التربية المُفتقدة.. التربية على صناعة القرار وحلّ المشكلات
التربية المُفتقدة.. التربية على صناعة القرار وحلّ المشكلات
Sun, 26 Apr 2026 - 14:16
عبد الله ناصر الرسمي | مشرف تربويّ، وباحث في المدرسة المجتمعيّة والقيادة التربويّة- اليمن

هدف التربية والتعليم الأسمى إعداد الإنسان إعدادًا متكاملًا، روحيًّا وفكريًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا وعلميًّا واقتصاديًّا وحتّى أمنيًّا. ومن ذلك الإعداد على إدارة الذات والوقت والأزمات، وحلّ المشكلات وصناعة القرار في المواقف التي تواجهه في حياته. أن نربّي التلميذ على أن يدير ويقود نفسه بنفسه، وأن يتحكّم فيها ويهذّبها. وأن يُدرك أنّ الحياة رحلة قلّما يُصادف فيها الإنسان أرضًا مستوية، فهو إمّا في صعود وهبوط، أو نجاح وفشل. وعليه أن يعدّ ذاته للاستمتاع بالصعود والنجاح، والاستفادة منهما. ولمواجهة الصعاب والفشل، والصبر والمحاولة لتجاوزهما، والتمييز والاختيار واتّخاذ القرار.

يتساءل الكثير اليوم، وأنا واحد منهم، لماذا لا يربط التعليم الطلبة بالمجتمع وبالمشكلات والتحدّيات؟ ولماذا تتوقّف المدارس عند تلقين الطلّاب المعلومات، وحفظ النصوص، والجدول الدوريّ، والرموز الكيميائيّة، والقوانين الفيزيائيّة، ولا تعلّمهم وتدرّبهم كيف يتعاملون مع الأزمات والمشكلات؟
يقضي الطالب في المدرسة 12 سنة، و4 سنوات في الجامعة، 16 سنة يدرس خلالها كمًا هائلًا من المقرّرات والمعلومات. ولم يكن هناك ما يتعلّمه، وما يجعله يفكّر ويقرّر في المواقف المختلفة، وكيف يواجه التحدّيات ليعيش حياة كريمة. أليس من الأهمّيّة أن يتعلّم كيف يعتني المرء بنفسه ويديرها ويهذّبها، ويقود نفسه بنفسه؟ كيف يبني الأسرة، كيف يواجه التحدّيات، كيف يحلّ المشكلات، كيف يتّخذ القرارات المناسبة في مواقف الحياة وتعثّراتها؟
تؤكّد ذلك الكاتبة التربويّة هبة عبد الجواد فتقول: ما معنى أن تقضي سنوات طويلة من عمرك تحفظ نظريّات عن الذرّة والجزيئات وتكوين الخليّة والجدول الدوريّ، وأسماء ملوك التاريخ القديم وصفاتهم، لاستدعائها في ورقة الامتحان، ثمّ تنتهي علاقتك بها بعد تسليم الورقة؟ وفي المقابل لا تحصل على الكفاءات، والملكات التي تحتاج إليها في حياتك: كيف تعدّ ميزانيّتك؟ كيف تتّخذ قرارًا صحيحًا؟ كيف تحلّ المشكلات؟ كيف تواجه الأزمات؟ كيف تبني العلاقات؟ كيف تواجه فقد عزيز؟ 
وما زاد الطين بلّة، أنّ العصر الحديث، عصر تكنولوجيّ مادّيّ بامتياز، وقع فيه إهمال للجانب الإنسانيّ، وأصبح الإنسان يتعامل مع المهارات والمعارف بشكل مادّيّ بحت بحسب ما يتطلّبه سوق العمل فقط. وربّما زيادة الأمراض النفسيّة في الآونة الأخيرة دليل على ذلك.

وما دام تكوين الأجيال يتمّ في مناهج تربويّة لا تراعي التربية الشاملة، فلا عجب أن ينشأ جيل عنده قصور في تكوينه، ينعكس على فهمه للواقع، لعدم امتلاكه أدوات النظر الصحيح. وهذا بدوره ينعكس على ضعف أدائهم في صناعة الوعي الصحيح والقراءة، وحلّ المشكلات واتّخاذ القرارات؛ فالكثير منّا اليوم غير قادر على التعامل مع أبسط المشكلات التي تواجهه في حياته، نتيجة تجاهل مهارات تنمية التفكير وحلّ المشكلات، التي تسهم في توسّع مدارك الطلّاب، وتنمية مهاراتهم وقدراتهم، لاتّخاذ القرارات المناسبة.

 

وبنظرة سريعة إلى واقع الكثير من الجيل المعاصر، نجد أنّ حياة الواحد منهم تتحوّل في سنّ مبكّرة إلى مجموعة مشكلات، يصبح التخلّص منها ضربًا من المستحيل. مثلًا بعد أن يُنهي الثانويّة العامّة، يصير مُشتتًا في اختيار القسم والتخصّص الجامعيّ، أو مجبرًا على اختيار مستقبله على شكل تخصّص جامعيّ قد يتحوّل بعد سنوات إلى وظيفة تُرافقُه أبد الدهر، والتي قد لا يجدها في كثير من الأحيان. وفي اللحظة الّتي يقرّر فيها البحث عن حلول للمشكلة التي تواجهه، أو يحاول أن يقول إنّه كان مشتتًا، ولم ينتبه لتبعات اختياره، فلن يسمعه أحد وسيكون مجبرًا على معاناة طويلة وضياع كبير. سيكون في معمعة يؤمن النّاس أنّه السبب الوحيد لها، ولا سبب سواه.
اليوم لو فكّر المرء أن يدلي برأيه في مجلس اجتماعيّ أو منتدى ثقافيّ، فسيكون جزاؤه غالبًا الإهمال. أمّا لو قرر المشاركة في قرار المؤسّسة التي ينتمي إليها، أو الوظيفة التي يعمل فيها، فلا يمكن السماح له. وإن أمكن، فإنّ دون ذلك سنوات تُراق وعمر يضيع، ومن وراء ذلك أموالٌ وأموال. وهذا ما جعل الكثير ينتظر حلولًا سهلة ومبسّطة لمشاكل معقّدة، ولا يكلّف نفسه عناء البحث، فإذا ما اجتهد المفكّر في إيجاد إجابة منطقيّة اِتُّهم بالجهل، ناهيك عن تكفيره. 
وأعمق من موضوع اختيار التخصّص الجامعيّ، قد يجد المرء نفسه في أسرة مع زوجة وأولاد: ربًّا ومُعيلًا وصاحبًا. ثمّ إذا انقضت بضع سنين على زواجه، قد تأتي بعض المشاكل الحياتيّة. والمشكلة هنا أنّ الكثير لا يستطيع حلّها والتعامل معها، ولو قرّر تركها تتراكم، لسبب أو لآخر، سيكون قرار التراكم مدمّرًا مهما رُتّب له.
كثير من أولئك الذين رقصوا قبل سنوات في العرس، وزغردت زوجاتهم، قد لا يدركون معنى أن يكون الإنسان مسؤولًا عن أسرة، وعن ما صنع وقرّر. وقد ينظرون إلى الواقع الخارجيّ نظرة سطحيّة على شكل بيت مغلق على قطع من اللحم الغضّ، والعيش الرغيد، ولا يدركون أنّ الحياة مسؤوليّة، ومشكلات وقرارات، ونجاح وفشل وصعوبات وحلول، عقلًا ومضمونًا وعاطفة. وبعدم إدراك ذلك، أو عدم القدرة على فعل ذلك، تتضرّر الأسرة، وتخرب أشياء وأشياء، بين أيادي العاجزين عن حلّ المشكلات الذين لم يدرسوا، ولم يدركوا أنّ الأمس ليس اليوم، كما أنّ اليوم ليس غدًا.

وبعيدًا عن العمق، قريبًا من التسطيح، كثيرًا ما يعجز عدد كبير من أفراد الجيل عن تغيير أمور أبسط من المثالين السابقين؛ لا يقدر واحدهم على أن يختار، أو يغيّر بسهولة علاقاته مع الآخرين، أو نمط ملابسه، أو مدرسة أطفاله أو طبيبهم، أو قناته التلفزيونيّة، وحتّى المواقع المفضّلة في مواقعِ التواصل الاجتماعيّ لا يمكن أن تكون مختلفة؛ إنّها محدودة بمحدوديّته، وبسيطة ببساطته، وملؤها ابتسامات مقهورة في عالم يخشى التغيير، ولا يستطيع التفكير والتجديد والإصلاح. 
لهذا نحن بحاجة إلى التعليم، لتبصيرنا، وليس إلى تدجين العقل باسم الدين والتعليم، وقتل التفكير، وتكريس الغباء، وترك الإنسان في حيرة وقلق بشأن الحياة، إذ تأتي إجاباته مكرّرة سطحيّة لا تلبّي حاجته، ولا تأتي بالحلول.
يقول باولو فريري في كتابه (تعليم المقهورين): "إنّ التعليم الذي يعالج المشكلات قادر على حلّ التناقضات التي تحول دون تحقيق الحريّة، ففي هذا النوع من التعليم ينفي وجود مدرّس الطالب، وطالب المدرّس، ويحلّ مكان هذه العلاقة علاقة أخرى جديدة هي علاقة المدرس والطالب معًا في حلّ المشكلات". 
تضع تربية حلّ المشكلات الطالب في موقف حقيقيّ، يعمل فيه عقله بهدف الوصول إلى حالة اتّزان معرفيّ، حيث تعدّ حالة الاتّزان المعرفيّ هذه حالة دافعيّة، يسعى الطالب لتحقيقها، وتكتمل هذه الحالة عند وصوله إلى إجابة أو اكتشاف. حالة الدافعيّة عند الطالب تعمل على استمرار نشاطه الذهنيّ، حتّى يصل إلى الهدف، وهو الفهم أو الحلّ، أو الخلاص من التوتّر، وذلك بإكمال المعرفة الناقصة لديه في ما يتعلَّق بالمشكلة.

 

ومن الأساليب التربويّة المقترحة لتطبيق التربية على حلّ المشكلات واتّخاذ القرارات:
•    تفعيل دور الطالب في عمليّة التعلّم وتفعيل أساليب البحث والتجربة، والوصول بنفسه إلى النتائج. وتفعيل التعلّم التعاونيّ، من خلال المجموعات التعاونيّة التي تعدّ الطالب للتعامل مع المتغيّرات الإيجابيّة والسلبيّة، فيستثمر الأولى ويستفيد منها، ويواجه الثانية ليصل إلى القرارات والحلول المناسبة. وهو ما جعل عدّة دول تتبنّى تربية حلّ المشكلات تربويًّا فيها، وقامت مدارسها وجامعاتها بتصميم برامج عمليّة لتدريب الطلّاب على توظيفه في دراستهم وحياتهم .

•    القدوة، قدوة الأب والأمّ والمعلّم، أمام الطفل أو الطالب في القدرة على حسم القرار، فكلّما كان للأبوين، وللمعلّمين شخصيّة، وممارسة وتطبيق وقدرة على اتّخاذ القرار، كان لذلك أثره الإيجابيّ في الأطفال والطلّاب .

•    كذلك من الأساليب التي ينبغي على الآباء والأمّهات والمدارس تطبيقها الممارسة العمليّة، بترك الأبناء والطلبة يحلّون مشاكلهم بأنفسهم واتّخاذ القرار الذي يرونه مناسبًا. ومن الخطأ هنا قيام الأب والأمّ أو المعلّم دائمًا بحلّ أيّ مشكلة تواجه أبناءهم، واتّخاذ القرار نيابة عنهم، مع اعتقادهم التام بأنّهم يساعدونهم. وهذا تصرّف خطأ، لأنّ الابن أو البنت أو الطالب بذلك لا يأخذ فرصته في التفكير وإبداء الرأي، حتّى لو كان غير صحيح. لذلك يجب تركهم يفكّرون، ويقرّرون في حلّ المشكلة، وصناعة القرار، ومن الممكن التدخّل بتوجيه بسيط للمساعدة، وتمكينه في أساسيّات اتّخاذ القرار وحلّ المشكلات، وإعطائه مساحة للاختيار حتّى في اختيار أبسط أموره كنوع النشاط الذي يرغب فيه.

•    إصلاح المحتوى التعليميّ إصلاحًا حقيقيًّا، وليس إضافة بعض القشور، أو المهارات الشكليّة. يجب أن يكون المحتوى من أجل تنمية شخصيّة الطالب من كلّ الجوانب، وتمكينه من المعارف، والمهارات والقيم، التي تمكّنه من العيش الكريم والحريّة والتفكير وعدم اليأس والاستسلام، والتمييز بين الحقّ والباطل وبين الصواب والخطأ. وأن تتضمّن الجوانب الأخلاقيّة والاجتماعيّة والعاطفيّة، فأيّ محتوى تعليميّ خال من القيم والمبادئ العامّة، هو معرفة مبتورة، لأنّها لا تمكّن الإنسان من التمييز بين الصواب والأصوب، والخطأ والأكثر خطًأً، وأن تكون من داخل المنظومة التربويّة، وليس من خارجها، وأن تُدمَج بشكل حقيقيّ وليس شكليًّا، وتأهيل البيئة التربويّة لاستقبالها وتطبيقها.