إذا أردت يومًا أن تقترب من قلب المهنة، لا من صورتها البعيدة، جرّب أن تحبس نفسك في غرفة صغيرة داخل منزلك، وتجمع أبناءك حولك ساعة كاملة، ليست ساعة لهو ولا صمت، بل ساعة تواصل متواصل لا ينقطع.
تشرح، وتسمع، وتطمئن، وتراقب، وتحاول أن تُبقي اهتمامهم حيًّا على الرغم من تعبهم وتشتّتهم وقلّة صبرهم. حاول أن تظلّ حاضرًا بكلّك: لا تنظر إلى هاتفك، لا تغادر الغرفة، لا تسمح لغضبك أن يظهر، ولا لوجهك أن يعكس تعبك لساعة واحدة فقط. كن لهم معلّمًا ومربّيًا في آن.
ثمّ تخيّل أنّ هذا العدد الصغير يتضاعف بدل طفلين أو ثلاثة، يصبحون خمسة عشر، ثمّ عشرين، ثمّ أربعين طفلًا يملؤون الغرفة بضجيجهم وأسئلتهم واحتياجاتهم المختلفة.
بينهم طفل يتيم يفتّش عن لمسة أمان. وآخر من بيت مضطّرب يبحث عن كلمة تطمئنه. وثالث يشعر بالدونيّة لأنّ أحدًا لم يخبره يومًا أنّه قادر. ستجد طفلًا سريع الفهم يحتاج إلى التحدّي، وآخر بطيئًا يحتاج إلى صبر، وطفلًا يتظاهر بالقوّة لأنّه هشّ من الداخل، وآخر يختبئ خلف الضحك، لأنّه لا يعرف كيف يطلب المساعدة.
وستكتشف أنّ التعليم ليس شرحًا، بل مشاركة روح. ليس نقلًا للمعلومات، بل بناء لنفوس صغيرة تتشكّل بين يديك. ستكتشف أنّ التربية ليست درسًا يُلقى، بل علاقة تُصنع من الصبر، والودّ، والانتباه، واحترام إنسانيّة كلّ طفل، مهما كان مزاجه أو خلفيّته أو قدراته.
وحين تنتهي الحصة (المحاضرة)، لن يكون بإمكانك أن تستريح. ستخرج محمّلًا بدفاتر وواجبات واختبارات تنتظرك في منزلك. وستجد في كلّ ورقة طفلًا يطلب منك شيئًا، فرصة تشجيعًا توجيهًا، أو حتّى مجرّد اعتراف بجهده. وبعدها ستقف أمام أولياء الأمور، وتحاول أن تكون لهم جميعًا متفهّمًا ولبقًا ومطمئنًّا، مهما كان يومك مرهقًا، ومهما كانت أسئلتهم صعبة، أو مطالبهم متضاربة. عليك أن تبتسم، لا لأنّك مرتاح، بل لأنّك تعلم أنّ الكلمة الطيّبة جزء من عملك، وجزء من رسالتك.
ثمّ حاول أن تعيش هذا الشهر كاملًا. جرّب أن تكرّر هذا الجهد يوميًّا، خمس أو ستّ مرّات، مع مجموعات مختلفة من الأطفال، بقلوب مختلفة، ومشاعر متناقضة، وتاريخ عائليّ لا تعرف منه إلّا ما يظهر على السطح.
عندها ستسأل نفسك بصوت خافت: كم أحتاج من الوقت كي أستعيد أنفاسي؟
وستفهم ولو قليلًا، أنّ ما يفعله المعلّم ليس عملًا يُؤدّى، بل حياة تُعاش.
وأنّ المعلّم لا يقدّم دروسًا فقط، بل يقدّم جزءًا من قلبه في كلّ يوم.
وأنّ ما نراه منه في الصفّ هو مجرّد قمّة جبل من التعب، تختفي تحته طبقات من الصبر والجهد والحكمة والاحتراق الداخليّ الذي لا يُرى.
لهذا، حين ترى معلّمًا مرهقًا، أو تسمع أنّه لم يعد قادرًا على الاحتمال، تذكّر أنّه يقف في مواجهة مهمّة لا يستطيع القيام بها إلّا من حمل في داخله قدرًا كبيرًا من الإنسانيّة.
المعلّم ليس موظّفًا. المعلّم روح تُهدي أرواحًا، وصوت يرفع أطفالًا، ويد تبني مستقبلًا لا يراه إلّا بعين الأمل.



