بوصفي طالبًا أوّلًا، وأستاذًا ثانيًا، ظلّ السؤال الوجوديّ يلاحقني عبر مسيرتي التعليميّة الطويلة: لماذا ندرس هذه "المادّة" تحديدًا؟ إنّه تساؤل لا يقتصر على مادّة بعينها، بل يمتدّ ليشمل كلّ مقرّر دراسيّ، وكلّ حصّة تعليميّة، وكلّ جهد معرفيّ نبذله. لاحقًا، وجدت هذا التساؤل نفسه يتكرّر من طلّابي في مختلف التخصّصات، بنبرة تتراوح بين الفضول والحيرة، والرغبة الحقيقيّة في الفهم: لماذا ندرس هذه "المادّة"؟
هذا السؤال الجوهريّ يتجاوز كونه استفسارًا بسيطًا، ليكون مفتاحًا للفهم العميق في العمليّة التعليميّة. إنّه سؤال لا يُفترض أن يجيب عنه الأستاذ وحده، بل هو مسؤوليّة مشتركة تتحمّلها وزارات التربية، والبيداغوجيّون المتخصّصون، والمجتمع بأسره. إنّه السؤال الذي إن أجيب عنه بصدق ووضوح، تحوّلت العمليّة التعليميّة من نقل للمعلومات إلى بناء عقل وروح.
الاقتناع هو المحرّك الرئيسيّ لعمليّة التعلّم بأكملها، وهو الوقود الذي يغذّي رحلة المعرفة من البداية إلى النهاية. فهو ليس مجرّد شعور عابر، بل هو نتيجة حتميّة للإجابة الواضحة والمقنعة عن سؤال "لماذا؟". عندما يقتنع الطالب بالغاية والهدف من دراسة أيّ مادّة، ينطلق من هذه النقطة نحو فهم أعمق، ما ينعكس إيجابًا على حماسه ويزيد من تحصيله الأكاديميّ. الاقتناع يحوّل المادّة من عبء يجب تحمّله إلى استثمار في المعرفة والشخصيّة، من مادّة دراسيّة إلى أداة لفكّ شفرات الحياة.
سؤال "لماذا" لا يعنينا هنا بمستواه السطحيّ، أي حفظ معادلة رياضيّة أو تذكّر حدث تاريخيّ، بل يتعدّاه إلى التساؤل عن السبب الجذريّ، والمنطق الكامن وراء تعلّم أيّ مادّة: لماذا أتعلّم الرياضيّات؟ هل لمجرّد إتقان العمليّات الحسابيّة، أم لأطوّر منطقي وأتعلّم التفكير المتسلسل؟ لماذا أدرس العلوم؟ هل لأحفظ الحقائق العلميّة، أم لأفهم قوانين الكون من حولي؟ لماذا أهتم بالتاريخ؟ هل لأروي أحداث الماضي، أم لأستوعب دروس الحاضر وأستشرف المستقبل؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحوّل التعليم من تلقين إلى اكتشاف، من حفظ إلى فهم، من امتحان إلى حياة.
معظم المقرّرات الدراسيّة تركّز بشكل كبير على "الأهداف" و"الكفايات" مخرجاتٍ تعليميّةً مجرّدة. بينما يبقى الطالب - المحور الأساسيّ للعمليّة التعليميّة - غير معنيّ بها في كثير من الأحيان، لأنّه لا يزال لا يفهم المغزى من وراء تحصيل هذه الكفايات أو معرفة تلك الأهداف. هذه الفجوة بين ما يُقدّم إلى الطالب والسبب الكامن وراءه تؤدّي إلى حالة من اللامبالاة، وقد يعتري الطالب الشكّ في جدوى المادّة بأكملها، بل وقد يمتدّ هذا الشكّ ليشمل جدوى الدراسة ككل. فيتحوّل الفصل الدراسيّ من فضاء للإبداع إلى سجن للذاكرة، ومن ورشة للتفكير إلى مصنع للتلقين.
وهذا الشعور السلبيّ لا يقتصر على الطالب فحسب، بل قد يمتدّ ليطال الأستاذ نفسه، فيسأل في لحظات تأمّل: لماذا عليّ أن أعلّم هذه المادّة؟ وما هو الأثر الحقيقيّ الذي سأتركه في طلّابي؟ أهو مجرّد نقل لمعلومات جافّة، أم أنني أسهم في بناء وعيهم وتطوير مهاراتهم الحياتيّة؟ الإجابة الواضحة عن سؤال "لماذا" هي التي تمنح العمليّة التعليميّة برمّتها معناها وقيمتها. إنّها التي تحوّل المعلّم من ناقل للمعرفة إلى مرشد في رحلة النموّ، وتنقل الطالب من متلق سلبيّ إلى باحث نشط عن الحكمة.
***
يمكن القول إنّ إحياء سؤال "لماذا نتعلم هذه المادّة؟" هو إحياء للروح في الجسد التعليميّ. إنّه دعوة لجميع المعنيين ليعيدوا النظر في الطريقة التي نقدّم بها الموادّ الدراسيّة كافّة. يجب أن تتحوّل من كونها مجموعة من المعلومات المجرّدة إلى أدوات لفهم الحياة وتطوير المهارات. يجب أن يصبح كلّ درس إجابة عن سؤال وجوديّ، وكلّ حصّة حلقة في سلسلة بناء الإنسان.
تعلّم أيّ مادّة ليس غاية في حدّ ذاته، بل هو وسيلة لفهم العالم وتطوير الذات واكتساب الأدوات اللازمة للتعامل مع تحدّيات الحياة. حينها فقط، سنجد إجابات مقنعة تُشعل شغف الطلّاب، وتُعيد إلى المعلّمين إحساسهم بالرسالة. حينها فقط، سنرى طلّابًا لا يدرسون من أجل الامتحان، بل من أجل الحياة. طلّابًا يستطيعون ربط ما يتعلّمونه في الفصل بما يعيشونه خارج أسوار المدرسة، فيصبح التعليم حقًّا عمليّة تحويليّة تثري الإنسان وتطوّر المجتمع. حينها فقط، سنفهم أنّ سؤال "لماذا" ليس بداية النهاية، بل هو نهاية البداية الحقيقيّة للتعلّم الحقيقيّ.



