: ما الذي أعنيه بنفسي؟ ما القيم والمبادئ التي تجعلني مؤثّرًا في بيئتي بعد المدرسة؟ كما يمكن استخدام الحوار الفلسفيّ بجعل النفس ذات قيمة أساسيّة، وربط هذه القيم بالحياة النظريّة.
الدرس صفر لن يخلق الطالب الأعلى، بل سيحدّد طريقه نحو التفكير خارج العلامة، وهنا تكون المدرسة فرضيّة معرفيّة مستمرّة. ويجب أن نذكر أنّ الطالب الأعلى الذي خلقه الدرس صفر، يمكن أن يكون إسنادًا لما قاله المفكّر النمساوي إيفان إيليتش (Illich,1973)، والذي أوضح أنّ المدرسة ليس لها مكان، لأنّها فقط مرحلة عبور وليست مرحلة استمراريّة.
لكنّ السؤال: كيف يمكن للدرس صفر أن يُنمّي الطالب الأعلى؟ هنا تكمن أهمّيّة المجتمع المحلّيّ والهيئات في متابعة المدرسة والتوافق معها، وذلك بالورش والندوات والزيارات العلميّة المتنوّعة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يخصّص المعلّم جزءًا من حصّته لزيارة معالم المكتبات العالميّة، باستخدام تقنيّات الذكاء الاصطناعيّ والهولوغرام (Hologram)، فيجعل الطالب يعيش مستقبله في واقع افتراضيّ من أجل مستقبل أكثر وضوحًا. وفي هذا السياق، أقدّم أنموذجًا يمكن استخدامه في المدارس يُسمّى Mixed Reality، أي الواقع المختلط، وهو تقنيّة تدمج بين العالم الحقيقيّ والعناصر الرقميّة ثلاثيّة الأبعاد القابلة للتفاعل. وهنا يأتي دور الدرس صفر في جعل الواقع المختلط فرصة لإدارة المشكلات المتوقّعة في اختيارات الطالب المستقبليّة، وذلك عن طريق المحاكاة المهنيّة. إذ يتيح هذا النموذج لكلّ طالب، في المجال الذي يهتمّ به، أن يبني نموذجًا تطبيقيًّا، ويشخّص حالة افتراضيّة، ويدير موقفًا مرتبطًا بتخصّصه المحتمل.
لعلّ آليّة التنفيذ بين الفلسفيّ والرقميّ، تشكّل تحدّيًا في مواجهة رغبات ما بعد المدرسة، لكنّ التطبيق يعني وجود حالة علميّة تعي المستقبل وتؤمن بتغيّراته. لذلك، سيكون العنوان الآتي قائمًا على البعد النفسيّ لدى الطالب، مع التركيز على نظريّة عالم النفس الأمريكيّ ألان ستراثمان: النظريّة المستقبليّة.
النظريّة المستقبليّة وتطبيقات الدرس صفر
استخدمنا في آليّة التنفيذ مفهوم الدرس صفر، ليكون عاملًا فكريًّا في خلق حوافز ودافعيّة معرفيّة لتخفيف التوتّر والخوف من المستقبل. وهنا، نقدّم بشكل عمليّ دور نظريّة ستارثمان في الدرس صفر، بوصفها تعيش في الدرس النفسيّ التربويّ. المرجع الأهمّ في هذه النظريّة ما كتبه ستارثمان وزملاؤه، إذ تشير نظريّة الاعتبار بالعواقب المستقبليّة إلى "أنّ سلوك الفرد الحاضر يتأثّر بمدى إدراكه، وتقييمه للنتائج المستقبليّة لأفعاله، حيث يُظهر الأفراد ذوو التوجّه المستقبليّ العالي سلوكًا أكثر انضباطًا وتخطيطًا، مقارنة بذوي التوجّه الآنيّ". كما تكمن خلاصة هذه النظريّة في إطارها التربويّ، وتطبيقاتها على عيّنات من الطلبة داخل المدرسة وفق الآتي: الطالب مرتفع التفكير المستقبليّ يُذاكر بانتظام، يؤجّل المتعة، يخطّط للجامعة، يتحمّل الضغط الدراسيّ. لكنّ الطالب مرتفع التفكير الفوريّ يسوّف، يفضّل الهاتف والألعاب، يملّ سريعًا، يتأثّر بالمكافأة السريعة (Sanna,2006).
من الملاحظ أنّ التجربة تمثّل عنوان النظريّة، لذلك وجب أن يكون هناك مقدار انطباعيّ يقدّمه الدرس صفر، بوصفه رافدًا فلسفيًّا ونفسيًّا وعمليًّا للطموح. فما بعد المدرسة نتاج لقيم ومبادئ تعلّمها الطالب داخل مدرسته، ليكون المستقبل هدفًا فعليًّا ينافس فيه الطلبة نحو رخاء بلدانهم وتطوّرها.
***
إعطاء المعلّمين أهمّيّة للدرس صفر، يعزّز دراسة الفروق الفرديّة بين الطلبة في التحصيل الدراسيّ ودافعيّة التعلّم. فالدرس صفر تدخّل نظريّ وعمليّ من أجل تعزيز التفكير المستقبليّ لدى الطلبة، يسهم في رفع الدافعيّة الداخليّة، كما يسهم مع النظريّة المستقبليّة في ربط المفاهيم بالمسارات المهنيّة، وأنشطة تصوّر المستقبل، وعالم ما بعد المدرسة.
يمكن الحديث عن استراتيجيّة (توقّف – فكّر – توقّع) لتطبيقها داخل الدرس صفر؛ فهي تقوم على أسئلة تنشيطيّة تهدف إلى تعويد الطالب على التفكير قبل اتّخاذ أيّ فعل أو قرار، مع التركيز على عواقبه مستقبلًا. ومن المؤكّد أنّ الطالب سيحمل هذه الاستراتيجيّة معه إلى حياته العمليّة، بما يعزّز دور المدرسة الرياديّ في إعداد بيئة تعلّم موجّهة نحو المستقبل. بالإضافة إلى ذلك، وبعيدًا عن التقنيّات الحديثة، يمكن للمعلّم أن يخصّص جزءًا من الحصّة لمحاكاة مستقبليّة، عن طريق المسرح أو القصّة الحواريّة.
المراجع
- إيكو، أمبيرتو. (2017). العدد صفر. (ترجمة: الصمعيّ، أحمد). المركز الثقافيّ العربيّ، دار الكتاب الجديد المتّحدة.
- نيتشه، فريدريك. (2011). هذا الإنسان. (ترجمة: عبد المنعم، مجاهد). هلا للنشر.
- Illich, I. (1973). Deschooling society. Harper & Row.
- Sanna, L. J., & Chang, E. C. (Eds.). (2006). Judgments over time: The interplay of thoughts, feelings, and behaviors. Oxford University Press.





نشر في عدد (24) ربيع 2026