يمثّل التعليم الشامل (Inclusive Education) أحد النماذج التعليميّة التي تهدف إلى دمج جميع الطلّاب في الفصول الدراسيّة نفسها في المدارس العاديّة، بغضّ النظر عن قدراتهم أو لغتهم أو ديانتهم أو خلفيّاتهم الثقافيّة أو العرقيّة، بمن فيهم ذوو الاحتياجات الخاصّة والمتفوّقون. ويتطلّب هذا النوع من التعليم تعديلًا في النظام التعليميّ، وذلك بإجراء تعديلات في المناهج الدراسيّة وطرائق التدريس والموادّ والأدوات التعليميّة والمناخ التربويّ، لتلبية احتياجات الطلّاب الفرديّة، وخلق بيئة تربويّة يشعر فيها الطالب بالأمان والانتماء، بما يعزّز العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص في التعليم.
ومن هذا المنطلق، أصبح دمج الطلّاب ذوي الاحتياجات الخاصّة في المدارس العاديّة (Mainstreaming)، من الاتّجاهات العالميّة المعاصرة التي تسهم في تحقيق التعليم الشامل، إذ نالت التربية الدامجة اهتمامًا كبيرًا في معظم دول العالم، بهدف تمكين هؤلاء الطلّاب من خوض حياة طبيعيّة وكريمة، ومساعدتهم في تخطّي الحاجز الذي يفصلهم عن المجتمع نتيجة إعاقتهم، ليصبحوا جزءًا لا يتجزّأ منه، ويسهموا في تنميته بدلًا من أن يكونوا فئة معزولة، أو تتشكّل لديهم اتّجاهات سلبيّة تجاهه.
ويُشير مصطلح الدمج التربويّ إلى تعليم ذوي الاحتياجات الخاصّة (من ذوي الإعاقات البسيطة أو الخفيفة)، في المدارس والفصول العاديّة مع أقرانهم العاديّين كلّ الوقت أو بعضه، مع توفير الخدمات التربويّة الخاصّة، من تشخيص وعلاج وتدريب.
ولكي تحقّق سياسة الدمج التربويّ أهدافها، يجب أن يتوافر المعلّم المؤهّل الذي يمتلك المعايير الشخصيّة والمهنيّة والتدريسيّة، والتي تؤهّله للتعامل مع هذه الفئة من الطلّاب بصورة صحيحة. ومع ذلك، ما تزال هناك مجموعة من التحدّيات التي تواجه تحقيق هذه المتطلّبات.
تحدّيات إعداد معلّم الدمج التربويّ في مصر
يتّضح ممّا سبق أنّ الدمج التربويّ يعني تعليم الطلّاب ذوي الاحتياجات الخاصّة مع أقرانهم العاديّين جنبًا إلى جنب، سواء في فصول مُلحقة أو في الفصول العاديّة، ضمن البرنامج الدراسيّ العاديّ، مع تزويدهم بالخدمات المساعدة والمعلّمين المؤهّلين للتعامل معهم، وتحقيق المساواة بينهم وبين التلاميذ الآخرين.
ولكن ما تزال فكرة الدمج التربويّ للطلّاب ذوي الاحتياجات الخاصّة في مصر بحاجة إلى جهد مكثّف، لترسيخها وقبولها لدى أولياء الأمور والطلّاب أنفسهم، وكذلك لدى العاملين في التربية العامّة؛ ولا سيّما المعلّم العاديّ الذي يجد نفسه مُناطًا به التعامل مع طلّاب الدمج التربويّ، وهو غير مؤهّل لذلك، سواء في ما يتعلّق بإجراء التعديلات على المحتوى، أو طرائق التدريس، أو تهيئة المناخ الفصليّ، أو تطوير أساليب التقويم. وهذا ما يدفع كثيرًا من المعلّمين إلى الانصراف عن تقديم الخدمة التربويّة لهذه الفئة من الطلّاب، واعتبارها عبئًا إضافيًّا، لما تتطلّبه من وقت وجهد واستعداد.
وتُعدّ قلّة المعلّمين المؤهّلين للتدريس في فصول الدمج التربويّ، ونقص الخبرة والمعرفة لدى الكثير منهم في التعامل مع الطلّاب ذوي الاحتياجات الخاصّة داخل الفصول العاديّة، من أبرز الصعوبات التي تواجه التربية الدامجة في مصر. وقد أوصت دراسات وبحوث عدّة بضرورة إعداد المعلّمين قبل الخدمة وتدريبهم أثناءها، للتعرّف إلى الأساليب والوسائل التعليميّة والأنشطة التدريسيّة التي تمكّنهم من تطوير ممارساتهم، بما يضمن نجاح عمليّة الدمج.
وإلى جانب ذلك، فإنّ نجاح الدمج التربويّ لا يقتصر على وجود معلّم مؤهّل فحسب، بل يتطلّب فريقًا متكاملًا يضمّ معلّم المادّة الدراسيّة، ومعلّم التربية الخاصّة، والأخصائيّ الاجتماعيّ، والأخصائيّ النفسيّ المدرسيّ، والطبيب، والمعالج الطبيعيّ، والمعالج الوظيفيّ، وهو ما يستدعي جهودًا مؤسّسيّة مستمرّة لتوفيره.
وعلى الرغم من وجود أقسام أكاديميّة عديدة متخصّصة في التربية الخاصّة في مصر، إلّا أنّ معظمها يركّز مقرّراته على تدريب الطلّاب المعلّمين على التعامل مع الطلّاب ذوي الاحتياجات الخاصّة في مدارس العزل التربويّ، لا في مدارس الدمج. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إنشاء أقسام أو شُعَب علميّة، لإعداد معلّم الدمج التربويّ على مستوى البكالوريوس والدراسات العليا، لتخريج معلّمين مؤهّلين للتعامل مع الفئات المدمجة في الفصول العاديّة.
كما إنّ البرامج التخصّصيّة في كلّيّات التربية تُدرج مقرّرات حول المناهج وطرائق التدريس لذوي الاحتياجات الخاصّة، غير أنّها تركّز في الغالب على الفئات المعزولة، بينما تتيح مساحة محدودة للمهارات والاعتبارات التدريسيّة التي يحتاج إليها المعلّم، للعمل مع طلّاب الدمج داخل الفصول العاديّة. ويُضاف إلى ذلك غياب برامج تدريب ميدانيّ واضحة، تُعنى بالتدريس في فصول الدمج التربويّ.
وبناءً على ذلك، تبحث هذه المقالة في معايير إعداد معلّم الدمج التربويّ، والتي يجب أن تتضمّنها برامج إعداد المعلّم في كلّيّات التربية، استنادًا إلى نتائج الدراسات والبحوث السابقة التي أشارت إلى:
- - ضعف برامج إعداد المعلّم في تخريج معلّم يمتلك المعرفة الأكاديميّة والكفاءة التدريسيّة والمهنيّة اللازمة، للتعامل مع فئات ذوي الاحتياجات الخاصّة في مدارس الدمج التربويّ.
- - ضعف الاتّجاه لدى طلّاب كلّيّات التربية نحو الدمج التربويّ.
معايير إعداد معلّم الدمج التربويّ
تمثّل معايير إعداد معلّم الدمج التربويّ الشروط والمعايير الشخصيّة والمهنيّة والتدريسيّة، والتي يجب أن تتوافر في معلّم الطلّاب ذوي الاحتياجات الخاصّة المدمجين في الفصول العاديّة في مدارس التعليم العامّ. ويمكن تحديدها على النحو الآتي:
أ. معايير شخصيّة:
- - أن تكون لديه ميول واتّجاهات إيجابيّة نحو فكرة الدمج التربويّ.
- - أن يتوافر لديه الرضا النفسيّ، ويتّصف سلوكه بالاتّساق في التعامل مع المدمجين.
- - أن يراعي ميولهم واهتماماتهم ومستوى أعمارهم ودرجة إعاقتهم.
- - أن يمتلك مهارات التواصل الوجدانيّ أثناء الاستماع والتحدّث إليهم.
- - أن يبني علاقة إيجابيّة مع أولياء أمورهم.
ب. معايير التنمية المهنيّة:
- - أن يُهيّئ المناخ الفيزيقيّ الملائم للطلّاب المدمجين، من أماكن ومقاعد وأثاث مناسب وتهوية وإضاءة وجلسة.
- - أن يُنظّم بيئة التعلّم بطريقة تسمح لهم بالحركة والتفاعل داخل فصول الدمج.
- - أن يُنظّم بيئة التعلّم بحيث تكون مشوّقة وجذّابة.
- - أن يشارك الأسرة في تقييم الطلّاب المدمجين، لتحسين أدائهم وتعلّمهم.
ج. معايير التخطيط للتدريس:
- - أن يضع خططًا تدريسيّة متنوّعة لطلّاب الدمج، بحيث تراعي مستوى إعاقتهم والفروق الفرديّة بينهم.
- - أن يشارك في وضع خطط البرامج الفرديّة المخصّصة لهم، بمشاركة المعلّمين في مختلف التخصّصات، وفقًا لنوع الإعاقة ودرجتها.
- - أن يحدّد أماكن الدراسة الخاصّة بطلّاب الدمج مع الطلّاب العاديّين في المدرسة.
- - أن يحدّد زمن التدريس، ويوزّعه على الإجراءات التدريسيّة المقرّرة.
- - أن يُعدّل عناصر المنهج الدراسيّ بما يتّفق مع إعاقة الطلّاب المدمجين.
د. معايير تنفيذ التـدريـس:
- - أن يصوغ أهدافًا تدريسيّة تراعي خصائص نموّ الطلّاب المدمجين.
- - أن يختار المحتوى التعليميّ بحيث يتّصف بالمرونة.
- - أن يتضمّن المحتوى الخبرات الحسّيّة المباشرة، والابتعاد عن الخبرات المجرّدة.
- - أن يتميّز المحتوى المقدّم للطلّاب المدمجين بالبساطة وعدم التعقيد.
- - أن يستخدم طرائق وأساليب تدريس تتناسب مع إمكانات الطلّاب المدمجين وخصائصهم.
- - أن ينوّع في استخدام استراتيجيّات تدريس تراعي الفروق الفرديّة بين الطلّاب المدمجين، مثل التعلّم الذاتيّ، والتعلّم الفرديّ، وتعليم الأقران، واستراتيجيّات تمثيل الأدوار، والتعلّم التعاونيّ، والتعلّم عن طريق اللعب.
- - أن يستخدم أساليب تدريس تتّصف بالصبر والإنسانيّة، لإشعار الطلّاب المدمجين بالأمن والثقة بالنفس.
- - أن ينفّذ أنشطة تعليميّة تساعد الطلّاب في الاندماج مع الطلّاب العاديّين.
- - أن يوظّف التكنولوجيا الحديثة أثناء تدريس الطلّاب المدمجين.
هـ. معايير تقويم طلّاب الدمج التربويّ:
- - أن يصمّم المعلّم أساليب تقويم تراعي نوع إعاقة الطلّاب المدمجين ودرجتها.
- - أن ينوّع في استخدام أساليب التقويم بما يتلاءم مع قدراتهم.
- - أن يصوغ أسئلة الاختبارات بصورة تتلاءم مع مستوى النموّ اللغويّ لديهم.
- - أن تكون صياغة مفردات الاختبارات واضحة وسهلة الفهم وموضوعيّة.
- - أن يقلّل المعلّم من الأسئلة اللفظيّة، مثل كيف ولماذا وصِف.
- - أن يستخدم الكلمات ذات المدلول المحسوس أو البصريّ.
دور كلّيّات التربية في تحقيق معايير الدمج التربويّ
لكي تقوم كلّيّات التربية بدورها في تحقيق معايير الدمج التربويّ، يجب اتّخاذ مجموعة من الإجراءات التخطيطيّة والتنفيذيّة والتقويميّة، ويمكن عرضها على النحو الآتي:
- 1. إنشاء برامج أكاديميّة في كلّيّات التربية، لإعداد معلّم الدمج التربويّ على مستوى مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا.
- 2. توفير الإمكانات والتجهيزات التعليميّة اللازمة، لتدريب الطلّاب المعلّمين على التدريس لطلّاب الدمج التربويّ.
- 3. ضرورة تضمين مقرّرات في برامج إعداد المعلّم في كلّيّات التربية عن الدمج التربويّ، تُدرّس لجميع التخصّصات الأكاديميّة.
- 4. توفير التدريب المناسب لطلّاب الكلّيّة في مدارس الدمج التربويّ في المحافظة أو المحافظات القريبة.
- 5. إجراء دراسات علميّة لتحديد الممارسات التدريسيّة التي تتّفق مع سياسة الدمج التربويّ لجميع فئات ذوي الاحتياجات الخاصّة، مثل ضعاف السمع، وضعاف البصر، وأطفال التوحّد، وأصحاب مستوى الأداء الإدراكيّ والسلوكيّ التكيّفيّ الضعيف، وغيرها.
- 6.التنسيق بين كلّيّات التربية ومدارس الدمج التربويّ، لنشر ثقافة الدمج بين طلّاب كلّيّة التربية.
- 7.عقد بروتوكولات تعاون بين كلّيّات التربية ومدارس الدمج التربويّ، لتبادل الزيارات، وإجراء المقابلات مع المدراء والمعلّمين والطلّاب، وكذلك أولياء الأمور، لتنمية الاتّجاه الإيجابيّ نحو نظام الدمج التربويّ.
- 8.ضرورة تدريب معلّمي مدارس الدمج التربويّ على الأساليب والاستراتيجيّات التدريسيّة، المناسبة للطلّاب ذوي الاحتياجات الخاصّة المدمجين.
- 9.إعداد دورات تدريبيّة للفئات الأخرى من فريق الدمج التربويّ (الطبيب، المعالج الطبيعيّ والوظيفيّ، الممرّض، الأخصائيّ الاجتماعيّ، الأخصائيّ النفسيّ)، لتعريفهم بمفهوم الدمج التربويّ وأهدافه ومتطلّباته.
- 10.إعداد دراسات ميدانيّة لتقييم تجربة الدمج التربويّ في المدارس العاديّة، وتقديم التغذية الراجعة المناسبة.
المراجع
- عوّاد، أحمد أحمد، والخطيب، عاطف. (2010). فلسفة دمج ذوي الاحتياجات الخاصّة. المجلس الأعلى لشؤون الأشخاص المعوّقين في الأردنّ.
- مصطفى، راندا. (2007). المشكلات التي تواجه عمليّة دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة. المؤتمر العلميّ الأوّل لقسم الصحّة النفسيّة في كلّيّة التربية، جامعة بنها: التربية الخاصّة بين الواقع والمأمول. المجلّد 2.
- الصباح، سهير. (2008). دراسة الصعوبات التي تواجه دمج الطلبة المعاقين من وجهة نظر العاملين في المدارس الحكوميّة الأساسيّة في فلسطين. وزارة التربية والتعليم العالي، دائرة القياس والتقويم ودائرة التربية الخاصّة.




نشر في عدد (23) شتاء 2026