الهروب من المواجهة التربويّة: بين رغبةٍ في الحنان وخوفٍ من الصدام...
الهروب من المواجهة التربويّة: بين رغبةٍ في الحنان وخوفٍ من الصدام...
Sun, 12 Apr 2026 - 10:46
سمير عبد الله | مختصّ في مجال علم الاجتماع وخبير في مجال الطفولة و الأسرة - تونس

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، يجد الكثير من الآباء أنفسهم أمام معادلة صعبة: كيف يوازنون بين متطلّبات العمل، وضغوط الحياة، ومسؤوليّة التربية؟
كثيرون يختارون الطريق الأسهل، الهروب من المواجهة التربويّة، تحت شعارات  تبدو في ظاهرها نبيلة، مثل "لا أريد أن أزعجه"، أو "ليتفرّغ لدراسته".
لكن، خلف هذا "الهدوء الظاهريّ" يختبئ صمت تربويّ خطير يُهدّد بنشوء جيل هشّ، يفتقر إلى الإرادة والمبادرة وتحمل المسؤوليّة.


حين يتحوّل الحبّ إلى تواطؤ تربويّ

يقول عالم النفس إيريك إريكسون إنّ تجنّب المواجهة يحرم الطفل من تكوين "الإرادة والإصرار"، وهما ركيزتان أساسيّتان في بناء الشخصيّة المستقلّة. أمّا الطبيب النفسيّ هايم جينوت فيحذّر قائلًا: "الأطفال بحاجة إلى حدود واضحة تمنحهم الأمان، لا إلى صمت يربكهم". من جهتها تؤكّد ماريا مونتيسوري أنّ "المساعدة غير الضروريّة أكبر عائق أمام نموّ الطفل"؛ فحين يتجنّب الأهل التوجيه بحجّة الحبّ، فإنّهم في الحقيقة يسلبون أبناءهم فرصة التعلّم من الخطأ وتحمل التبعات.
ومن زاوية اجتماعيّة، يرى إميل دوركايم أنّ تفادي المواجهة داخل الأسرة يُغذّي ما يُعرف بـ"اللا- معياريّة"؛ أي فقدان المعايير التي تحدّد الصواب والخطأ.
ويضيف بيير بورديو أنّ الأسرة التي لا تواجه، تفشل في نقل "رأس المال الثقافيّ" المتمثّل في القيم والمسؤوليّة والتعاون، ما ينتج أفرادًا غير مؤهّلين للاندماج في المجتمع.


لماذا نهرب؟

الهروب من المواجهة لا يأتي من فراغ. 

فبين إرهاق يوميّ يرهق الأعصاب، وخوف من فقدان الحبّ، وشعور بالذنب بسبب الانشغال، وضغوط عمل لا تنتهي، يجد الأهل أنفسهم في حالة إنهاك تجعلهم يختارون السكون بدل النقاش، والتنازل بدل التربية.
الثمن الباهظ للهروب
النتائج لا تتأخّر في الظهور:
•    شخصيّات أنانيّة تفتقد روح التعاون.
•    أبناء غير قادرين على مواجهة صعوبات الحياة.
•    والدان يزدادان إنهاكًا كلّما كبُر الأبناء.
•    روابط أسريّة هشّة يغيب عنها الحوار والمشاركة.
تتحوّل الأسرة مع الوقت إلى فضاءٍ من "التعايش الصامت" بدلًا من "التفاعل البنّاء"، فينمو الأبناء من دون بوصلة واضحة أو شعورٍ بالمسؤوليّة.


من الهروب إلى المواجهة البناءة

المواجهة التربويّة ليست صدامًا، بل حوارًا مسؤولًا يقوم على الصراحة والاحترام.
الخبراء يوصون بـ:
•    التحدّث بوضوح وبأسلوب يناسب عمر الطفل.
•    توزيع المسؤوليّات تدريجيًا داخل البيت.
•    تقديم القدوة الحيّة في الالتزام والانضباط.
•    تثمين المحاولات وتشجيع الإنجازات الصغيرة.
فالمواجهة ليست عنفًا، بل تربية بالحبّ الواعي، حيث تُزرع الثقة ويُبنى الوعي.


الخلاصة: التربية مسؤوليّة لا يمكن تأجيلها

الهروب من المواجهة ليس حلًّا، بل تأجيل لأزمة قادمة. والأسرة التي تمتلك شجاعة المواجهة تُخرج جيلًا واثقًا من نفسه، قادرًا على التفكير والمبادرة وتحمّل المسؤوليّة. أمّا تلك التي تكتفي بالسكوت تحت ستار الحبّ، فإنّها تُسلّم أبناءها إلى فراغ تربويّ لا يرحم.
الحبّ الحقيقيّ لا يعني الغياب عن المواجهة، بل الحضور فيها.. بحكمة ودف ومسؤوليّة.