من العسكريّة إلى الغرفة الصفّيّة
من العسكريّة إلى الغرفة الصفّيّة
Sun, 24 May 2026 - 14:45
سامي الخليفات | مشرف تربويّ- الأردن

مذ كنت في سني دراستي الأولى وأنا أحلم أن أكون معلّمًا. كان المعلّم في وجداني المثل الأعلى والقدوة، أراقبه وأستمع إليه. كان فضاءً رحبًا، ومصدرًا واسعًا للحصول على المعرفة. أخذت القرار الحاسم بعد يوم من زيارة مدرسيّة للجامعة الأردنيّة، رأيت فيها عالمًا يفيض بالكتب والطلّاب والحركة والشغف، أخبرتُ معلّمي أنّني أريد أن أكون مدرّسًا مثله، ربّت على كتفي وابتسم.

لكنّ الحياة في الريف، في قرية تبعد عن العاصمة أكثر من ثلاثمائة كلم، لم تكن كثيرة الخيارات، وليست في المتناول؛ فلا بدّ من تقديم كثير من التنازلات من أجل أن تسير الحياة في حدودها الممكنة. العمل اليوميّ في الرعي أو في فلاحة الأرض أو مساعدة الآخرين، حالة مألوفة متكرّرة. وهي تجربة وثقافة معتادة، حتّى تظلّ على قيد الحياة ليس هناك إلّا أن تهادن الواقع.

في ظلّ كلّ هذه التحوّلات والظروف القاسية، انتهت اختبارات الثانويّة العامّة، وجاءت النتائج كما كانت متوقّعة، لتبدأ رحلة أخرى من دون مقدمات، فكان القرار الصعب: الظروف الاقتصاديّة ومعدّل الدخل لعائلة ممتدّة لا يمكن معه أن تستمرّ رحلة الدراسة. إذًا، لا مفرّ من التضحية في سبيل أن تمضي الأيّام، ولا ينام أحد الأفراد جائعًا.

العسكريّة هي الحلّ الأمثل للجميع، يكفي فيه منتسبوه أهلهم مؤونة العيش، ويبدؤون الاستقلال من حيث البيئة والرفقة، دعوة مفتوحة إلى حياة جديدة. في الثامنة عشرة يبدأ فصل جديد لم يكن في الحسبان، وتتبخّر الآمال، ويسقط الحلم في هاوية عميقة، مع بصيص أمل لا يكاد يبين. 

تمرّ السنوات الثلاث الأولى في المجتمع العسكريّ بضجر شديد، بين الأوامر والتعليمات والأعمال التي لا تنتهي، مع خوف بتلاشي الأمل، وخفوت الشغف الذي بدأ بالعودة من جديد مع فتح الباب للعسكريّين لإكمال تعليمهم. هنا كانت نقطة التحوّل المهمّة، وهنا عادت سفينة الآمال لتتّجه صون مرفئها.  

أربع سنوات من المتعة والقراءة والبحث والصداقات الجديدة، كانت الجامعة العسكريّة منعطفًا مهمًّا في أيّامي وفي حياتي القادمة. تغيّر كل شيء، الرتبة والمهام والأعمال، لأتخرج في مكان جديد، الصحراء ولا غير الصحراء، الحدود، والتمارين، والمناورات، والتدريب. انفصال تامّ عن الحياة العلميّة الأكاديميّة، إلّا من قراءات بسيطة في مجلات دوريّة، انهماك تامّ في التعليم العسكريّ. مع ذلك كلّه، بدا شبح التخصّص غريبًا وسط الكرّاسات العسكريّة والخرائط والاتّصالات. 

وتنقضي عشرون سنة في هذا الجوّ المملوء بالنظام والانضباط والطاعة والتسلسل الهرميّ، فأقرّر بعدها أن أتقاعد؛ لأعاود القراءة من جديد، وأسعى خلف حلمي الكبير والكبير جدًّا، وأتبع نفسي وشغفها لتصل إلى غايتها. تقدّمت إلى التدريس في المنظومة الحكوميّة فقُبلت. ودخلت الغرفة الصفّيّة بعد البكالوريوس بعشرين سنة، وبتوفيق من الله التحقت بالماجستير في تخصّص اللغة العربيّة التي أحبّ وأنا في سلك التعليم، لأتخصّص في الصرف النحويّ.

كان الأمر غاية في التعقيد والغرابة: البيئة غير البيئة، والوجوه غير الوجوه. كان عليّ أن أستوعب المهارات الجديدة، والمفردات الجديدة في التخطيط والتقويم والإدارة الصفّيّة، والانسجام في العمل الجديد. وأن أتعامل مع فئات عمريّة تحتاج إلى التوجيه والإدماج، تختلف تمام الاختلاف عن أوامر العسكريّة وصعوبة ظروفها. احتجت إلى وقت طويل لأتكيّف مع الواقع الجديد، ولأبني تصوّرًا تربويًّا قابلًا للتطبيق. كان قبول التلاميذ بطيئًا بسبب اللكنة والمفردة الجامدة. ولكن، مع مرور الوقت تعّدل كثير من سلوكياتي اليوميّة لتنسجم مع المتطلّب الجديد. في هذه الأثناء التحقت بعد الماجستير ببرنامج الدكتوراه في الدراسات اللغويّة، لأوفّق بالحصول على الدرجة بحول الله. 

في خطّة النموّ المهنيّ خاصتي بعد الاهتمام  بالجانبين المعرفيّ والأكاديميّ، كان لا بدّ من الاهتمام بالجوانب الأخرى: التعلّم والتعليم، ودعم ثقافة التعلّم، التعلّم للحياة، التقويم والتخطيط وبناء حالة فكريّة تربويّة قائمة على الانخراط في ورش ودورات للتطوّر المهنيّ، والإفادة من خبرات المعلّمين القدماء، ما انعكس أثره في كيفيّة التعليم ونوعيّته وطريقة توجّهه. أضحت رسالة التعليم وهدفه أكثر وضوحًا واتّزانًا، وصرت أكثر قبولًا بين التلاميذ والكادر التعليميّ. أحدثتُ تأثيرًا وتغييرًا في المحيط التعليميّ، وتأسّس لديّ فهم أوسع لكينونة أن تصبح معلّمًا؛ أن تكون حجرًا أساسًا في صناعة الحياة والسعادة، وأن تكون إنسانًا مغيّرًا وصانعًا للمعرفة.

أقف اليوم متأمّلًا كيف مرّت هذه السنوات، عاقدًا مقارنة بين حياتين مختلفتين تمامًا من حيث الأهداف والمسؤوليّات: بين أن تكون جنديًّا في كتائب الجيش، وبين أن تكون معلّمًا في فصل دراسيّ. أفكار وأحاسيس وهواجس تمرّ وتغيب وتعود.
كنت سعيدًا جدًّا، وما زلت، وأنا أرى طلّابي الأعزّاء يعودون من جامعاتهم وأعمالهم أطباء ومهندسين ومعلّمين وعسكريّين، وأصحاب مهنة. أنظر من أفق مملوء بالنجوم المزهرة: ما زلتُ أتحسّس أيديهم، وأسمع عباراتهم الأولى وردود أفعالهم وتقييماتهم. ما زلت أسمع اختلافاتهم ونقاشاتهم وألعابهم، فما زالوا في الغرفة الصفّيّة. سعادة غامرة أن تكون معلّمًا لتصل إلى محطّة أخيرة على بوابتها عبارة: المثابرون يمرّون من هُنا. لكلّ مجتهد نصيب.