التصميم الشامل للتعلّم: أهداف ثابتة ووسائل مرنة
التصميم الشامل للتعلّم: أهداف ثابتة ووسائل مرنة
روان أبو صالح | اختصاصيّة دعم التعلّم/الأكاديمية العربيّة الدوليّة – قطر / الأردن

يمثّل التنوّع، إلى جانب الأهداف الثابتة والوسائل المرنة، الأساس الذي يقوم عليه نظام المعتقدات في التصميم الشامل للتعلّم. ويُقصد بتنوّع المتعلّم، ذلك المزيج الفريد من نقاط القوّة ومواطن الضعف التي يحملها كلّ فرد، تبعًا لسياق التعلّم، وتبعًا للأساليب المتعدّدة التي يعتمدها عند إنجاز المهمّات التعلّميّة. وما يميّز هذا المنحى أنّه لا يكتفي بالاستجابة للاختلافات بين المتعلّمين، بل يدرك أيضًا أنّ هذه الاختلافات ذات طبيعة ديناميكيّة، إذ يشهد المتعلّم نفسه تغيّرات داخلية متواصلة، تتأثّر بسياق التعلّم وتؤثّر فيه.

ما التصميم الشامل للتعلّم؟

يُعرّف التصميم الشامل للتعلّم بأنّه إطار عمل لتحسين التعليم والتعلّم لجميع الأفراد، استنادًا إلى رؤى علميّة حول كيفيّة تعلّم البشر. ويقدّم هذا الإطار خطّة لتصميم بيئات تعليميّة مرنة، تتناول شبكات الدماغ الثلاثة للتعلّم: شبكات المشاركة، والتمثيل، والعمل والتعبير (CAST, 2018).

يتمثّل الهدف المحوريّ من التصميم الشامل للتعلّم في إزالة العوائق من المنهاج التعليميّ، وليس من المتعلّم، وذلك بهدف إنشاء متعلّمين خبراء: هادفين ودافعين، استراتيجيّين وموجّهين نحو الهدف، ومطّلعين.

المبادئ الثلاثة وإجراءات تطبيقها:

يقدّم التصميم الشامل للتعلّم إطارًا عمليًّا يستند إلى ثلاثة مبادئ رئيسة، لتحويل المنهج من مصدر للعوائق إلى مصدر للفرص، وهي:

  1. 1. وسائل متعدّدة للمشاركة (Multiple Means of Engagement) - لماذا نتعلّم؟

يركّز هذا المبدأ على تحفيز الطلّاب والحفاظ على اهتمامهم:

  • - توفير الخيارات حول كيفيّة تحقيق الطلّاب لهدف التعلّم. فعلى سبيل المثال، يمكن للطلّاب أن يختاروا، لتحقيق الهدف نفسه، كتابة مقال، أو إنشاء عرض تقديميّ، أو تصميم رسم بيانيّ، ما يمنحهم صوتًا في تعلّمهم.
  • - تمكين الطلبة ليكونوا شركاء في التعلّم، إذ يشاركون في تصميم تجارب التعلّم الخاصّة بهم، فيصبحون قادرين على فهم السبب الكامن وراء عملهم، ويزداد شعورهم بملكيّة عمليّة التعلّم.
  • - ربط أهداف التعلّم باهتمامات الطلّاب والقضايا الواقعيّة.
  1. 2. وسائل متعدّدة لتقديم المعلومات (Multiple Means of Representation)، ماذا نتعلّم؟

يضمن هذا المبدأ أن يتمكّن جميع الطلّاب من الوصول إلى المحتوى الذي يُدرّس، بتوضيح المفردات والرموز، وتقديم منظّمات بصريّة للأفكار المعقّدة، إضافة إلى توفير وسائط متنوّعة. إذ يمكن تقديم المعلومات بمشاهدة فيديو قصير مرفق بتسميات توضيحيّة مغلقة، أو نموذج عمليّ، أو أدوات مساعدة، أو تسجيل صوتيّ لنصّ القراءة.

  1. 3. وسائل متعدّدة للتعبير (Multiple Means of Action & Expression)، كيف نتعلّم؟

يقدّم هذا المبدأ بدائل لكيفيّة تنقّل الطلّاب في بيئة التعلّم وإظهار معارفهم، فهناك مهامّ اختياريّة للتعبير عن إتقانهم للهدف التعليميّ. كما يقدّم وسائل تقييم مرنة لقياس تحقّق هدف التعلّم، ما يعني السماح للطلّاب بالتعبير الشفهيّ بدلًا من الكتابيّ، أو تمكينهم من تحويل التسجيل الصوتيّ إلى نصّ مكتوب.

 

نظرة التصميم الشامل للتعلّم إلى الدعم الأكاديميّ

لعلّ أبرز مميّزات منحى التصميم الشامل للتعلّم، وضعه توقّعات تعلّميّة لجميع الطلبة، وعدم التنازل عن الهدف التعلّميّ. لكن كيف سيتمكّن هذا المنحى من الاستجابة للاختلافات الفرديّة التعلّمية بين الطلبة؟ هنا يأتي التزامه بتقديم السقّالات أو الدعامات التعلّميّة (Scaffolding)، والتي تُضاف في التصميم الأوّليّ للدرس كأنّها صندوق أدوات للطالب، وله حرّيّة اختيار طريقة الدعم التي يحتاج إليها من هذا الصندوق.

يتيح النهج الاستباقيّ الذي يعتمده هذا المنحى، تقديم دعم تعلّميّ مُعدّ ومخطّط له مسبقًا، لا بوصفه ردّ فعل على عدم تمكّن الطالب من تحقيق الهدف التعلّميّ. وتتنوّع السقّالات التعلّميّة التي ينبغي توفيرها للطلبة عند تصميم الدرس، بين السقّالات اللغويّة لدعم اللغة والمفردات، مثل بنوك الكلمات وبدايات الجمل للمناقشات وأدوات تحويل النصّ إلى كلام، والسقّالات المفاهيميّة، مثل المنظّمات البيانيّة وقوائم المراجعة والنمذجة ومعايير التقييم والأمثلة النموذجيّة. أمّا الدعامات الاجتماعيّة فتتمثّل في تعليم الأقران والمجموعات الصغيرة.

تُعدّ السقّالات التعلّميّة استراتيجيّة حاسمة ومقصودة ومؤقّتة، تُستخدم لمساعدة الطلبة في تلبية التوقّعات العالية. ترفع السقّالات التعلّميّة الفعّالة الطلبة إلى مستوى المعيار، بدلًا من خفض المعيار لهم، إذ يُوجّهون عن طريق أسئلة للتفكير الذاتيّ في نهاية الدرس، لتحديد ما نجح وما لم ينجح. كما يتعلّمون كيفيّة وضع أهداف شخصيّة فعّالة للمشروعات والمهمّات. لذا، تُصمّم السقّالات في هذا المنحى بشكل مقصود، ليختار الطلبة في النهاية متى يستخدمونها ومتى يتخلّون عنها، بدعم مهاراتهم التنفيذيّة الوظيفيّة، مثل التخطيط والتنظيم ومراقبة التقدّم، ما يبني الاستقلاليّة والوعي الذاتيّ لديهم.

 

التصميم الشامل للتعلّم والتعليم المتمايز

عندما نتحدّث عن التصميم الشامل للتعلّم (UDL) مقابل التدريس المتمايز (DI)، فإنّنا نتحدّث حقًّا عن نهجين مختلفين لجعل التعلّم متاحًا. تتمثّل الفكرة المحوريّة للتصميم الشامل للتعلّم في الخطّة الاستباقيّة، إذ يتوفّر كلّ خيار إلى النجاح لكلّ طالب، من اللحظة التي يُصمّم فيها الدرس. كما ينصبّ التركيز على إزالة الحواجز في سياق التعلّم، وتمكين الطالب من الاختيار بناءً على وعيه وإدراكه للخيارات المتاحة له. وبدلًا من تعديل الدروس بعد أن يواجه الطالب صعوبة، يدعو التصميم الشامل للتعلّم إلى التصميم المسبق، والذي يراعي تنوّع المتعلّمين ويقدّم بدائل متعدّدة.

أمّا التدريس المتمايز (DI)، فاستراتيجيّة استجابيّة نستخدمها بعد أن يبدأ الدرس، إذ يجري المعلّم تعديلات محدّدة ومستهدفة بناءً على الاحتياجات التعلّميّة للطالب. يهتمّ التصميم الشامل للتعلّم بمنح الجميع القدرة على أن يكونوا متعلّمين خبراء، وذلك عن طريق تغيير البيئة. بينما يتعلّق التدريس المتمايز بتقديم الدعم الضروريّ والفوريّ، عندما يعاني طالب معيّن. يكمّل كلّ من التصميم الشامل للتعلّم والتعليم المتمايز بعضيهما، غير أنّه ينبغي أن يأتي التصميم الشامل للتعلّم أوّلًا، لبناء هذا الأساس المرن. فالتصميم الشامل للتعلّم بمثابة الأساس الجوهريّ لإنشاء فصل دراسيّ مرن، ففي الصفوف التي تعتمد عليه، لا يتمثّل دور المعلّم في التمايز أو تقديم التعليم لكلّ طالب على حدة، بل في تصميم بيئة تعلّم خبيرة، يتمكّن فيها الطلّاب من اختيار الأدوات ووسائل الدعم التي يحتاجون إليها، ليصبحوا هادفين واستراتيجيّين وواسعي المعرفة. أمّا التدريس المتمايز فيمثّل الأداة الضروريّة المستخدمة لـ "صقل" التصميم، في اللحظات التي لا يزال فيها الدعم المستهدف والفرديّ مطلوبًا.

ومن الأهمّيّة بمكان أن يتبنّى المعلّمون في تخطيطهم منهجيّة التصميم الشامل للتعلّم، لتحقيق احتياجات جميع المتعلّمين وتسريع نتائج التعلّم، إذ يوفّر خيارات ومرونة تمكّن الطلّاب من بناء التوجيه الذاتيّ (Self-Direction) والكفايات الاجتماعيّة - العاطفية، وهي مهارات ضروريّة لنجاحهم في أيّ مسار يختارونه.

بعد ذلك، وبمجرّد أن يُظهر الطلّاب تعلّمهم باستخدام التقييمات التكوينيّة المرنة، يستطيع المعلّمون استخدام البيانات الناتجة بفاعليّة، لتشكيل مجموعات مرنة وتقديم تعليم موجّه ومستهدف، وذلك بتطبيق أفضل الممارسات في التدريس المتمايز.

يهدف التصميم الشامل للتعلّم إلى تمكين الطلّاب ليصبحوا متعلّمين مستقلّين وواعين ذاتيًّا، عن طريق توفير الخيارات المتعدّدة والوسائل المرنة للتعلّم. ومع ذلك، فإنّ تصميم الدروس وفقًا لهذا المنحى لا يقتصر على مجرّد منح الخيارات، بل يتطلّب منّا، بوصفنا معلّمين، توفير خيارات مدروسة وذات صلة، تعمل على إزالة الحواجز التعليميّة وزيادة فرص التعلّم.

 

إعداد المتعلّمين الخبراء

يهدف التصميم الشامل للتعلّم إلى تطوير المتعلّمين الخبراء، وهو مبدأ أساس لتحويل الطلّاب من متعلّمين يعتمدون على المعلّم، إلى أفراد موجّهين ذاتيًّا، وقادرين على الاختيار واتّخاذ القرار. ويحدّد التصميم الشامل للتعلّم المتعلّمين الخبراء من خلال ثلاث خصائص رئيسة:

هادفون ودافعون (الـ "لماذا")

يفهم المتعلّمون الخبراء اهتماماتهم وقيمهم وكيفيّة ربطها بهدف التعلّم. وهم قادرون على بذل الجهد المتواصل والمثابرة في مواجهة التحدّيات، لأنّهم تعلّموا وضع أهداف شخصيّة فعّالة.

موجّهون نحو الهدف (الـ "كيف")

      • يعرفون نقاط قوّتهم وتحدّياتهم، ويمكنهم تقييم فهمهم الحاليّ بدقّة.
      • قادرون على اختيار الاستراتيجيّات المناسبة وتطبيقها، للوصول إلى هدف التعلّم الثابت.

مطّلعون (الـ "ماذا")

  • لدى المتعلّمين الخبراء معرفة عميقة بالمحتوى، ويعرفون كيفيّة نقل تلك المعرفة إلى مواقف وسياقات جديدة وتعميمها، مع إدراك قيمتها خارج الفصل الدراسيّ.
  • يفهمون المفاهيم، بدلًا من مجرّد حفظ الحقائق المعزولة.

كيف يُطبّق التصميم الشامل؟

    • طبّقنا التصميم الشامل للتعلّم على درس اللغة العربيّة للصفّ الخامس من المنهاج الوطنيّ، وفقًا لمبادئ التصميم الشامل للتعلّم كما هو موضّح في الصورة. كان الدرس قصيدة، وتمثّل الهدف التعلّميّ، كما هو موضّح في خطّة الدرس، في أن يكون المتعلّم قادرًا على قراءة القصيدة قراءة جهريّة ومعبّرة.

 

اخترنا لوحة خيارات (Choice Boards) لعرض خيارات للتفاعل والتمثيل والتعبير، وفقًا للمبادئ الموجّهة للتصميم الشامل للتعلّم. واخترنا تصميم الدرس ضمن لوحات الخيارات، كونها أداة جيّدة لتوفير وسائل مرنة، آخذين بعين الاعتبار أهمّيّة أن تكون الخيارات مرتبطة ببنية التعلّم (Construct Relevant)، لضمان التوافق مع الهدف التعلّميّ. وطرحنا على أنفسنا السؤالين الآتيين عند إنشاء لوحة خيارات: أوّلًا: ما الذي يحتاج المتعلّمون إلى معرفته، أو أن يكونوا قادرين على فعله؟

كان علينا تحديد الهدف التعلّميّ ووضعه في أعلى لوحة الخيارات، وحدّدنا مستوى الخيارات المقدّمة بناءً على إجابة هذا السؤال. الشيء المهمّ الذي يجب تذكّره، أنّه بينما يكون الهدف ثابتًا (Firm Goal)، ينبغي أن تكون الوسائل مرنة دائمًا عند تصميم هذه الخبرات بشكل شموليّ. وعندما فكّرنا في كلّ خيار متاح، طرحنا التساؤل الثاني: "ما الحواجز التي نرغب في إزالتها عند اتّباع التصميم الشامل للتعلّم؟" وكانت الحواجز تتمثّل في الخجل وعدم الرغبة بالقراءة الجهريّة، وضعف القراءة، وضعف التعبير الكتابيّ.

 

    • - صمّمنا لوحة الخيارات كما هو موضّح في الصورة. وفّرنا خيارات للمتعلّم للتعبير عن تعلّمه، باستخدام التسجيل الصوتيّ أو القراءة للأقران، بدلًا من القراءة الجهريّة. كما صُمّمت بطاقة تتضمّن الكلمات الرئيسة في القصيدة، وتفسير تصميم البطاقة، ومعاني الكلمات المستخدمة. ومُنح المتعلّمون فرصة اختيار البيت المفضّل من القصيدة وتفسيره، بالإضافة إلى توفير خيارات للعمل بمفردهم أو مع شركاء. وأثناء أدائهم للمهمّات، أجرينا تسجيلات متابعة (Check-in)، لطرح الأسئلة وتقديم التغذية الراجعة، وبناء الصلة بين ما يقومون به والتعلّم السابق.

 

القصيدة

لوحة الخيارات

 

***

يهدف التصميم الشامل للتعلّم إلى تمكين الطلّاب ليصبحوا متعلّمين خبراء، عن طريق توفير الخيارات. غير أنّه لا يقتصر على مجرّد إتاحة الخيارات، بل يتطلّب منّا نحن المعلّمين توفير خيارات مدروسة وذات صلة، تسهم في إزالة الحواجز التعليميّة وتعزيز فرص التعلّم.

بالإضافة إلى ذلك، يُعدّ إشراك أصوات الطلّاب في بيئة التعلّم طريقة لا تُقدّر بثمن، للتأمّل في الممارسات التعليميّة وتقييمها. وللحصول على تغذية راجعة صادقة وموجّهة، من الضروريّ أن يدرك الطلّاب أنّنا نهتمّ بهم وبوجهات نظرهم. لذا، يُنصَح بالبدء في دمج أصواتهم في الممارسات التعليميّة منذ بداية العام الدراسيّ. وعندما يشعر الطلّاب بالتقدير، سيكونون أكثر استعدادًا لتقديم تغذية راجعة محدّدة وملموسة، ما يساعد المعلّم في التحسّن، والارتقاء بمستوى الطلّاب في الوقت ذاته

المراجع

- Novak, K. (2021). UDL Now! A teacher's guide to implementing Universal Design for Learning (3rd ed.). CAST Professional Publishing.

- CAST. (2018). Universal Design for Learning Guidelines version 2.2.