الدمج المدرسيّ ومواكبة ذوي العسر القرائيّ
الدمج المدرسيّ ومواكبة ذوي العسر القرائيّ
Sun, 7 Jun 2026 - 13:11
حسن بوتوت | أستاذ مكوّن بالمركز الجهويّ للتربية والتكوين - المغرب

يشكّل اضطراب العسر القرائيّ أو الديسليكسيا (1) أكثر من 70% من الاضطرابات المنتشرة في فصول الدمج المدرسيّ التي تدمج ذوي الاحتياجات الخاصّة مع الأطفال العاديين، ويتميّز هذا الاضطراب عن باقي الاضطرابات الأخرى بكونه:
أوّلًا: إعاقة خفيّة (ذات أسباب داخليّة)، تحتاج إلى جهد من المعلّمين وأولياء أمور التلاميذ للكشف عنها، ثمّ إلى جهود الأطبّاء والخبراء لتشخيصها. وإذا كان الكشف يبدأ من ملاحظة تدنّي النتائج الأكاديميّة للطفل مقارنة مع من هم في عمره الزمنيّ ومستواه الدراسيّ، فإنّ التشخيص عمليّة هامّة يقوم بها فريق متكامل (مقوّم نطق، وطبيب نفس أو أعصاب، ومعلّم القسم)، علمًا أنّ التشخيص الدقيق يؤدّي إلى تخطيط برنامج علاجيّ ناجع. 
ثانيًا: تباين حالات الديسليكسيا باختلاف الأعراض التي يحدّدها الدليل الطبيّ التشخيصيّ DSM5، وأنواع الديسليكسيا سمعيّة أم بصريّة، ما يؤكّد دقّة التشخيص واختلاف البرامج العلاجيّة حسب الحالات المشخصة.
من التعاريف الراهنة والمختصرة للديسليكسيا
الديسليكسيا أو عسر القراءة النمائيّ: صعوبة تعلّم محدّدة في القراءة، تطال ما يقارب 3 إلى 7 %من السكّان. لا يمكن تفسيرها حصرًا بانخفاض الذكاء، أو ضعف التعليم، أو اضطرابات حسيّة، أو عصبيّة مؤكّدة.
يعاني المصابون بهذا الاضطراب من عجز معرفيّ محدّد له أساس دماغيّ ومكوّن وراثيّ. وإذا كان محكّ الاستبعاد الوارد في التعريف يلغي العوامل الخارجيّة، فهذا يؤكّد ما ذهبنا إليه من كون الديسليكسيا إعاقة خفيّة أسبابها حصرها التعريف في الإصابة الدماغيّة، والمكوّن الوراثيّ (2). 
ويندرج هذا الاضطراب تحت ما يعرف بصعوبات التعلّم؛ لأنّ المصابين به يعانون صعوبات في القراءة وتعلّمها. يتطلّب تعلّم القراءة في مرحلة الروضة والسنة الأولى الابتدائيّة، من المتعلّم جهدًا كبيرًا سواء في اللغة المحليّة او الأجنبيّة؛ فاكتسابه وعيًا فونولوجيًا، إلى جانب تعرّفه الحروف والكلمات، وتكوينه معجمًا ذهنيًّا، أمور أساسيّة  لتطوير مهارته القرائيّة والتدرّج عبر المستويات الدراسيّة، إلى أن يصبح قارئًا فاعلًا ومتفاعلًا مع النصوص القرائيّة. 
وإذا كانت القراءة ( فكّ ترميز الحروف والكلمات + الفهم) مفتاح تعلّم كلّ الموادّ الدراسيّة، فإننا ننبّه إلى خطورة هذا الاضطراب، وفشل المصابين به دراسيًّا وفقدان تقديرهم لذواتهم، وبالتالي يصبحون من أكبر ضحايا الهدر والتسرّب المدرسيّين (3). 
ندعو المشرفين على مدارس الدمج بالبلاد العربيّة، إلى تكوين المواكبين لأطفال العسر القرائيّ تكوينا متينًا. كما ندعو أولياء أمورهم إلى عرضهم على طبيب أطفال نفسيّ لما يعانونه من قلق جرّاء التنمّر الذي يتعرّضون إليه من زملائهم، وحتّى من معلّميهم الذين يجهل أغلبهم كلّ شيء عن هذا الاضطراب. 
وقد قسّم أغلب الباحثين الديسليكسيا إلى مستوى ضعيف ومتوسّط وشديد أو حادّ، وهذا الأخير يصعب علاجه، ومنهم من يرجّح استحالة العلاج، ومرافقة الاضطراب للمصاب طوال حياته.
الأدبيّات الأوروبيّة، والفرنسيّة خاصّة، تصنّف الديسليكسيا ضمن الصعوبات النمائيّة العصبيّة، وهي:
- لخلل الوظيفيّ في القراءة أي الديسليكسيا.
-الخلل الوظيفيّ في الكتابة أيّ الديسكرافيا. 
-الخلل الوظيفيّ في الإملاء والإنتاج الكتابيّ أيّ الديسورتوكرافيا.
-الخلل الوظيفيّ في الحساب أو الديكالكوليا.
-الخلل الوظيفيّ في التآزر الحركيّ أو الديسبراكسيا الذي يعتبره الباحثون المؤثّر الأساسيّ في كلّ الاضطرابات الوظيفيّة المذكورة.
أمّا الكتابات الأنجلو- أمريكيّة، فتستعمل مصطلح صعوبات التعلّم المحدّد أو النوعيّ أو الخاصّ، وهو المصطلح البديل من صعوبات أو إعاقات التعلّم الذي وضعه "صمويل  كيرك"  في ستينيّات القرن الماضي، ويعبّر عن وجود صعوبات أكاديميّة في مهارات القراءة، والفهم القرائيّ، والتهجئة، والتعبير الكتابيّ، والحساب، على الرغم من توفّر التدخّلات التي تستهدف معالجة هذه الصعوبات.
وتعتمد هذه الكتابات على الأعراض التي حدّدها الدليل الطبيّ التشخيصيّ الأمريكيّDSM5  وترجمه الحمادي.
انطلاقًا من تشخيص حالات الديسليكسيا وتحديد الأعراض، تكون المواكبة في قاعة الموارد أساس كلّ برنامج علاجيّ. هذه المواكبة تقتضي إشراف معلّم متخصّص في التربية الخاصّة، وتعاونه المستمرّ مع معلّم الفصل الذي يساعده في رصد الاستجابة إلى تدخّلاته في قاعة الموارد. هذه الاستراتيجيّة - التي اعتمدناها في مواكبة ذوي العسر القرائيّ الذين نستقبلهم في جمعيتنا، قد حقّقت نجاحًا بفضل التنسيق الدائم بين معلّم الفصل وأطر المواكبة في جمعيّتنا.  

1 انظر كتابنا العسر القرائيّ أو الديسليكسيا، دار نشر سوماكرام، الطبعة الأولى 2023 
2 مترجم عن الفرنسيّة من أدبيّات الجمعيّة الفرنسيّة FFDYS.
3 نبّهنا إلى ذلك في مختلف وسائل الإعلام مكتوبة ومرئيّة باعتبارنا ناشطين جمعويّين.