كلّنا نريد لمتعلّمي اليوم أن ينجحوا غدًا، غير أنّنا لا نتحدّث عن النجاح بالمعنى ذاته. فهناك من يراه قدرة على التفكير واتّخاذ القرار وبناء المعنى، بينما يربطه آخرون بالشعور بالأمان تجاه المستقبل الأكاديميّ والمهنيّ. وفي المقابل، تنظر إليه المؤسّسات في إطار المناهج، ومعايير التقييم، والسياسات التي تنظّم عملها وتوجّه أولويّاتها.
وهكذا، لا يظهر النجاح بوصفه مفهومًا واحدًا ثابتًا، بل بوصفه مساحة تتقاطع فيها رؤى متعدّدة، وتتوتّر أحيانًا، بين من يضع العافية والرفاه في مركزه، ومن يمنحه وزنًا في المهارات القابلة للتطبيق، ومن يربطه بعمق الفهم المفاهيميّ وبناء المعرفة. وفي ضوء ذلك، يبرز السؤال الجوهريّ: كيف يمكن لمدرسة واحدة أن تصنع توازنًا حيًّا بين الإنسان وما يعرفه، وبين ما يشعر به وما يستطيع أن يفعله، في زمن تتغيّر فيه الأسئلة أسرع ممّا تتشكّل له إجابات؟
نحو تعريف تربويّ جديد للنجاح
لا يكشف هذا المشهد صراعًا بقدر ما يكشف تعدّدًا في زوايا الرؤية؛ فالأهل والمدرسة والمتعلّم لا يقفون على ضفّتَين متقابلتَين، بل يلتقون عند قلق مشترك وأمل واحد: كيف نحمي أبناءنا من غموض المستقبل، وفي الوقت نفسه نمنحهم الثقة ليتقدّموا نحوه؟ إنّه التوتّر الإنسانيّ العميق بين الرغبة في الطمأنينة، والحاجة إلى الانطلاق. ومن قلب هذا التوتّر الإنسانيّ، ينهض سؤال فلسفيّ لا يمكن تجاوزه: ماذا يعني، حقًّا، أن يكون الإنسان ناجحًا؟
لا تأتي الإجابة في شكل واحد، لأنّ النجاح ليس حقيقة ثابتة، بل معنى يتشكّل داخل سياق اجتماعيّ وثقافيّ وتاريخيّ متغيّر. فما يُحتفى به في زمن ما، قد يفقد مركزيّته في زمن آخر، وما يُعدّ إنجازًا في سياق معيّن، قد لا يحمل المعنى نفسه في سياق مختلف. وفي ظلّ هذا التحوّل، لم يعد السؤال مقتصرًا على ما ينبغي أن يتعلّمه المتعلّم، بل امتدّ ليشمل سؤالًا أعمق: لأيّ عالم نُعِدّه؟
يشير تقرير ماكينزي (2023) إلى أنّ ما يقارب 60% من وظائف المستقبل، ستعتمد على مهارات مثل الإبداع وحلّ المشكلات والتعاون، وهي مهارات لا تُقاس بمدى القدرة على استرجاع المعرفة، بل بمدى القدرة على توظيفها، وإعادة تشكيلها، وبنائها في سياقات جديدة. وكأنّ هذا التحوّل يضعنا أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: أنّ مقاييس النجاح التي صُمّمت لعالم أكثر استقرارًا، لم تعد كافية لعالم يتغيّر بوتيرة غير مسبوقة. وهنا، يزداد السؤال إلحاحًا: هل نُعِدّ المتعلّمين لنجاح نعرفه، أم لمستقبل لم يتشكّل بعد؟
العافية في قلب المشهد التربويّ الجديد
ولأنّه لا يكفي أن نفهم التعليم في المشهد التربويّ الجديد من زاوية تربويّة فقط، يصبح من الضروريّ أن نقرأه أيضًا في ضوء أبعاده الاجتماعيّة والإنسانيّة. فإعادة تعريف النجاح لا تتعلّق بما يتعلّمه المتعلّم فحسب، بل بالبيئة التي تُمكّنه من أن يتعلّم، وبالعلاقات التي تمنحه الشعور بأنّه جزء من هذه التجربة. وهنا، تذكّرنا سوسيولوجيا التعليم وبيداغوجيا الحبّ، بأنّ التعلّم لا يحدث في فراغ، بل يتشكّل داخل شبكة من العلاقات والانتماء والمعنى. وفي هذا السياق، يصبح السؤال التربويّ أعمق من جودة المنهاج: هل يشعر المتعلّم أنّه ينتمي؟ وهل يجد في المدرسة بيئة تدعم تشكّله ونموّه؟
ومن هذا المنطلق، تتجاوز العافية بعدها التربويّ، لتصبح مسؤوليّة مؤسّسيّة تُبنى بوعي، لا مجرّد استجابة ظرفيّة. وهنا، يُترجم الحبّ في التعليم إلى ممارسة تربويّة واعية، لا بوصفه اجتهادًا فرديًّا متفاوتًا، بل بوصفه جزءًا أصيلًا من ثقافة تعليميّة تقوم على الحوار والاحترام، والإيمان بقدرة المتعلّم على النمو (Freire, 1970). ويتجلّى هذا الفهم في المدارس التي تتبنّى سياسات واضحة تضع العافية في قلب رؤيتها التعليميّة، وتُشرك جميع أطراف المجتمع المدرسيّ في فهم معناها وتطبيقها. فعلى سبيل المثال، عندما تُخصَّص لقاءات دوريّة مع الأهل لا لمناقشة النتائج فقط، بل للحديث عن تجربة المتعلّم نفسها؛ كيف يشعر تجاه تعلّمه، وكيف يتعامل مع التحدّي، وما الذي يدعمه ليستمرّ، يتحوّل الحوار من تتبّع الأداء إلى فهم الإنسان الذي يتعلّم.
كيف تتحوّل الممارسة الصفّيّة إلى مساحة لبناء المتعلّم
ومع اتّساع معنى النجاح ليشمل الإنسان قبل الإنجاز، تظهر الحاجة إلى ثقافة تربويّة تُنصت إلى النموّ والتجربة والمحاولة، لا إلى النتائج وحدها. ويبدأ هذا التحوّل من الممارسات اليوميّة داخل الصفّ، حين يصبح الخطأ نقطة انطلاق للفهم، لا نهاية للحكم.
فعلى سبيل المثال، عند العمل على تطوير المهارات الكتابيّة لدى المتعلّمين، لا تكون الكتابة لحظة إنتاج مكتمل، بل لحظة يظهر فيها التفكير في صورته الأولى. وحين يعود المتعلّم إلى نصّه، لا يقرأه بوصفه منتجًا ينبغي تحسينه، بل بوصفه أثرًا لتفكير تمكن إعادة النظر فيه. فقد يكتشف أنّ الفكرة التي بدت واضحة لحظة الكتابة، لم تعد تعبّر بدقّة عن ما أصبح يفهمه الآن؛ فيقرّر إعادة بنائها، لا لأنّها غير صحيحة، بل لأنّ فهمه نفسه قد تطوّر. في هذه اللحظة، لا يطوّر المتعلّم نصّه فقط، بل يمارس موقعه بوصفه صاحب معنى، قادرًا على مراجعة أفكاره، واتّخاذ قرارات تعكس صوته وفهمه المتنامي. وهنا، تتحوّل الكتابة من مهمّة تهدف إلى إنتاج نصّ، إلى مساحة يتشكّل فيها وعي المتعلّم بما يعرفه، وبقدرته على إعادة تشكيله.
وفي هذا السياق، تتحوّل الكتابة من مهمّة تُنفَّذ إلى تجربة يُسهم المتعلّم في توجيهها، ويتحوّل التقييم من لحظة حكم على المنتج إلى أداة تدعم وكالة المتعلّم، وتُعزّز قدرته على فهم تعلّمه واتّخاذ قرارات واعية بشأنه. ومع مرور الوقت، يبدأ المتعلّم بإدراك العلاقة بين الجهد والتطوّر، لا بوصفها نتيجة مفروضة عليه، بل بوصفها تجربة يعيشها ويؤثّر فيها. ويجسّد هذا التوجّه ما أشارت إليه دراسة البكالوريا الدوليّة "تنمية مهارات التعلّم المنظّم ذاتيًّا" (البكالوريا الدوليّة، 2022)، والتي أكّدت أنّ المتعلّمين يطوّرون استقلاليّتهم عندما يُمنحون فرصًا للتأمّل في أعمالهم، واتّخاذ قرارات تتعلّق بخطواتهم التالية في التعلّم.
حين تعيد المنظومة تعريف معنى التعلّم
غير أنّ الانتقال نحو إعادة تعريف النجاح التربويّ لا يتشكّل فقط بتغيير الخطاب، بل بإعادة النظر في الممارسات التي تمنح التقدّم معناه داخل المنظومة التعليميّة. فالتعليم الذي يضع الإنسان في مركزه، يعيد توجيه البوصلة نحو ما يتشكّل في المتعلّم، لا نحو ما يُقاس فيه فقط.
على سبيل المثال، في التقارير المدرسيّة والتقييمات التي تستخدم مؤشّرات معياريّة لوصف الأداء، مثل "يلبّي التوقّعات" أو "يقترب من التوقّعات"، يُقدَّم التقدّم بوصفه مستوى يمكن تحديده، من دون أن يُظهر الرحلة التي قادت المتعلّم إليه. فهذه المؤشّرات تصف ما يستطيع المتعلّم فعله في لحظة معيّنة، لكنّها لا تعكس كيف تغيّر فهمه عبر الزمن، نتيجة المحاولة والمراجعة وإعادة التفكير. وفي هذه الحالة، يرى المتعلّم موقعه، لكنّه لا يرى مسار نموّه الذي قاده إليه.
ومع تكرار هذا النمط، قد يبدأ المتعلّم بربط تقدّمه بالمستوى الذي وُضع فيه، بدل فهم التعلّم بوصفه عمليّة تطوّر مستمرّة. وهكذا، لا يكتفي التقييم بوصف الأداء، بل يسهم في تشكيل وعي المتعلّم بمعنى التقدّم نفسه، وما الذي يستحقّ أن يمنحه قيمة في تجربته التعلّميّة.
وفي هذا السياق، يستند المعلّمون والمتعلّمون إلى أدوات التقييم الداعم للتعلّم، مثل التغذية الراجعة الوصفيّة، والتقييم التكوينيّ، وملفّات الإنجاز، والتأمّل الذاتيّ، بوصفها ممارسات تُمكّنهم من متابعة تطوّر فهمهم عبر الزمن. وبهذه الأدوات، تُتبنّى ثقافة تقوم على الانفتاح على التقييم المستمرّ، لا بوصفه لحظة حكم، بل بوصفه جزءًا من عمليّة التعلّم نفسها. غير أنّ التحدّي لا يكمن دائمًا في وجود هذه الأدوات، بل في المعنى الذي يُمنح لها داخل الثقافة التربويّة. فقد تُمارَس استراتيجيّات التقييم الداعم للتعلّم، بينما تظلّ التصوّرات الأعمق ترى التقدّم بوصفه موقعًا يجب بلوغه، لا تحوّلًا يتشكّل عبر الزمن.
وهنا، يبرز السؤال الجوهريّ: هل أصبح التقييم فعلًا ممارسة تدعم التعلّم وتواكبه، أم أنّنا نستخدم أدوات ومصطلحات جديدة، بينما ما يزال وعينا التربويّ يتحرّك ضمن التصوّر ذاته؟
النجاح بوصفه مسارًا إنسانيًّا
ليس كلّ ما نسمّيه نجاحًا اليوم كان يُعرَّف كذلك في الأمس؛ فالنجاح ليس حقيقة ثابتة، بل معنى يتشكّل مع الوعي، ويتبدّل كلّما اتّسعت رؤيتنا إلى أنفسنا وإلى العالم. ولو أُتيح لي يومًا أن أعود إلى مقعدي في الصفّ، وأن أفتح كتابًا، وأن أقف على أعتاب اختيار جديد، لتوقّفت لحظة، لا لأبحث عن الإجابة الصحيحة، بل لأطرح السؤال الذي لم أكن أعرف كيف أطرحه: هل كانت اختياراتي يومها تعبيرًا عن صوتي، أم صدى لتعريف جاهز لما ينبغي أن يكون عليه النجاح؟
اليوم، لم يعد النجاح في نظري ذلك المسار الذي يبدو أكثر أمانًا، بل القدرة على أن نتعلّم، وأن نعيد النظر، وأن نمنح أنفسنا حقّ الاختيار من جديد. النجاح أن نظلّ قابلين للنموّ، لا أن نصل إلى نقطة نظنّ أنّها النهاية. وهذا المتعلّم الذي يحتاج إليه المستقبل: متعلّم يعرف ذاته، ويثق بصوته، وينفتح على ما لا يعرفه بعد. متعلّم لا ينتظر أن يكون المستقبل مكانًا يصل إليه، بل أفقًا يتشكّل وهو يسير نحوه.
وأتساءل الآن، بصدق أكبر: هل كنّا يومًا "جاهزين" للمستقبل، أم كنّا نتعلّم كيف نصبح كذلك؟ ومن قال إنّ الجاهزيّة لحظة تُنجَز، وليست مسارًا يُعاش؟ لعلّ المعنى الأصدق للتعلّم لا يكمن في ما نكتسبه، بل في ما نصبح قادرين على أن نراه، وأن نختاره، وأن نبنيه. وما دمتُ أتعلّم اليوم، فأنا لم أغادر هذا المسار أبدًا. ما زلتُ أرتدي قبّعة المتعلّم، لا لأصل إلى نهاية، بل لأبقى في حالة اقتراب مستمرّ من ذاتي… ومن المستقبل الذي أشارك، كلّ يوم، في إعادة تعريفه.
المراجع
- القمّة العالميّة للابتكار في التعليم (وايز). (2025). قمّة وايز 12: الإنسانيّة — القيم الإنسانيّة في قلب التعليم. قطر.
- McKinsey & Company. (2023). The skills revolution and the future of learning and earning.
- Chaaban, Y., et al. (2025). Student academic well-being. Qatar University publications.
- Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. Continuum
- International Baccalaureate Organization. (2024). Measuring student success skills: A review of the literature on student agency.
- International Baccalaureate Organization. (2022). Improving self-regulated learning skills in a digital environment.
- Dix, K., & Sniedze-Gregory, S. (2020). The impact of the IB Primary Years Programme on student well-being and social-emotional learning outcomes. International Baccalaureate Organization.
- Balica, M. (2021). Supporting student well-being in a digital learning environment. International Baccalaureate Organization.





نشر في عدد (24) ربيع 2026