مقدّمة جلسة نظّمتها مجلّة منهجيّات، بعنوان "الإبادة التعليميّة في سنتها الثانية: عن معنى التعليم في زمن الإبادة"، في المنتدى السنويّ لفلسطين - 2026، والذي نظّمه المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات ومؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة في الدوحة، في 25 كانون الثاني/ يناير، 2026.
نظّمت منهجيّات هذه الجلسة في أعقاب حربٍ لم تتوقّف آثارها العميقة عند حدود الدمار المادّي، بل امتدّت لتعيد طرح أسئلةٍ جوهريّة حول قضايا مختلفة، من بينها التعليم: موقعه، ومعناه، ووظيفته في سياق الإبادة. وفي ظلّ هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى التفكير في التعليم لا بوصفه قطاعًا منفصلًا عن المجتمع، بل مجالًا يتقاطع مع أسئلة العدالة والذاكرة والقدرة على الاستمرار.
قبل عام تقريبًا، نظّمت منهجيّات جلسة في منتدى فلسطين 2025 عن واقع التعليم في غزّة منذ السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، ووقفنا عند مفهوم "الإبادة التعليميّة" بوصفه توصيفًا دقيقًا لما كان يجري: تدمير المدارس والجامعات، واستهداف المعلّمين والطلّاب، وانقطاع قسريّ عن التعلّم.
وبعد انعقاد تلك الجلسة بشهر تقريبًا، نشرت صحيفة الغارديان تحقيقًا يوثّق "أكبر انقطاع تعليميّ للأطفال في العالم خلال القرن الحاليّ"، مشيرًا إلى أمّيّة إجباريّة تعرّض إليها أطفال غزّة بفعل استهداف لم يكن واضحًا فحسب، بل منهجيًّا للقطاع التعليميّ، بما يوضّح استهدافًا أعمق لإبادة الهويّة الفلسطينيّة التي يشكّل التعليم أحد مركّباتها.
لقد كنّا أمام مرحلة جديدة؛ مرحلة لا يقاس فيها حجم الكارثة بما فقد فقط، وهو هائل، بل بما تغيّر في بنية التعليم نفسه، وفي الأدوار التي بات يؤدّيها المعلّمون والمتعلّمون والمجتمع من حولهم.
في عامها الثاني، لم تكن الإبادة التعليميّة حدثًا طارئًا، بل واقعًا ممتدًّا يعيد تعريف الأولويّات. ففي غزّة، بات التعليم فعل بقاء يوميًّا في ظلّ انهيار شبه كامل لمقوّمات الحياة الأساسيّة. وفي الضفّة الغربيّة، تجلّت الإبادة الصامتة بأشكال مختلفة: إغلاقات، وتضييق على الحركة الأكاديميّة، واستيطان، واعتقالات، وتجفيف للموارد؛ ما جعل الجغرافيا الفلسطينيّة كلّها فضاءً واحدًا لمواجهة محاولات تفريغ التعليم من معناه الوطنيّ والإنسانيّ.
انطلقت هذه الجلسة من قناعة أساسيّة: أنّ التعليم الفلسطينيّ اليوم ليس مجرّد قطاع متأثّر بالحرب، بل ساحة صراع على الذاكرة والهويّة والمستقبل. ومن هنا، تناولت واقع التعليم الفلسطينيّ في ظلّ حرب الإبادة الممتدّة، مع التركيز على السنة الثانية من الإبادة التعليميّة في غزّة، وما أحدثته من تحوّلات عميقة في موقع التعليم وأولويّاته. كما سلّطت الضوء على الضفّة الغربيّة، حيث يواجه المعلّمون والطلّاب تحدّيات يوميّة جرّاء الإغلاقات والاستيطان والتهديد والاعتقالات.
وتعمّقت الجلسة في ذلك من خلال محاورَ ثلاثة:
المحور الأوّل: تحوّلات موقع التعليم تحت الإبادة في غزّة والضفّة.
رصد المحور كيف تغيّر موقع التعليم من أولويّة وطنيّة إلى مسألة بقاء يوميّ، في ظلّ انهيار المقوّمات الأساسيّة في غزّة وتقييد الحياة المدرسيّة في الضفّة، وأثر ذلك في أدوار الطلّاب والمعلّمين وبنية المدرسة نفسها. وذلك من خلال ورقتين بحثيّتين:
الورقة الأولى لأحمد عاشور، بعنوان: "ما بعد الإبادة: تفكيك الخطاب المؤسّسيّ وإعادة مركزيّة الفاعل الفلسطينيّ".
والورقة الثانية لمالك الريماويّ، بعنوان: "التعليم في فلسطين، الهجمة والهجنة: أفول المدرسة أم إعادة إنتاجها؟".
المحور الثاني: "أصوات المعلّمين والمعلّمات: بين البقاء والمقاومة"، من شقّين:
- 1. شهادات من الميدان تعكس كيف تحوّل دور المعلّم من ناقل معرفة إلى فاعل اجتماعيّ ونفسيّ، يقود مبادرات للتعلّم في ظلّ القصف في غزّة أو التضييق في الضفّة، وكيف تختلف تجارب السنة الثانية عن الأولى.
- 2. المبادرات التربويّة والمجتمعيّة بين الإبداع والاستهداف: استعراض للمبادرات التعليميّة في غزّة والضفّة، وكيف واجهت القصف، أو الإغلاق، أو تقييد التمويل، وأيّ إمكانيّات جديدة خلقتها هذه التجارب في غياب النظام التعليميّ الرسميّ.
وضمّ المحور مداخلات أربع معلّمات ومعلّمين من الضفّة الغربيّة وغزّة، هم:
- 1. المعلّمة أسماء مصطفى.
- 2. المعلّم د. محمّد عوض شبير.
- 3. المعلّمة ختام أبو الربّ.
- 4. المعلّمة ندى الأشقر.
المحور الثالث: "مستقبل التعليم الفلسطينيّ: من التوثيق إلى إعادة المعنى".
طرح المحور أسئلة مختلفة حول كيف يمكن للتوثيق التربويّ، مثل مدوّنة غزّة وكتاب "التعليم في زمن الحرب: فعل حياة"، أن يشكّل أرشيفًا مضادًّا يربط غزّة بالضفّة والعالم العربيّ، ويعيد تعريف التعليم فعلًا تحرّريًّا يحفظ الذاكرة ويؤسّس لمستقبل ثقافيّ وتربويّ حرّ.
وقدّمت في هذا المحور د. ريام كفري - أبو لبن، ورقتها التي تحمل عنوان: "مستقبل التعليم الفلسطينيّ من التوثيق إلى إعادة المعنى".
***
سعت هذه الجلسة للإسهام بتوثيق هذه اللحظة التاريخيّة، وبفتح نقاش أوسع حول مسؤولياتنا الأكاديميّة والتربويّة في مواجهة الإبادة التعليميّة، ليس بوصفها حدثًا عابرًا، بل بوصفها معركة على المعنى والمستقبل. فالتعليم الفلسطينيّ، على الرغم من ما يتعرّض له من استهدافٍ منهجيّ، ما يزال مساحةً للمقاومة الثقافيّة والإنسانيّة، ومجالًا لإعادة بناء الأمل والمعرفة معًا.
وفي هذا السياق، يضمّ هذا الملحق في مجلّة منهجيّات أوراق المحاور التي قُدّمت في هذه الجلسة، إيمانًا بأهمّيّة توثيق هذا النقاش وإتاحته لقرّاء المجلّة والمهتمّين بالشأن التربويّ. ونأمل أن يشكّل نشر هذه الأوراق امتدادًا للحوار الذي بدأ في الجلسة، وأن يفتح المجال لمزيد من التفكير والبحث والنقاش حول معنى التعليم في فلسطين في زمن الإبادة، وحول أفقه الممكن في المستقبل.





نشر في عدد (24) ربيع 2026