الخطط الفرديّة في الصفوف المكتظّة: كيف نُحوّل التحدّي إلى فرصة للتعلّم العادل؟
الخطط الفرديّة في الصفوف المكتظّة: كيف نُحوّل التحدّي إلى فرصة للتعلّم العادل؟
هداية الرزوق | مستشارة تعليم ومناهج في منظّمة دوليّة - الأردن

كان صباحًا مزدحمًا في أحد صفوف الخامس في مدرسة حكوميّة محدودة الموارد. ضجيج المقاعد، وحركة الأقدام، ووجوه أربعين طالبًا تتوزّع بين حماس واضح وارتباك خافت، كانت المشهد الأوّل الذي استقبلته المعلّمة، وفي يدها أوراق لم تكن مجرّد نشاط صفّيّ، بل الخطط فرديّة، ستحدّد ملامح رحلة الطلبة مع القراءة خلال الأسابيع القادمة. 

قبل أن تبدأ المعلّمة، نظرتُ إلى وجوه الطلبة: ذلك الطالب الذي يتخوّف من الكتابة، وذاك الذي يتردّد قبل قراءة كلمة بسيطة، ومجموعة يجيدون القراءة لكن يعجزون عن فهم ما يقرؤون. كان المشهد تفسيرًا مباشرًا للسبب وراء وجود الخطّة الفرديّة، فهي ليست مجرّد وثيقة، بل برنامج تعليميّ مصممّ لكلّ طالب بحسب مستواه. تبدأ بتشخيص دقيق، تحدّد أهدافًا قصيرة المدى، ثمّ تقدّم أنشطة متدرّجة تساعده في التقدّم خطوة بخطوة، من دون أن يشعر الطالب بأنّه أقلّ من زملائه. فالخطّة الفرديّة لا تُعنى بالفروق بوصفها مشكلة، بل بوصفها طبيعة إنسانيّة تحتاج إلى استجابة تربويّة عادلة. 

 ومن هنا بدأت التجربة التي توثّقها هذه المقالة: كيف تعمل الخطط الفرديّة — المُعدّة وطنيًّا ضمن أطر المركز الوطنيّ لتطوير المناهج ووزارة التربية والتعليم الأردنيّة — عندما تنتقل من حيّز الورق إلى محيط صفّ مكتظّ، في مدرسة حكوميّة محدودة الموارد؟ وكيف تتعامل المعلّمة مع تحدّيات الاكتظاظ، وضعف الإمكانات، وتفاوت المستويات، وهي تمنح كلّ طالب فرصة عادلة ليقرأ ويفهم بثقة؟ 

تركّز هذه التجربة على تطبيق الخطط الفرديّة في مهارة القراءة لصفوف الرابع وحتّى التاسع، وما كشفت عنه التقييمات التشخيصيّة من فجوات مهاريّة تستوجب تدخّلًا منهجيًّا ودقيقًا، يعيد إلى الطلبة حقّهم في التعلّم المتكافئ داخل الغرفة الصفّيّة، مهما كانت ظروفها. 

 

مشهد من الميدان: عندما يبدأ الواقع قبل النظريّة 

كان الصفّ الخامس الذي تابعتُه أحد أكثر الصفوف اكتظاظًا في المدرسة. الغرفة ضيّقة، والمقاعد ملتصقة، والضجيج جزء من المشهد اليوميّ. أجرت المعلّمة التقييم التشخيصيّ وفق الإرشادات الرسميّة، لتحديد مستوى الطلبة في مهارة القراءة، فظهر أنّ ما يقارب ثلث الصفّ يقع ضمن مستوى "ما دون المتدنّي"، بينما توزّع الباقون بين المستويين الأوّل والثاني.

كانت الخطّة الفرديّة جاهزة ومبنيّة مسبقًا على المستوى الوطنيّ، تتضمّن مستويات أربعة وكفايات ومؤشّرات أداء وأنشطة تطبيقيّة متدرّجة. لم تكن التحدّيات في تطبيق الخطّة، وتطبيق أوراق العمل الإثرائيّة المقسّمة ضمن مستويات متمايزة، بل في كيفيّة تنفيذها ضمن بيئة صفّيّة مكتظّة ومحدودة الموارد والتكنولوجيا. وهنا يبدأ الفرق بين السياسة والممارسة.

آليّة تطبيق الخطّة الفرديّة داخل الصفّ المكتظّ

اعتمدت المعلّمة في الصفّ الذي تابعته على الإرشادات التنفيذيّة المعتمدة لتطبيق الخطط (المركز الوطنيّ لتطوير المناهج، 2024-2025)، لكنّ ما لفت انتباهي أنّ المعلّمة قامت بتطويع الإرشادات، وإجراء تعديلات طفيفة فرضها واقع الصفّ الذي تديره. وقد تمثّل التطبيق العمليّ في الخطوات الآتية:

1. تصنيف الطلبة بناءً على مستويات الأداء

استند التصنيف إلى نتائج الاختبار التشخيصيّ الذي أجرته المعلّمة بداية الفصل الدراسيّ، وقد حدّدت بواسطته مستوى الوعي الصوتيّ والتهجئة والمفردات والقراءة الجهريّة لكلّ طالب. وقد أعجبتُ بكيفيّة تنظيم المعلّمة بيانات الطلبة في سجلّ منظّم، يوضّح مستوياتهم في المهارات المختلفة. وبناءً على توصيف المستويات الأربعة، قُسّم الطلبة إلى مجموعات متمايزة، لم يكن الهدف منها فصلهم، بل إدارة التمايز داخل الصفّ نفسه.

 

2. تخصيص 15 دقيقة من زمن الحصّة للمهارات الحرجة 

اتّبعت المعلّمة الإرشاد الوارد في كتيّب الموادّ الداعمة (المركز الوطنيّ لتطوير المناهج، 2024-2025)، بحيث خصّصت: 

- 5 دقائق للنمذجة وقراءة القدوة. 

- 10 دقائق لأنشطة فرديّة متدرّجة. 

وعلى الرغم من ازدحام الغرفة، كانت هذه الدقائق الأكثر أثرًا في بناء مسار تقدّم واضح. 

 

3. استخدام أوراق العمل المتمايزة الجاهزة 

وفّرت الخطّة الفرديّة التي طبّقتها المعلّمة، أوراق عمل جاهزة تراعي المستويات المختلفة للطلبة، وتضمّ ثلاثة أنشطة في كلّ ورقة: 

1) نشاط يركّز على الوعي الصوتيّ، وتمييز الحروف، وتحليل المفردات وتركيبها. 

2) نشاط قراءة كلمات بسيطة. 

3) نشاط قراءة جمل قصيرة. 

لم تكن المعلّمة بحاجة إلى ابتكار محتوى جديد، بل إلى ضبط الإيقاع والتنظيم داخل الصفّ. ولعلّ أبرز ما تميّز به العمل الجماعيّ في الحصّة، تقسيم الأدوار الذي قامت به بطريقة مدروسة. أسندت المعلّمة دور القارئ إلى أحد الطلّاب، فكان يتولّى قراءة الأسئلة وشرح المطلوب لزملائه بوضوح، بينما تولّى طالب آخر دور الكاتب، فقام بصياغة الجمل وترتيبها وكتابتها. وفي الوقت نفسه، اضطلع الميسّر بتيسير خطوات العمل وتوجيه المهامّ، وتكفّل المحرّر بمراجعة الإجابات وتصويب الأخطاء، فيما كُلّف المتحدّث بعرض ما توصّلت إليه المجموعة، ومشاركة الإجابات أمام المجموعات الأخرى. وقد خلق هذا التوزيع الواضح للأدوار بيئة تعاونيّة منظّمة، يبرز فيها التركيز على التعلّم الاجتماعيّ الانفعاليّ، ويسهم فيها كلّ طالب بمهمّة محدّدة، تعزّز من جودة التعلّم والعمل الجماعيّ. 

 

4. تدوين ملاحظات قصيرة حول أداء الطلبة 

كانت المعلّمة تتجوّل أثناء الحصّة بين المجموعات، وتسجّل ملاحظات دقيقة، ما أتاح رصدًا مستمرًّا للتقدّم. وقد لاحظتُ أنّ المعلّمة تستخدم الملاحظات التي دوّنتها لتتأمّل في أداء الطالب، وتقرّر ما إذا كان الطالب بحاجة إلى مزيد من الأنشطة الإثرائيّة، أم أنّ عليها أن تنقله إلى المستوى التالي من مستويات الخطط الفرديّة. 

 

التحدّيات الواقعيّة التي واجهت التطبيق 

لا يمكن لتجربة ميدانيّة أن تنجح من دون مواجهة تحدّيات حقيقيّة، وقد شكّلت التحدّيات الآتية الملامح الأبرز للموقف الصفّيّ الذي تابعته: 

1. الاكتظاظ وأثره في التعلّم الفرديّ 

كان من الصعب على المعلّمة ملاحظة أداء كلّ طالب بشكل فرديّ أثناء القراءة، ما اضطرّها إلى توزيع متابعة أداء الطلبة على أيّام الأسبوع، فكانت تتنقّل بين عدد معيّن من الطلبة في اليوم الأوّل، وتستكمل مع من تبقّى من الطلبة في الأيّام التالية، ما جعلها قادرة على تحويل التحدّي إلى روتين منظّم وواضح. 

2. تفاوت الجاهزيّة المهنيّة بين المعلّمين 

كشف تطبيق الخطط الفرديّة أنّ بعض المعلمّين يفتقرون إلى مهارات تدريس الوعي الصوتيّ، بينما يفتقر البعض الآخر إلى مهارة قيادة العمل ضمن مجموعات في البيئة المكتظّة، ما استدعى إدارة المدرسة إلى تنفيذ سلسلة من التدريبات الداخليّة لفريقها، وعقد مجتمعات تعلّم لتبادل الخبرات مع مدارس مجاورة. 

3. محدوديّة الموارد التعليميّة 

لم تكن في المدرسة غرفة مصادر أو موادّ تعليميّة متخصّصة، فاعتمدت المعلّمة على بطاقات صغيرة وأدوات بسيطة. ولعلّ أكثر ما أثار إعجابي كيفيّة استخدامها للسبّورة اللاصقة، إذ زوّدت الطلبة بلوحات كرتونيّة جُلّدت بورق شفّاف لتسهيل الكتابة، ومسحها المتكرّر كلّما دعت الحاجة، مع إمكانيّة اختيار ألوان جاذبة لانتباه الطلبة. وهنا تمكّنت من استثمار الموارد البسيطة، لتطبيق الخطط الفرديّة ضمن استراتيجيّات متنوّعة. 

4. محدوديّة المصادر التكنولوجيّة 

نظرًا إلى محدوديّة التكنولوجيا في المدرسة التي تابعت فيها الحصص، لم تتمكّن المعلّمة من طباعة أوراق العمل المخصّصة للخطط الفرديّة، كما لم تستطع عرضها أمام الطلبة لعدم توفّر لوح إلكترونيّ. غير أنّ ما أدهشني حقًّا كان الحلّ المبتكر الذي نفّذته بالتعاون مع إدارة المدرسة، إذ أعلنت الإدارة عن حملة لجمع الأوراق المستعملة وتدويرها، فسارع أولياء الأمور إلى دعم المبادرة بتزويد المدرسة بكمّيّات كبيرة من الأوراق القابلة للتدوير، وقامت المدرسة ببيع هذه الأوراق، واستخدمت المبلغ المتحصّل منه في تصوير أوراق العمل الإثرائيّة. وهكذا، استطاعت المعلّمة تحويل التحدّي إلى فرصة حقيقيّة لتعزيز التعليم العادل الشامل، وإيجاد نموذج مُلهم في توظيف الإمكانات المتاحة لخدمة التعلّم. 

 

الأثر: مؤشّرات واقعيّة لا مثاليّة 

بعد متابعتي الحثيثة لثمانية أسابيع من تطبيق المعلّمة المنتظم للخطط الفرديّة لمهارة القراءة، ظهرت مؤشّرات ملموسة: 

- انتقال 40% من طلبة المستوى الأوّل إلى المستوى الثاني. 

- تراجع مظاهر القلق لدى الطلبة ذوي الأداء المتدنّي، وازدياد ثقتهم بأنفسهم. 

- ارتفاع مستوى التفاعل والمشاركة خلال الحصص المختلفة، من 10 % قبل التطبيق إلى 40 % بعد التطبيق. 

- تضييق الفجوة بين المستويات (Hamed & Razooq, 2025).  

 

وهنا أشير إلى أنّ النتائج لم تكن مثاليّة، غير أنّها قدّمت دليلًا واضحًا على تقدّم واقعيّ ومتدرّج، يعكس جوهر الفلسفة التي تقوم عليها الخطّة الفرديّة، بوصفها أداة علاجيّة تراكميّة تُبنى خطوة بخطوة. والأهمّ من ذلك أنّ هذا التقدّم يكشف مدى إمكانيّة تجسيد العدالة في التعليم بتطبيق الخطط الفرديّة، فهي تمنح كلّ طالب فرصة للنموّ وفق إيقاعه الخاصّ، بعيدًا عن المقارنات الموحّدة. وبذلك تُعيد تعريف النجاح على أنّه مسار شخصيّ يراعي الاحتياجات الفرديّة، ويضمن تكافؤ الفرص الفعليّ داخل الصفّ. 

 

ماذا كشفت تجربة توظيف الخطط الفرديّة لمهارة القراءة؟ 

كشفت تجربة توظيف الخطط الفرديّة لمهارة القراءة عن جملة من الدلالات التربويّة المهمّة، فهي تؤكّد أوّلًا قدرة المعلّم على تشخيص الفجوات القرائيّة بدقّة، وأهمّيّة توظيف أنشطة تتدرّج من مهارات الوعي الصوتيّ إلى الطلاقة والفهم، بما يتناسب مع مستوى كلّ طالب. كما تُبرز التجربة أثر التعلّم المخصّص في رفع الدافعيّة، إذ يشعر الطالب بأنّ المحتوى موجّه إليه شخصيًّا، وأنّ تقدّمه يُقاس بالاعتماد على نقطة انطلاقه الفرديّة، لا مقارنة بغيره. كما وتكشف كذلك عن دور البيئة المدرسيّة الداعمة - بما فيها الإدارة والمجتمع المحلّيّ - في توفير حلول مبتكرة تُعزّز إنفاذ الخطط، حتّى في ظلّ محدوديّة الموارد. وأخيرًا، تُظهر التجربة أنّ توظيف الخطط الفرديّة في مهارة القراءة لا يحسّن المهارات الأكاديميّة فحسب، بل يعزّز الشمول والعدالة التعليميّة، ويمنح كلّ طالب فرصًا حقيقيّة للتقدّم وفق طاقته وإمكاناته، بما يسهم في بناء ممارسات تربويّة أكثر شمولًا وإنصافًا. 

 

*** 

ختامًا، تُظهر التجربة أنّ الفارق الحقيقيّ في التعليم الشامل لا تصنعه البيئة المثاليّة، بقدر ما تصنعه الممارسة الواعية. فحين تتوافر خطّة واضحة، ومعلّمون مدرّبون، وإدارة داعمة، يتحقّق أثر التعليم بشكل فعّال، ويصبح من الممكن تحقيق تقدّم ملموس على الرغم من محدوديّة الإمكانات. وهكذا، يتبيّن أنّ التعليم الشامل والعدالة التربويّة ليستا شعارًا يُرفع، بل ممارسة يوميّة تُترجم إلى إجراءات تبدأ بفهم فروق الطلبة، وتنتهي بخلق بيئة تعلّم منصفة، تمنح كلّ متعلّم فرصة حقيقيّة للنموّ والارتقاء. 

 

المراجع 

- المركز الوطنيّ لتطوير المناهج. (2024 – 2025). كتيّب إرشادات الموادّ الداعمة لمبحث اللغة العربيّة. الأردنّ.  

- المركز الوطنيّ لتطوير المناهج. (2024 – 2025). كتيّب إرشادات الموادّ الداعمة لمبحث اللغة العربيّة، الصفّ الخامس. 

 الأردنّ. 

- Hamed, S. S., & Razooq, H. H. (2025). Employing individualized plans as a tool for teaching students with learning difficulties: A case study from the Hashemite Kingdom of JordanLex Localis – Journal of Local Self-Government, 23(S6), 3221-3248.