لطالما ارتبط تعلّم الرياضيّات في أذهان التلاميذ بالصفّ والكتاب والدفتر، وكأنّها معرفة تنتهي بانتهاء الحصّة. غير أنّ تجربتي في التعليم دفعتني إلى التساؤل: ماذا لو خرج المفهوم الرياضيّ مع التلميذ إلى بيته؟ وماذا لو تحوّلت الوظيفة البيتيّة من تكرارٍ آليّ إلى تجربة تُنبت الفضول وتُبقي التفكير حيًّا؟
وتزداد الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الوظيفة البيتيّة في ظلّ التطوّر المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعيّ. فالوظيفة التقليديّة القائمة على حلّ تمارين متكرّرة، لم تعد قادرة على تحقيق أهدافها التعليميّة، إذ بات في مقدور المتعلّم الحصول على الإجابة الصحيحة في ثوانٍ، من دون المرور بمسار التفكير أو بناء الفهم.
ولا تكمن الإشكاليّة هنا في استخدام الذكاء الاصطناعيّ بحدّ ذاته، بل في نوع المهمّات التي نكلّف بها التلاميذ. من هنا، تبرز الحاجة إلى وظائف بيتيّة لا يمكن اختصارها بنسخ الإجابة، بل تستدعي الملاحظة، والتفسير، والربط بالحياة، والتعبير عن الفهم بأسلوب شخصيّ.
في درس وحدات الطول، على سبيل المثال، لم أطلب من التلاميذ حلّ تمارين إضافيّة للتحويل بين الوحدات، بل كلّفتهم بنشاط استكشافيّ بسيط: استخدام تطبيق "خرائط جوجل" لمعرفة المسافة بين منازلهم ومطار بيروت. لم يكن الهدف حفظ الرقم، بل مراقبة ما سيحدث. عاد التلاميذ إلى الصفّ وهم مندهشون؛ لاحظوا أنّ المسافة تُقاس بالكيلومتر، وبدأوا يطرحون أسئلة عفويّة مثل: كيف يعرف هذا التطبيق المسافة؟ كيف يحدّد موقعنا؟ ولماذا لا تُقاس المسافة بالمتر؟ هكذا تحوّل مفهوم رياضيّ مجرّد إلى بابٍ للتساؤل، والتقاطع مع التكنولوجيا، وفهم العالم من حولهم.
وفي تجربة أخرى، سعيت لربط الرياضيّات بموادّ دراسيّة مختلفة. أثناء العمل على وحدات الطول، طُلب إلى التلاميذ البحث عنها في كتاب الجغرافيا، وملاحظة استخدامها في وصف المسافات بين المدن والدول. هذا الربط البسيط أحدث دهشة حقيقيّة لديهم؛ إذ اكتشفوا أنّ المفهوم نفسه يعيش في أكثر من مادّة، وأنّ المعرفة ليست مجزّأة كما تظهر في الجداول المدرسيّة.
كما حاولت نقل تعلّم الأرقام من الدفتر إلى الواقع اليوميّ. فعند العمل على كتابة الأرقام وقراءتها، لم أكتفِ بالتمارين التقليديّة، بل طلبت إلى التلاميذ قراءة أرقام فواتير الكهرباء أو المشتريات في منازلهم، وكتابتها كما تظهر، ثمّ محاولة فهم ما تعنيه. هذا النشاط البسيط جعل المتعلّم يدرك أنّ الأرقام ليست رموزًا مجرّدة، بل لغة حاضرة في تفاصيل حياته، تؤدّي وظيفة ومعنى.
ما يجمع هذه الأنشطة هو أنّها لا تبحث عن إجابة واحدة صحيحة، بل عن تجربة تعلّم يعيشها التلميذ. فالرياضيّات، حين تُربط بالحياة، تصبح شغل المتعلّم الشاغل، يفكّر بها خارج الصفّ، ويعيد اكتشافها في محيطه. وفي هذا السياق، يصبح الخطأ جزءًا طبيعيًّا من المسار، لا عائقًا أمامه، ويتحوّل التعلّم إلى فعلٍ مستمرّ لا ينتهي بتسليم الوظيفة.
إعادة تصميم الوظيفة البيتيّة بوصفها مساحة للفضول والاكتشاف تفتح أفقًا تربويًا جديدًا، تجعل فيه الرياضيّات أداة لفهم العالم، لا مادّة دراسيّة معزولة. وهي دعوة إلى تعليم يزرع الأسئلة بقدر ما يقدّم الإجابات، ويمنح المتعلّم فرصة أن يتعلّم كيف يتعلّم، في صفّ وبيت، وعالم يتغيّر باستمرار.



