عمليّة دمج مهارات التفكير في المنهج الدراسيّ من المنهجيّات القديمة المتجدّدة التي تهيّئ الطلبة للمستقبل، بما يمكّنه من مواجهة التحدّيات والمواقف غير المتوقّعة.
وفي ما يلي جملة من القضايا المرتبطة بهذا الشأن التعليميّ:
أوّلًا: مفهوم المهارة
المهارة عمليّة مكوّنة من سلسلة متتابعة من الممارسات التي تُمكن ملاحظتها بشكل مباشر أو غير مباشر لدى الطالب، بهدف أداء مهمّة ما. ويحكم الرضا عن الأداء لمهارة ما، المعيار الذي يُعتمد منذ بداية التدرّب عليها.
ثانيًا: مفهوم مهارات التفكير
للنظر في المفاهيم الواردة بخصوص مهارات التفكير زوايا عدّة، وهي:
1. التعريف العام: العمليّات العقليّة التي يستخدمها الطالب لفهم المعلومات وتحليلها وتطبيقها وتقييمها، بغرض الوصول إلى قرارات أو حلول مناسبة.
2. التعريف التربويّ: مجموعة من الإجراءات المعرفيّة، التي تنمّي قدرة الطالب على معالجة المعلومة، والتعامل معها بشكل واعٍ وهادف، مثل الملاحظة والمقارنة والتصنيف والتحليل والاستنتاج والتقويم.
3. التعريف المهاريّ: مهارات ذهنيّة، قابلة للتدريب والممارسة، تساعد على تحويل المعرفة إلى فعل معرفيّ، أي استخدام المعرفة بطريقة بنّاءة لحلّ المشكلات واتّخاذ القرارات.
4. التعريف الفلسفيّ – المعرفيّ: عمليّات عقليّة منظّمة، تمكّن الطالب من تجاوز التفكير السطحيّ، والوصول إلى التفكير العميق، من خلال التساؤل، وإعادة بناء المعرفة، وإعادة النظر في المسلّمات.
ثالثًا: مفهوم دمج مهارات التفكير
دمج التدريس المباشر في مهارات تفكير معيّنة، أثناء تدريس وحدات المنهج ودروسه في مختلف الموادّ، بحيث تحسّن هذه الدروس من طريقة تفكير الطلبة مستقبلًا، وتعزّز عمليّة تعلّم محتوى المادّة.
نشاط توضيحيّ لكيفيّة دمج مهارات التفكير
الهدف: أن يكتشف المعلّمون فروق التعريفات الأربعة، بتحليل المواقف ولعب الأدوار بسيطة.
الخطوة 1، توزيع المواقف: وزّع على كلّ مجموعة أربع بطاقات، كلّ بطاقة فيها موقف تعليميّ يركّز على بعض جوانب التفكير، ومنها:
• الموقف أ (عام): طالب يحلّل بيانات بسيطة ويختار القرار الأنسب.
• الموقف ب (تربويّ): معلّم يطلب إلى الطلبة المقارنة بين فكرتين وتصنيف البيانات.
• الموقف ج (مهاريّ): مجموعة من الطلّاب يستخدمون إجراءات حلّ المشكلة خطوة بخطوة.
• الموقف د (فلسفيّ – معرفيّ): طالب يناقش سبب صحّة معلومة ما، ويعيد النظر في افتراض معيّن.
الخطوة 2، مهمّة "اكتشف التعريف": اطلب إلى كلّ مجموعة:
1. قراءة المواقف الأربعة.
2. محاولة تصنيف كلّ موقف تحت نوع من أنواع التفكير.
3. بعد التصنيف، امنحهم التعريفات الأربعة مكتوبة من دون تسميات.
4. اطلب إليهم مطابقة كلّ تعريف مع الموقف الذي يناسبه.
هذه المرحلة تركَّز على مهارات: التحليل والاستنتاج، والتفاوض الجماعيّ.
الخطوة 3، إنشاء "بطاقة المفهوم": بعد المطابقة، تطلب إلى كلّ مجموعة تصميم بطاقة مبسّطة لكلّ تعريف:
• اسم مختصر من اختيارهم، مثل: التفكير التحليليّ، والتفكير المنظّم، والتفكير الإجرائيّ، والتفكير العميق.
• جملة مفتاحيّة: تلخّص التعريف بأسلوبهم.
• مثال من الصفّ: يشرح التعريف.
• رمز بصريّ بسيط: عدسة، تروس، سلّم، سؤال.
هذه الخطوة تساعدهم على نقل التعريف من مستوى "النصّ" إلى "الفهم الشخصيّ".
الخطوة 4، لعبة "سوق المفاهيم": كلّ مجموعة تعرض بطاقاتها الأربع على مجموعات أخرى لمدّة دقيقة لكلّ بطاقة بهدف: اكتساب فهم متبادل، واكتشاف اختلاف التأويلات، وإعادة تثبيت المعاني بالشرح للآخرين.
هل يحقّق النشاط أهدافك؟ نعم، لأنّه:
• يمزج بين التحليل والتعاون واللعب.
• يجعل التعريفات تنتقل من النظريّ إلى التطبيقيّ.
• ينشّط مهارات التفكير نفسها لدى المعلّمين.
• يتيح الحركة والتفاعل بدل التلقّي.
رابعًا: أمثلة لكيفيّة دمج مهارات التفكير في المنهج الدراسيّ
مهارات التفكير الأساسيّة
نشاط: سلّم المقارنة
المادّة: العلوم (الحيوانات).
النشاط: يعطي المعلّم الطلبة صورتين: حيوان زاحف وحيوان من الثديّات.
المهارات: الملاحظة؛ المقارنة؛ التصنيف.
أسئلة موجّهة: ما أوجه الشبه؟ وما أوجه الاختلاف؟ وكيف يمكن تصنيفهما؟
مهارات التفكير العليا
نشاط: تحليل موقف وحلّ المشكلة
المادّة: اللغة العربيّة (التعاون).
النشاط: يعرض المعلّم موقفًا: "مجموعة من الطلبة لم يتعاونوا في إنجاز مشروع".
المهارات: تحليل الأسباب؛ اقتراح حلول؛ واتّخاذ قرار.
أسئلة موجّهة: لماذا فشل المشروع؟ وما الحلول الممكنة؟ وما أفضلها؟ ولماذا؟
مهارات التفكير الناقد
نشاط: فحص الادّعاءات
المادّة: الدراسات الاجتماعيّة (البيئة).
النشاط: يعرض المعلّم مقطعًا إعلانيًّا أو صورة بعنوان "منتج صديق للبيئة".
المهارات: تحديد الادّعاءات؛ التمييز بين الحقائق والآراء؛ تقييم مدى صحّة الإعلان.
أسئلة موجّهة: ما الادّعاء الذي يقدّمه الإعلان؟ وهل قدّم أدلّة حقيقيّة؟ وما المعلومات التي تحتاج التحقّق منها؟
مهارات التفكير الإبداعيّ
نشاط: استخدامات متعدّدة
المادّة: مهارات الحياة
النشاط: يعطي المعلّم غرضًا بسيطًا (مثل: ورقة بيضاء أو علبة فارغة).
المهارات: ابتكار أكبر عدد ممكن من الاستخدامات؛ وترتيبها من الأكثر واقعيّة إلى الأكثر خيالًا.
أسئلة موجّهة: ما الاستخدامات الممكنة؟ وكيف يمكن تحويل الشيء إلى أداة تعليميّة؟
مهارات ما وراء المعرفة (التفكير حول التفكير)
نشاط: "أنا أفكّر.. إذن أنا أتعلّم"
المادّة: أيّ مادّة.
النشاط: بعد حلّ مسألة أو قراءة نصّ، يطلب المعلّم إلى الطلبة كتابة بطاقة صغيرة.
أسئلة موجِّهة: ما الاستراتيجيّة التي استخدمتها؟ ولماذا اخترتها؟ وهل كانت فعّالة؟
خامسًا: آليّة دمج مهارات التفكير في المنهج الدراسيّ
تناولت الإدارة العامّة للتدريب والابتعاث في السعوديّة سنة 2014 آليّة دمج مهارات التفكير في المنهج الدراسيّ، وقسّمتها إلى ست خطوات، وهي:
1. تقديم الدرس: تهيئة الطلبة للتعلّم بذكر العنوان والمحتوى إجمالًا، ومهاراته وأهدافه، ومعارفه السابقة وتنشيط خبراتهم.
2. عرض المهارة: كيفيّة أداء المهارة بالاستعانة بالمنظّم البيانيّ، والأسئلة المرشدة.
3. التفكير النشط: تعليم المحتوى، والتأكّد من فهم الطلبة، ثمّ ممارسة نشاط تفكيريّ يدمج تعليم المهارة بشكلٍ مُباشر، مع محتوى الدرس في المنظّم البيانيّ.
4. التفكير في التفكير: انخراط الطلبة في نشاط تأمّليّ (وراء معرفيّ)، يقومون فيه بتأمّل تفكيرهم، في خطوة التفكير النشط (الأسئلة الواردة في المنظّم البيانيّ، أو التي يمكن أن يطرحها عليهم المعلّم).
5. تطبيق التفكير: يمارس الطلبة أنشطة تفكير جديدة تستهدف نقل آثار تعلّمهم لمهارة التفكير محلّ التعليم، وتوسيع تطبيقاتها إلى مواقف جديدة لم يسبِق معرفتها منْ قبل.
6. تقويم التفكير: يوجَّه الطلبة للقيام بأنشطة فرديّة، تستهدف تقويم أدائهم لمهارة التفكير محلّ التعليم.
سادسًا: استراتيجيّات دمج مهارات التفكير في المنهج الدراسيّ
مختبر دمج التفكير Thinking Integration Lab
يقسّم المعلّمون إلى مجموعات، وتحوّل الاستراتيجيّات الثمان إلى محطّات تجريبيّة: كلّ محطّة عقبة ذهنيّة يجب على الفريق تجاوزها باستخدام استراتيجيّة واحدة فقط.
العقبة 1: الأسئلة السابرة .Socratic Questioning
التحدّي: أعطِ كلّ مجموعة جملة مثل:
"طلبة المرحلة الإعداديّة غير مهتمّين بالتعلّم".
المطلوب: العبوا لعبة "لا تعطِ إجابة، بل اسأل سؤالًا" .
كلّ عضو يجب أن يطرح سؤالًا سببيًّا أعمق من سؤال العضو قبله، ومن يتّجه إلى إعطاء جواب يخسر الدور.
العقبة 2: التفكير الناقد .Critical Thinking
التحدّي: قدّم إليهم إعلانًا قصيرًا (صورة أو جملة دعائيّة).
المطلوب: تحليل الإعلان وفق ثلاثة عناصر: الادّعاءات؛ الأدلّة؛ والتحيّز.
العقبة 3: خرائط التفكير .Thinking Maps
التحدّي: وزّع موضوعًا، مثل: أسباب عزوف الطلبة عن القراءة.
المطلوب: أن تنشئ كلّ مجموعة خريطة تفكير مناسبة (حلقيّة، شجريّة، مقارنة، علّيّة).
يجب أن يختار الفريق الخريطة الأكثر ملاءمة للمهمّة، من دون إخبارهم أيّها الأفضل.
العقبة 4: الاستقصاء .Inquiry-Based Learning
التحدّي: اعرض عليهم صورة غامضة، أو حادثة مدرسيّة غير مكتملة.
المطلوب: صياغة: سؤال استقصاء رئيسيّ، وستّ فرضيّات، وخطة قصير لجمع البيانات.
العقبة 5: التفكير الإبداعيّ Creative Thinking
التحدّي: أعطِهم غرضًا عاديًا (كأس ورقيّ، ملعقة، عصا آيس كريم).
المطلوب: اكتشاف عشرة استخدامات تعليميّة غير تقليديّة له في الحصّة.
مثال: الملعقة → عرض الانعكاس الضوئيّ، نشاط تصنيف الموادّ، لعبة قرار…
العقبة 6: ما وراء المعرفة Metacognition
التحدّي: اطلب إليهم حلّ لغز بسيط (لغز كلمات أو متاهة).
المطلوب بعد الحلّ: كتابة "يوميّات تفكير" قصيرة:
• كيف خطّطت؟
• ما الخطأ الذي أدركته أثناء الحلّ؟
• كيف غيّرت استراتيجيّتك؟
• ماذا ستفعل لو أعيد اللغز؟
العقبة 7: STEM / STEAM
التحدّي: قدّم إليهم مجموعة موادّ بسيطة: قشّات؛ خيط؛ شريط لاصق؛ ورق.
المطلوب: بناء جسر يحمل وزنًا في خمس دقائق.
يُضيف أحدهم "عنصر الفن (A) بتصميم بصريّ جميل.
العقبة 8: التعلّم التعاونيّ الموجّه للتفكير
التحدّي: قدّم إليهم مهمّة قصيرة، مثل: تحليل موقف صفّيّ.
المطلوب: أن يعملوا بطريقة هيكليّة مثل:
• "فكّر– زاوج – شارك".
• أو "رؤوس مرقّمة".
يؤكِّد ما عُرض في هذه المقالة أنَّ دمج مهارات التفكير في المنهج الدراسيّ لم يعد خيارًا تربويًّا تكميليًّا، بل ضرورةً ملحّة لإعداد المتعلّمين لمرحلة ما بعد المدرسة، حيث تتراجع قيمة المعرفة المجزّأة لصالح القدرة على التفكير، والتعلّم المستمرّ، واتّخاذ القرار في مواقف متغيّرة ومعقّدة. الصفّ الدراسيّ، حين يُدار بعين مستقبليّة، يتحوّل من مساحة لنقل المحتوى إلى بيئة تدريب ذهنيّ تُنمّي لدى المتعلّم مهارات التحليل والنقد والإبداع وما وراء المعرفة، وهي مهارات تشكّل رأس المال الحقيقيّ للمتعلّم، في حياته الجامعيّة والمهنيّة والاجتماعيّة.
كما تُظهر النماذج والأنشطة المقترحة أنّ دمج التفكير لا يتطلّب مناهج جديدة بقدر ما يتطلّب تحوّلًا في الممارسة الصفّيّة، حيث يصبح المعلّم مصمّم خبرات تعلّم، ويغدو الطالب فاعلًا في بناء المعنى، لا متلقّيًا سلبيًّا.
سابعًا: التوصيات
في ضوء ما سبق، توصي المقالة بما يأتي:
1. إعادة توجيه التخطيط الصفّيّ: ليُبنى على مهارات التفكير المستهدفة بوضوح، بحيث لا تُدرَّس المهارة عرضًا، بل تُقصد وتُسمّى وتُمارَس وتُقوَّم.
2. تمكين المعلّمين مهنيًا: ببرامج تدريبيّة تطبيقية تركّز على دمج التفكير داخل الدرس اليوميّ، لا في أنشطة منفصلة أو إثرائيّة فقط.
3. مواءمة التقويم مع التفكير: بأدوات تقويم أدائيّة (مهام، مشاريع، ومواقف مشكّلة) تقيس كيفيّة تفكير المتعلّم، لا مقدار حفظه.
4. تصميم بيئات صفّيّة محفّزة للتفكير المستقبليّ: تسمح بالخطأ، والتجريب، والحوار، والتساؤل، بوصفها عناصر أساسيّة في تعلّم ما بعد المدرسة.
5. تعزيز مهارات ما وراء المعرفة، بوصفها جسرًا بين التعلّم المدرسيّ، والتعلّم الذاتيّ المستمرّ، الذي سيحتاج إليه المتعلّم في التعليم العالي وسوق العمل.
6. ربط مهارات التفكير بسياقات الحياة الواقعيّة والمشكلات المجتمعيّة: حتّى يدرك المتعلّم قيمة ما يتعلّمه خارج أسوار المدرسة.
7. تبنّي المدرسة ثقافة التفكير: ممارسةً مؤسّسيّة شاملة، لا جهدًا فرديًّا، بحيث تتكامل الأدوار بين المنهج والمعلّم، والقيادة المدرسيّة.



