5 عادات يوميّة لبناء علاقة قويّة وإيجابيّة مع طفلك
5 عادات يوميّة لبناء علاقة قويّة وإيجابيّة مع طفلك

في عالمنا الذي تزداد فيه الضغوط من كلّ جانب، وخاصّة الضغوط الاقتصاديّة، يقع الكثير من الآباء والأمّهات في فخّ حصر دورهم التربويّ على تأمين الاحتياجات الأساسيّة، الطعام والملبس والمسكن، لأطفالهم، والتأكّد من نجاحهم في المدرسة. لكن في الواقع، قد يفتقد الطفل شيئًا أعمق بكثير: والديه. تشير مفاهيم الوالديّة الواعية إلى أنّ الطفل لن يتذكّر الوجبات التي أكلها، وإنّما يتذكّر شعوره عندما جلس مع أبيه وأمّه، ينظرون في عينيه بتركيز وهو يحكي لهم عن يومه.

فحضور الوالدين في حياة الطفل مهمّ للغاية، من أجل بناء علاقة قويّة وناجحة، وذلك لا يحتاج جهدًا كبيرًا، الأمر ببساطة ثمرة أفعال يوميّة بسيطة، نختار فيها الاتّصال بالطفل وليس السيطرة عليه. وباعتماد مبادئ التربية الإيجابيّة، نكتشف أنّ السرّ يكمن في تحويل العادات الروتينيّة إلى وسائل تبني الحبّ والثقة.

أوّلًا: لماذا يُعدّ التواصل المحرّك الحقيقيّ للسلوك؟

يُعتبر الأمان العاطفيّ المحرّك الأوّل لنموّ دماغ الطفل، فعندما يشعر الطفل بالارتباط القويّ بوالديه، يصبح جهازه العصبيّ في حالة استرخاء، ما يجعله أكثر تقبّلًا للتوجيه. التربية الإيجابيّة تجعلنا ننظر إلى ما وراء السلوك السيّئ، لنراه على حقيقته؛ طفل يحتاج إلى التواصل.

فقبل أن تفكّر في معاقبة طفلك أو تصحيح سلوكه، اسأل نفسك: "هل خزّانه العاطفيّ ممتلئ؟". تخيّل أنّ علاقتك القويّة بطفلك هي المظلّة التي قد لا تمنع التحدّيات، لكنّها تحمي طفلك من آثارها. والوالديّة الواعية هي التي تدرك أنّ استثمار بعض الوقت في بناء علاقة وثيقة مع الطفل، سيوفّر عليك سنوات من الصدام ومشاغبات المراهقة المتمرّدة فيما بعد.

ثانيًا: 5 عادات يوميّة لتعميق علاقتك مع طفلك

نقترح هنا عدّة عادات يمكنك إدراجها في روتينك اليوميّ، ستعمل على تغيير شكل التواصل مع طفلك، وتُعمّق العلاقة معه:

  1. 1. الحضور غير المشروط: هذه العادة هي الأقوى تأثيرًا في التربية الإيجابيّة. خصّص بعض الوقت لطفلك، تكون خلاله ملكًا له تمامًا، وكلّ تركيزك له، وليكن لمدّة 15 دقيقة أو بحسب وقتك. السرّ ليس في الوقت، بل في جودة الانتباه الذي تخصّصه له. يُرجى ملاحظة أنّه إذا كان لديك أكثر من طفل، فيُفضّل أن تخصّص وقتًا جماعيًّا لهم، لكي لا يشعروا بالغيرة من بعضهم.  
  2.  أفكار تطبيقيّة: اجلس مع الطفل واندمج معه في لعبته المفضّلة، ولا تقترح أفكارًا، لا تصحّح أخطاءه أو تحاول تعليمه أيّ شيء، المطلوب أن تصف استمتاعك بما يفعل، ومهاراته في فعل ذلك. هذا الوقت يشحن المخزون العاطفيّ لدى الطفل، ويشعره بقيمته، ويقلّل من حاجته إلى جذب الانتباه عبر السلوكيّات السلبيّة.
  3. 2. الإنصات وتقمّص المشاعر: غالبًا ما نستمع لأطفالنا ونحن نحضّر ردودنا كي نحلّ المشكلات، أو نلقي عليهم دروسًا. لكنّ بناء علاقة مع الطفل يتطلّب الاستماع إليه بالقلب. فعندما يحكي طفلك عن موقف ضايقه، فهو يبحث بفطرته عن شريك يتعاطف معه، ويفهم ما بداخله قبل أن يجد له حلولًا.
  4.  أفكار تطبيقيّة: استخدم تقنيّة "المرآة العاطفيّة". لا تتصادم مع مشاعره، فإذا قال لك "أنا أكره المدرسة"، فلا تردّ: "لا تكره المدرسة، فهي التي ستعلّمك كلّ شيء"، واختر طريقًا مختلفًا لمعالجة الموقف، مثل قولك: "ما الذي يضايقك في المدرسة؟". تفهّمك لمشاعره يجعله ينتقل معك من الجزء العاطفيّ إلى الجزء العقلانيّ، ويثق بكلماتك عندما يحين وقت التوجيه.
  5. 3. لغة اللمس والضحك: أثبتت أبحاث علم الأعصاب أنّ التلامس الجسديّ والضحك يفرزان هرمونات السعادة مثل "الأوكسيتوسين" و"الإندورفين"، وهي الموادّ التي تذيب التوتّر والقلق، والأطفال يحبّون اللمسة الحنونة.
  6.  أفكار تطبيقيّة: اجعل العناق عادة يوميّة مع طفلك (عند الاستيقاظ، أو ذهابه إلى المدرسة، أو قبل النوم)، وحاول أن تدمج الضحك في الأنشطة اليوميّة، مثل ممارسة أيّ لعبة يستمتع بها الطفل، أو مشاهدة كارتون فكاهيّ، بحيث تشارك الطفل ضحكه، ما يزيد سعادته. فالضحك ليس مجرّد تسلية، بل هو وسيلة الطفل الفطريّة لتفريغ التوتّر.
  7. 4. تحويل الروتين إلى فرصة للتواصل: الروتين اليوميّ للطفل يتضمّن أشياء مثل الحمّام، وتناول الطعام، وترتيب الغرفة، وإنجاز الواجب المدرسيّ، وهذه المهامّ قد تكون سببًا للشجار، أو فرصة لبناء علاقة صحّيّة. فالوالدان الواعيان يستغلّان هذه الأوقات لتعزيز تواصلهم مع أطفالهم بدلًا من إصدار الأوامر.
  8.  أفكار تطبيقيّة: أثناء تناول الطعام، تنافس مع طفلك حول من سينهي طبقه أسرع، وأثناء الاستحمام ضع موسيقى أو أغنية يحبّها كي يستمتع بوقته، واربط أنشطة التسلية (مثل ممارسة الألعاب الإلكترونيّة) بترتيب غرفته على أفضل شكل. القاعدة هي تحويل الواجبات والمهامّ إلى لحظات متعة وتواصل، ما يقلّل مقاومة الطفل لها، ويجعله يبني ذكريات دافئة لدى طفلك كلّ يوم.
  9. 5. الاسترخاء قبل النوم: الدقائق التي تسبق النوم هي الوقت الذي يكون فيه دماغ الطفل في أعلى مستويات الهدوء، وتُعدّ فرصة لنسيان أيّ خطأ حدث خلال اليوم.
  10.  أفكار تطبيقيّة: قراءة قصّة لطفلك قبل النوم مفيدة لكي يغفو سريعًا، ولكن من المفيد أيضًا أن تسأله: "ما هو أكثر وقت شعرت فيه بالسعادة اليوم؟" أو "هل هناك ما ضايقك اليوم؟". هذه العادة تضمن أن ينام طفلك بقلب خالٍ من الحزن أو التوتّر، وتخلق قناة تواصل ستكبر معه يومًا بعد يوم.

 

ثالثًا: كيف تنجح في تطبيق الوالديّة الواعية وسط حياتك المزدحمة؟

التربية ليست أن تكون أبًا أو أمًّا مثاليّين، بل هي رحلة تعلّم متبادلة، تستكشف خلالها أكثر ممّا يفعل طفلك. ولكي تستطيع الالتزام بهذه العادات، عليك مراعاة أمرين:

  • - مسامحة نفسك وإصلاح المواقف: إذا مرّ يوم توتّر جعلك تفقد أعصابك على طفلك، فلا تتجاهل الأمر لأنّه سيترك أثرًا في نفسيّته، ولا تفرط في جلد ذاتك من دون فعل. فقط اذهب إلى طفلك وقل له: "أنا آسف، لم يكن ينبغي أن أصرخ عليك، لكنّني كنت متوتّرًا، وهذا لن يتكرّر". هذا الاعتذار هو في حدّ ذاته أداة قويّة في بناء علاقة مع الطفل تقوم على الصدق والاحترام.
  • - التدرّج في التطبيق: لا تحاول تطبيق العادات الخمس دفعة واحدة، فهكذا قد ينتهي الأمر بألّا تمارس أيًّا منها. ولكن ابدأ بعادة واحدة، وبمجرّد أن تصبح جزءًا من يومك، أضف العادة التالية.

الخاتمة

في النهاية، تذكّر أنّ الهدف من التربية الإيجابيّة يتجاوز كون طفلك مطيعًا وناجحًا في المدرسة، فغرس بذور الثقة والنضج العاطفيّ في نفسه سيجعله إنسانًا أفضل. وكلّ لحظة تواصل مع طفلك ليست وقتًا ضائعًا، بل لبِنة في بناء شخصيّته.