T-SCOPE: الأفق التحويليّ تعليم يتكامل مع الإنسان والمستقبل
T-SCOPE: الأفق التحويليّ تعليم يتكامل مع الإنسان والمستقبل
مي نبيل الديني | معلّمة ومُدرّبة- فلسطين

في زمن تتزاحم فيه الأزمات، ويتشظّى فيه الحلم بين ركام الحروب وفوضى التغيير، يبقى التعليم الخيط الرفيع الذي يمكن أن ننسج به الأمل من جديد.

ليس أيّ تعليم، بل تعليم يليق بإنسان هذا العصر، يُربّي عقله، ويرعى قلبه، ويُنمّي فيه القدرة على أن يفكّر ويشعر ويصمّم ويتجاوز.

لم أكن أبحث عن نموذج جاهز أُسقطه على طلّابي، بل كنت أبحث عن نبض، عن طريق يلامس حاجاتهم وواقعهم، ويُبقي جذوة المعنى مشتعلة في نفوسهم. من بين التأمّلات والتجارب، ومن عملي الميدانيّ وتعاملي مع البيئات التعليميّة المتأثّرة بالأزمات، تبلورت لديّ قناعة بضرورة وجود إطار تعليميّ يتجاوز الحدود التقليديّة للتعلّم، ويجمع بين التفكير والمهارة والروح. ومن هنا جاءت ولادة نموذج T-SCOPE الذي صمّمته ليكون مساحة تعليميّة حقيقيّة، تدمج بين الدراما التكوينيّة ونهج عباءة الخبير ومنحى STREAM، وتُفعّل الكفاءات التحويليّة بشكل متوازن بين القيم والمهارات.

جاء هذا النموذج لا بوصفه منتجًا نظريًّا، بل صرخة استجابة ومشروع حياة. هو أكثر من إطار تعليميّ... إنّه محاولة لرأب الفجوة بين المعرفة والروح، بين ما نتعلّمه وما نحتاج إلى أن نعيشه لنصمد وننمو.

 

T-SCOPE

إطار تربويّ متكامل صُمّم لتعزيز الكفاءات التحويليّة لدى المتعلّمين. يقوم هذا النموذج على الدمج بين منحى STREAM والدراما التكوينيّة ونهج عباءة الخبير، ضمن سياقات إنسانيّة قائمة على القيم والمهارات، بهدف تمكين المتعلّمين من التكيّف مع التحدّيات، وتوسيع مداركهم، وبناء شخصيّات فاعلة ومبدعة، مُدركة لأدوارها الفرديّة والمجتمعيّة. كما إنّه يتوافق مع احتياجات بيئات الصراع والحروب.

كلمة SCOPE تعني المدى أو النطاق أو الرؤية الواسعة، ومع إضافة T- تصبح Transformative Scope، أي "الأفق التحويليّ". وهذا يعكس جوهر النموذج الذي يسعى لتوسيع مدارك المتعلّمين، وفتح آفاق جديدة أمامهم بتكامل STREAM والدراما لبناء الكفاءات التحويليّة، في رحلة تعليميّة شموليّة تحفّز التغيير الإيجابيّ.

 

تحليل الاختصار T-SCOPE

أوّلًا: T – Transformative / Competencies الكفاءات التحويليّة

مجموعة من المهارات والقيم التي تمكّن المتعلّمين من التعامل بفعّاليّة مع التحدّيات المعقّدة في الحياة، واتّخاذ قرارات مسؤولة تسهم في بناء مستقبل أفضل لهم ولمجتمعهم. وتُعدّ ضروريّة لتحقيق تعلّم ذي معنى، وتحويل شخصيّ ومجتمعيّ حقيقيّ وإيجابيّ. وتتمثّل هذه الكفاءات (2030) في:

المهارات الشخصيّة والاجتماعيّة:

التعاون والعمل الجماعيّ، والتواصل الفعّال، وحلّ المشكلات، والوعي بالذات والنقد الذاتيّ، واتّخاذ القرارات المتوازنة.

القيم الإنسانيّة:

التعاطف، واحترام الرأي الآخر، والانفتاح وتقبّل التنوّع.

المهارات الرقميّة والتصميميّة:

الاستخدام المسؤول والفعّال للتكنولوجيا، والتفكير التصميميّ لحلّ مشكلات واقعيّة، وإنتاج محتوى رقميّ إبداعيّ.

المسؤوليّة المجتمعيّة:

المبادرة لخدمة المجتمع، والمشاركة المدنيّة، والوعي بالقضايا المحلّيّة والعالميّة.

الدافعيّة إلى التعلّم:

الالتزام بالتعلّم المستمرّ، والتوجّه الذاتيّ، والمثابرة على الرغم من التحدّيات.

 

تُعدّ هذه الكفاءات جوهريّة لتحقيق رؤية التعليم المرتكز على الإنسان، كما وضعتها منظّمة التعاون والتنمية الاقتصاديّة OECD العالميّة، ضمن أطر الكفاءات المستقبليّة المطلوبة والأساسيّة لعام 2030، لبناء مجتمعات مزدهرة وعادلة ومستدامة (OECD, 2019).

 

ثانيًا: S – STREAM:

منحى تعليميّ يدمج العلوم والتكنولوجيا والقراءة والهندسة والفنون والرياضيّات، في تعلّم تطبيقيّ متكامل يعزّز الإبداع والابتكار.

 

ثالثًا: CO – Creative Competencies:

تطوير مهارات عقليّة (التفكير التصميميّ والناقد والتحليليّ والإبداعيّ) ومهارات اجتماعيّة وقيميّة وحياتيّة، عن طريق ممارسات إبداعيّة.

 

رابعًا: P – Process Drama / Perspective-Taking:

اعتماد الدراما التكوينيّة بوصفها أسلوبًا تربويًّا تفاعليًّا يُنمّي الخيال، ويعزّز المشاركة الوجدانيّة، ويفتح المجال أمام فهم وجهات نظر متعدّدة وبناء القيم.

 

خامسًا: E – Expert Role (Mantle of the Expert) & Empathy:

غرس قيم التعاطف، وتفعيل دور المتعلّم بوصفه "خبيرًا" في مواقف دراميّة واقعيّة، ضمن أدوار مهنيّة مُتخيّلة تُعزّز الفهم العميق والشعور بالمسؤوليّة والثقة، وتبني الخبرة.

أهداف النموذج: يسعى نموذج T-SCOPE لتوفير بيئة تعليميّة داعمة تنمّي:

  • - مهارات التفكير المتنوّعة.
  • - الوعي الذاتيّ والتطوير الشخصيّ.
  • - المسؤوليّة المجتمعيّة والوعي بالقيم الإنسانيّة.
  • - المهارات الرقميّة اللازمة لمواكبة العصر.
  • - القدرة على التكيّف مع الظروف المعقّدة، ومعالجة بعض الآثار النفسيّة والسلوكيّة الناتجة عن النزاعات.

وبذلك يمثّل T-SCOPE إطارًا تربويًّا شاملًا يمزج بين الفكر والممارسة، ويمنح المتعلّم أفقًا تحويليًّا يهيّئه ليكون فاعلًا ومبادرًا في مواجهة تحدّيات المستقبل.

 

أوجه التكامل بين الدراما ومنحى STREAM:

التعلّم بالسياقات الواقعيّة / الخياليّة، والدمج بين العاطفة والعقل:

تمنح الدراما الإطار الدراميّ الإنسانيّ والوجدانيّ والسياقيّ الذي يجعل التعلّم ذا معنى، بينما يمدّ STREAM الطالب بالمهارات والمعرفة المتعدّدة التي يحتاج إليها لأداء دوره داخل ذلك السياق (المحتوى المتكامل الذي يُعاش ضمن الدور). أي يُقدّم "ماذا نتعلّم"، بينما تبيّن الدراما، وخصوصًا عباءة الخبير، "كيف نعيش هذا التعلّم".

لذا، فالدمج بينهما يُنتج تعلّمًا أصيلًا، عابرًا للتخصّصات ومحفّزًا للتفكير، يمنح الطالب صوتًا ودورًا وقيمة. فكلاهما يعتمد على التعلّم النشط والبنائيّ والتكامليّ.

 

الطالب محور العمليّة:

تجعل عباءة الخبير الطالب يتقمّص دورًا خبيرًا، ويؤدّي مهامّ حقيقيّة في سياق تخيّليّ أو واقعيّ، بينما يعمل منحى STREAM على دمج مجالات معرفيّة متعدّدة في سياق واحد متكامل لحلّ مشكلات واقعيّة. الطالب في كلا النهجين لا يتلقّى المعرفة، بل يصنعها.

تنمية مهارات القرن 21:

يركّز كلّ من منحى STREAM ونهج عباءة الخبير على حلّ المشكلات، والتفكير النقديّ والإبداعيّ، والتعامل مع قضايا حقيقيّة (بيئيّة، صحّيّة، مجتمعيّة...) باستخدام أدوات STREAM ضمن دور خبير، ويعزّزان مهارات التعاون والتصميم والابتكار.

 

الكفاءات التحويليّة (2030):

تزرع عباءة الخبير في الطالب الإحساس بالمسؤوليّة والقيادة وقيم التعاطف، أي الجانب القيميّ والشخصيّ والمجتمعيّ من الكفاءات التحويليّة (2030)، ويركّز STREAM على الجانب المهاريّ العلميّ والعمليّ ضمن الكفاءات التحويليّة المستقبليّة (2030). وهذا يؤكّد فعّاليّة T-SCOPE في إعداد الطالب لمواجهة تحدّيات المستقبل بشكل متكامل.

مثال: إذا تقمّص الطالب دور "خبير بيئيّ" داخل عباءة الخبير، يمكنه:

  • - تحليل البيانات البيئيّة (علوم + رياضيّات).
  • - تصميم حلّ تقنيّ (تكنولوجيا + هندسة).
  • - كتابة تقرير أو حملة توعويّة (قراءة + فنون).

والنتيجة: تعلّم عميق وحقيقيّ وقائم على المعنى.

ولإيضاح كيفيّة تفعيل نموذج T-SCOPE في الممارسات التعليميّة، تمكن الاستعانة بسياق دراميّ يجمع بين الدراما التكوينيّة وعباءة الخبير ومنحى STREAM، بما يفتح المجال أمام الطلبة لاختبار معارفهم في مواقف حياتيّة حقيقيّة، وتطوير كفاءات تحويليّة.

 

السياق العلميّ (التراكيب الداخليّة للنبات):

في سياق دراميّ تكوينيّ (Process Drama: P)، تولّى الطلبة دور خبراء نباتات ناشئين (Expert Role: E)، لمساعدة مزرعة تواجه آفة تهدّد محصول القمح، باستخدام منحى STREAM (S). فحصوا العيّنات النباتيّة (Science / Technology)، ورسموا المقاطع النباتيّة (Arts)، وحسبوا معدّلات نموّ الخلل (Math)، وصمّموا حلولًا هندسيّة للريّ الذكيّ (Engineering)، ودرسوا التقارير العلميّة (Reading). وأثناء البحث عن الحلّ واجهوا معضلة أخلاقيّة: استخدام موادّ كيميائيّة فعّالة لإنقاذ المحصول سريعًا، مع خطر إلحاق الضرر بالبيئة، أو اعتماد حلول طبيعيّة أبطأ، تحمي البيئة لكن تهدّد جزءًا من المحصول. هذا الموقف أتاح لهم ممارسة الكفاءات التحويليّة (CO)، مثل التفكير النقديّ واتّخاذ القرار الأخلاقيّ والتعاون والابتكار، محقّقين التحوّل (T) من معرفة نظريّة، إلى قدرة عمليّة على حلّ مشكلة واقعيّة، مع مراعاة القيم البيئيّة والأخلاقيّة.

 

السياق النفسيّ / الإنسانيّ (الحرب في غزّة):

في سياق دراميّ تكوينيّ (Process Drama: P)، تولّى الطلبة دور خبراء دعم مجتمعيّ (Expert Role: E)، لتطبيق خطّة مساعدة للأطفال الذين فقدوا منازلهم بعد القصف باستخدام منحى STREAM (S). فجمعوا شهادات مسجّلة عن تجارب الأطفال (Reading / Arts)، وحلّلوا خرائط الدمار (Math / Engineering)، ودرسوا مفاهيم الصدمة النفسيّة وارتباطاتها الجسديّة (Science). وبينما ينفّذون خطط الدعم النفسيّ على أرض الواقع، واجهوا معضلة أخلاقيّة واقعيّة: حدوث قصف مفاجئ في المكان وتهديد سلامتهم، ما استدعى الاختيار بين الاستمرار في تقديم الدعم للأطفال، أو الانسحاب للحفاظ على حياتهم. هذا الموقف أتاح لهم ممارسة الكفاءات التحويليّة (CO)، مثل التعاطف والتفكير النقديّ وحلّ النزاعات والشجاعة، محقّقين التحوّل (T) من المعرفة النظريّة إلى اتّخاذ قرار أخلاقيّ عمليّ، يعكس قيمة إنسانيّة حقيقيّة.

يعكس هذان السياقان بشكل مختصر، كيف يقود T-SCOPE العمليّة التعليميّة من لحظة الانخراط الدراميّ وبناء الخبرة، مرورًا بالبحث متعدّد التخصّصات وفق منحى STREAM، وصولًا إلى إنتاج تعلّم عميق يتجلّى في كفاءات تحويليّة، تسهم في إعداد الطلبة لمواجهة تحدّيات الواقع.

***

في النهاية أقول: الواقع الذي نعيشه – لا سيّما في البيئات المتأثّرة بالحروب أو الأزمات – لا يقبل التعليم المجزّأ، بل يتطلّب تعليمًا عابرًا للتخصّصات، مشبعًا بالمعنى، مرتبطًا بالهويّة، ومنفتحًا على الإبداع والتعبير.

ولهذا، جاء نموذج T-SCOPE محاولة جادّة وشخصيّة منّي، لجعل التعلّم أكثر إنسانيّة وتكاملًا وواقعيّة. لقد عرضته في كتابي "تعليم يتأرجح بين الواقع والخيال"، ودعمته بسياقات تطبيقيّة نابعة من الواقع، بعضها مستلهم من أحداث غزّة، وبعضها من قضايا عالميّة وروحيّة، مع أدوات قياس قابلة للتكيّف والتطوير، ليبقى هذا النموذج حيًّا ومُلهمًا في وجه التحدّيات المتغيّرة.

 

المراجع:

- الديني، مي نبيل. (2025). تعليم يتأرجح بين الواقع والخيال. دار رونق للنشر والتوزيع.

- OECD. (2019). OECD Learning Compass 2030: Concept Note Transformative competencies for 2030. OECD Publishing.