مشاكل عمر السنتين: لماذا تحدث وكيف تتعامل معها بحكمة؟
مشاكل عمر السنتين: لماذا تحدث وكيف تتعامل معها بحكمة؟

هل يحدث أحيانًا أن يكون طفلك الوديع جالسًا في هدوء، ثمّ يتحوّل - من دون سابق إنذار - إلى إعصار غاضب؛ يرفض كلّ شيء، ويُحطّم الأشياء، ويصرخ لأبسط الأسباب؟ في هذه الحالة مرحبًا بك في عالم أزمة العامين Terrible Twos، وهي مرحلة صعبة ومرهقة للغاية لكلّ من الأب والأمّ، ولكنّها في الحقيقة محطّة هامّة وحاسمة نحو نموّ طفلك وتطوّر قدراته الإدراكيّة. 
في هذا المقال سنخوض رحلة في أعماق نفسيّة الطفل لنفهم جذور هذه السلوكيّات، ونرسم استراتيجيّات عمليّة تجعل التعامل مع طفل السنتين تجربة تعليميّة مثمرة، بدلًا من أن تكون معركة يوميّة مستمرّة.

 

ماذا يحدث في عقل طفل السنتين؟

لفهم مشاكل عمر السنتين، يجب في البداية أن ندرك أمرًا جوهريًّا، وهو أنّ الطفل لا يحاول استفزازنا أو فرض رأيه علينا، فالحقيقة أنّ ما يمرّ به فجوة تطوّريّة بين رغباته المتزايدة وقدراته المحدودة، إذ تبدأ المشاكل عادةً عندما يبدأ الطفل في إدراك أنّه كيان منفصل عن والديه؛ فهو الآن يمتلك إرادة، ويريد استكشاف العالم تبعًا لشروطه الخاصّة. ولكنّه يواجه عائقين رئيسيّين:

  1. 1. ضعف التواصل اللفظيّ: يمتلك الطفل أفكارًا ومشاعر كثيرة، إلّا أنّ حصيلته اللغويّة لا تسعفه للتعبير عنها، ما يشعره بالإحباط الذي ينفجر على شكل نوبات غضب.  
  2. 2. عدم اكتمال نموّ الفصّ الجبهيّ: هذا الجزء من الدماغ مسؤول عن التحكّم في الدوافع وتنظيم المشاعر، وبما أنّه لا يزال في طور التشكيل، فعندما يغضب الطفل، فإنّه يفقد السيطرة على نفسه حرفيًّا، ولا يستطيع تهدئة نفسه ذاتيًّا.

لذا، فإنّ أزمة السنتين ليست سوى صرخة من أجل التعبير عن الذات، مغلّفة بغلاف من عدم القدرة على التعبير.

 

علامات مشاكل عمر السنتين: هل طفلي طبيعيّ؟

يتساءل الكثير من الآباء والأمّهات: هل تدلّ تصرّفات طفلي على أنّه عدوانيّ، أم أنّها مجرّد مرحلة وستمرّ؟ الواقع أنّ هناك علامات أساسيّة تشير إلى أنّ طفلك يمرّ بهذه المرحلة التطوّريّة الطبيعيّة، ومن أبرزها:

  • - كلمة "لا": ستصبح هذه الكلمة ردّ الطفل على كلّ شيء تقريبًا، ربّما حتّى لو كان السؤال هو: "هل تريد قطعة حلوى؟" ببساطة "لا" هي وسيلة الطفل للتأكّد من أنّه يمتلك القدرة على أخذ القرار.
  • - نوبات الغضب: وتظهر في صور الصراخ، والارتماء على الأرض، والركل، وتكسير الأشياء. وهذه النوبات تحدث غالبًا عندما يكون الطفل متعبًا، أو جائعًا، أو غير قادر على التعبير.
  • - تقلّبات مزاجيّة حادّة: قد يضحك الطفل في لحظة، ثمّ ينفجر باكيًا في اللحظة التالية، وذلك لسبب قد تراه تافهًا؛ مثل أنّك قطعت له الساندوتش على شكل مثلّث بدلًا من مربّع.
  • - الرغبة في الاعتماد على النفس: توقّع أنّ طفلك سيصرّ على القيام ببعض الأمور بمفرده؛ مثل ارتداء الحذاء (حتّى لو استغرق الأمر وقتًا طويلًا)، أو محاولة صبّ الحليب وحده، وهو ما يندرج تحت بند الاختبار المستمرّ لقدراته الذاتيّة.

 

استراتيجيّات ذكيّة لمساعدة طفلك

مفتاح النجاح في التأقلم مع هذه المرحلة يكمن في توجيه إرادة الطفل، وليس كسرها. لذلك نقدّم مجموعة من النصائح العمليّة التي تساعدك في التعامل مع طفل السنتين بحكمة وهدوء:

  1. 1. الاختيارات المحدودة: نواجه يوميًّا الكثير من القرارات الصغيرة المتعلّقة بالطفل، وهنا يكون من الأفضل إعطاء الطفل وهم السيطرة، بمنحه اختيارات ثنائيّة بدلًا من توجيهه مباشرة لفعل الشيء، مثل أن نسأله: "هل تريد الحذاء الأبيض أم الأسود؟" بدلًا من أن نقول له: "سألبسك الحذاء لنخرج". هذا الأسلوب يقلّل من الصدام، ويُشبع رغبة الطفل في الاستقلال.  
  2. 2. التنظيم والروتين: الأطفال في هذا العمر يشعرون بالأمان عندما يعرفون ما سيحدث تاليًا، فالروتين الثابت للنوم والأكل واللعب يقلّل من التوتّر. فإذا كنتم مثلًا في الحديقة وتتهيّأون للرحيل، قل له: "أمامنا 10 دقائق ثمّ سنذهب إلى المنزل"، هذا التمهيد يمنحه عقله وقتًا للانتقال من نشاط إلى آخر.  
  3. 3. التجاهل الذكيّ وإعادة التوجيه: عندما يبدأ الطفل نوبة غضب بسيطة لجذب انتباهك، فإنّ التجاهل الآمن (مع مراقبته عن بعد) قد يكون الحلّ الأسرع لإنهاء النوبة. أمّا إذا استشعرت بوادر انفجار أكبر، فحاول إعادة توجيه انتباهه بسرعة، مثل أن تقول: "انظر، هناك قطّة جميلة هناك"، والأمر فعّال لأنّ دماغ الطفل في هذا العمر يسهل تشتيته.  
  4. 4. التسمية والتأكيد على المشاعر: يجب مساعدة الطفل في بناء حصيلة لغويّة، تعينه على التعبير عن مشاعره. مثل قولك: "أنت غاضب لأنّه لا يمكنك أن تأكل الحلوى الآن، والغضب شعور صعب، وأنا أشعر بك!" عندما يشعر الطفل أنّ الأب والأمّ يفهمانه، يهدأ جهازه العصبيّ بشكل أسرع.

 

متى تنتهي مشاكل عمر السنتين، وهل تستدعي القلق؟

الخبر السارّ أنّ أزمة العامين ليست سوى مرحلة مؤقّتة، تبدأ عادةً بين عمر 18 و24 شهرًا، وتختفي تدريجيًّا مع نموّ الطفل وتجاوزه العام الثالث، إذ تتحسّن مهاراته اللغويّة وقدرته على ضبط النفس. ومع ذلك يُنصح بضرورة استشارة الطبيب إذا كانت مشاكل عمر السنتين تتجاوز الحدود الطبيعيّة، مثل:

  1. إذا كان الطفل يؤذي نفسه أو الآخرين بشكل متكرّر (بالعضّ والضرب المبرح).  
  2. إذا كانت نوبات الغضب تستمرّ لأكثر من 15-20 دقيقة في كلّ مرّة.  
  3. إذا كان الطفل لا يتواصل بصريًّا أو يعاني من تأخّر في النطق، ما قد يزيد من إحباطه.  
  4. إذا كان الأب والأمّ غير قادرين على السيطرة على غضبهم تجاه الطفل، هنا تكون المساعدة موجّهة لهما ولطفلهما على حدّ سواء.  

الخلاصة هي أنّ التعامل مع طفل السنتين يتطلّب الصبر والتفهّم، فهو لا يحتاج إلى التأديب، بقدر ما يحتاج إلى مساعدتك في تجاوز هذه المرحلة الصعبة، كي تبنيا معًا جسورًا من الثقة تمتدّ لسنوات تالية. أنت لا تحتاج أن يكون طفلك مطيعًا في كلّ شيء كأنّه إنسان آليّ، ولكن أن ينمو ليكون إنسانًا قويًّا واثقًا بنفسه، يعرف كيف يعبّر عن إرادته باحترام لنفسه وللآخرين.

 

المراجع

- https://www.healthline.com/health/parenting/terrible-twos#signs

- https://www.bbc.co.uk/tiny-happy-people/articles/zp2w7yc

- https://health.clevelandclinic.org/tips-help-you-survive-your-toddlers-terrible-twos