نحو تخطيط هادف ينبض بالمرونة
نحو تخطيط هادف ينبض بالمرونة
روزان علي علو | معلّمة صفّ روضة ثالثة في الأكاديميّة العربيّة الدوليّة - سوريّا/قطر

يعدّ التخطيط الدراسيّ، كما اعتدنا عليه، بمثابة خارطة طريق ترسم لنا المسار وتحدّد الأهداف، موجّهة رحلتنا التعليميّة نحو النجاح. وشخصيًّا، أرى التخطيط شبيهًا بعمل ربَّان السفينة الذي لا يبحر في رحلته من دون دراسة دقيقة للظروف المحيطة، مثل أحوال الطقس، وحالة البحر، والطريق الذي سيسلكه، والعوائق الممكنة، وذلك لضمان الوصول بأمان إلى وجهته. وفي هذا السياق، فإنّ التخطيط يمدّ العمليّة التعليميّة بالتنظيم والاستمرار والرؤية الشاملة للأمور.

طوال رحلتي في المساق الأوّل في أكاديميّة الملكة رانيا، لاحظت أيضًا الدور الكبير الذي يؤدّيه التخطيط في العمليّة التعليميّة، وأثره الكبير في المعلّم والمتعلّم على حدّ سواء، من حيث التوظيف المناسب والهادف والمدروس لمكوّنات الموقف التعليميّ، وتوجيه المعلّم بشكل واضح في رحلته التعليميّة، إضافة إلى ما يتيحه للطلّاب من فرصة لرؤية الهدف المتوقّع.

للتخطيط أيضًا دور مهمّ في رصد وتيرة تطوّر الطلبة، وتمكين المعلّم من اختيار الاستراتيجيّات والأنشطة التعليميّة المناسبة، وتنفيذها بشكل منظّم لتحسين أدائهم. لذلك، سأتناول في هذا المقال عدّة محاور حول التخطيط أثارت اهتمامي، وأرغب في تسليط الضوء عليها.

 

التخطيط تعريفًا

للتخطيط عدّة تعريفات، فقد عرّف داود حلّس أبو شقير التخطيط في كتابه "مهارات التدريس" (2010)، بأنّه "تصوّر مسبق للموقف التعليميّ بإجراءاته المختلفة، والتي يجب أن يخطّط لها المعلّم وينفّذها في فترة زمنيّة محدّدة".

كما عرّفه حسن شحاتة في "معجم المصطلحات التربويّة والنفسيّة" بقوله:

"يعَدّ التخطيط تصوّرًا عقليًّا وإعدادًا نفسيًّا للمواقف التدريسيّة التي يتمّ الحاجة لها في قاعة الدرس في فترة زمنيّة محدّدة، ولمستوى تعليميّ محدّد، بقصد تحقيق أهداف تعليميّة بطريقة منظّمة هادفة، عن طريق اختيار خبرات وأنشطة وإجراءات ووسائل تعليميّة، وأسئلة تنشيطيّة وتقويميّة مناسبة " (شحاتة، 2003).  

 

أمّا من وجهة نظري، وبعد اطّلاعي على معايير المعلّمين في أكاديميّة الملكة رانيا، فأرى أنّ التخطيط تحضير نفسيّ وعمليّ مسبق لكلّ من المعلّم والطالب، يشمل اختيار الاستراتيجيّات التعليميّة ومصادر التعلّم، بالإضافة إلى إعداد بيئة الصفّ، وتوظيف ما سبق بطريقة هادفة تلبّي احتياجات المتعلّم واهتماماته.

وأتّفق مع حسن شحاتة في جزء من تعريفه، وهو الإعداد النفسيّ للموقف التعليميّ، والتصوّر المسبق لمسار العمليّة التعليميّة. فهذه النقطة أعدّها أساسيّة في عملي، لأنّها تمنحني نقطة انطلاق واضحة، وخطوطًا عريضة، وإطارًا عامًّا أستند إليه في رحلتي التعليميّة.

أمّا فكرة ضبط الوقت الزمنيّ في التعريف، فلا تبدو دقيقة بالنسبة إليّ. فبحسب خبرتي معلّمةَ رياض أطفال، لا يبدو منطقيًّا تقييد المعلّمة بوقت محدّد أثناء التخطيط. فكثيرًا ما أضطرّ إلى تعليق سير الخطّة للتوقّف عند لحظات مهمّة بين الأطفال تحمل قيمة تربويّة، وتتيح لهم فرصة تعلّم حقيقيّ لا يمكن تجاوزها.

 

موقف المعلّمين من التخطيط

أمّا عن موقف المعلّمين من التخطيط، فقد انقسموا إلى فئات ثلاث. فهناك من يرى أنّ التخطيط في الآونة الأخيرة أصبح عبئًا إضافيًّا على المعلّم، ويعتقدون أنّ التعلّم يجب أن يكون مفتوحًا ومرنًا وعفويًّا، متماشيًا مع اهتمامات الطلبة واحتياجاتهم، من دون التقيّد بخطّة درسيّة قد يصعب تعديلها. ويرون أنّ الالتزام الحرفيّ بالخطّة يحدّ من قدرتهم على مواكبة تطوّر أسئلة الطلبة واهتماماتهم.

وفي المقابل، يرى فريق آخر أنّه بحاجة ماسّة إلى خطط درسيّة جاهزة ومحكمة، ويعتقد أنّ غياب التخطيط قد يؤدّي إلى حالة من الفوضى والضياع للمعلّم والطالب على حدّ سواء.

أمّا الفئة الثالثة من المعلّمين، وهي الفئة التي أنتمي إليها، فتؤمن بالمرونة في التخطيط، وعدم الالتزام بهياكل ثابتة غير قابلة للتعديل، وهنا نعود إلى وثيقة برنامج البكالوريا الدوليّة. وبما أنّني أعمل في مدرسة تعتمد نهج برنامج السنوات الابتدائيّة، نجد في الوثيقة التوجيه الآتي: "ابتعد عن الهياكل والروتينات الزمنيّة المحدّدة مسبقًا، واتّجه نحو الأطر الزمنيّة والروتينات المتجاوبة مع احتياجات الطلبة".

 

أنا، فعليًّا، بحاجة إلى خطّة توجّهني وتنظّم عملي، فقد جرّبت دخول الصفّ من دون خطّة، لكنّ ذلك أثّر بشكل مباشر في جودة العمليّة التعليميّة، إذ فقد الطلبة تركيزهم في أكثر من محطّة أثناء الحصّة، الأمر الذي جعلني أشعر بالارتباك وحالة من التشتّت والضياع.

ومع ذلك، أعود إلى نقطة المرونة: المرونة التي لا تقيّد المعلّم بتفاصيل صارمة قد تحدّ من دوره، وتحدّ من إبداع الطلبة. فالالتزام الشديد بالخطط، والتخطيط الروتينيّ الدقيق الذي يرسم ملامح الحصّة مسبقًا، يخلق نوعًا من الملل والركود.

ونشير هنا إلى أحد أكبر التحدّيات التي يواجهها المعلّمون في التخطيط، وهو الإسهاب في ذكر التفاصيل التي ترهقه وتستنزف طاقته، مثل تحديد الوقت بدقّة، وصياغة مقدّمات جاهزة، وحتّى كتابة الحوارات التي تفرض في كثير من الخطط بطريقة مقيّدة.

هذا الأمر يسبّب ضغطًا نفسيًّا كبيرًا للمعلّم، إذ نراه يتخوّف من أيّ سؤال قد يطرحه الطفل أثناء الحصّة، خشية أن يحدث خلل في توزيع الوقت المخصّص للمقدّمة أو الأنشطة أو التقويم الختاميّ. وهذا تحدٍّ آخر: فالتقيّد الحرفيّ بالخطّة يجعل المعلّم عاجزًا عن مواكبة فضول الطلبة وتساؤلاتهم، خصوصًا عندما تكون أسئلتهم خارج المنهج الدراسيّ.

 

المرونة في التخطيط بمثابة المفتاح

ومن الحلول التي نقترحها للتحدّي الأوّل، تقليص الخطّة واقتصارها على وضع الأطر العامّة التي توجّه سير الحصّة، من دون إرهاق المعلّم بالتفاصيل. ومن خبرتي في مدرستي الأخيرة، زُوّدنا بخطّة تقتصر على تحديد المعيار والأهداف والتهيئة بشكل موجز، ثمّ تحديد الأنشطة التعليميّة التي تُظهر التمايز والفروق الفرديّة، إضافة إلى أسماء الاستراتيجيّات فقط. وكلّ ما سبق يُذكر بصورة موجزة، بعيدًا عن الشرح التفصيليّ الذي يستنزف طاقة المعلّم.

أمّا في ما يخصّ التحدّي الآخر، وهو أخذ اهتمامات الطلبة بعين الاعتبار، فقد تبنّينا ممارسة جميلة، تتمثّل في تخصيص يوم أسبوعيّ يكون مفتوحًا بناءً على اهتمامات الطلبة، بحيث يكون المعلّم حرًّا في تصميم حصّته. فعلى سبيل المثال، إذا لاحظت اهتمام الأطفال بموضوع معيّن على مدار الأسبوع، أبدأ بالتخطيط لهذه الحصّة بطريقة منظّمة، فأدوّن أسئلتهم ونقاشاتهم واحتياجاتهم، وأخطّط للدرس مع الحرص على تضمين المعايير الأكاديميّة.

 

سنلاحظ هنا كيف يمكن للتخطيط المرن أن يؤدّي دورًا مهمًّا في تحسين العمليّة التعليميّة وتطويرها، إذا ما نُفّذ بشكل منظّم ومبنيّ على معايير المنهج. فالتخطيط الجيّد يساعد في الربط بين أهداف العمليّة التعليميّة واحتياجات الطلبة، ويضمن التدرّج خلال رحلة التعلّم والتسلسل المناسب بين الدروس، إضافة إلى تجنّب هدر الوقت والجهد الناتج عن غياب التخطيط.

وينعكس ذلك أيضًا على المعلّم، فالتخطيط المرن يساعده في ضبط عناصر العمليّة التعليميّة، ويلهمه دائمًا في تحسين خططه بالتأمّل فيها، ويعزّز قدرته على تحقيق أهدافه التعليميّة. وكما ذكر ذوقان (2007): "لا يتحقّق هذا الهدف إلّا من خلال توفير جميع متطلّبات التدريس، كتصميم الموقف التعليميّ والتدرّب على أدائه ذهنيًّا". وهذا ما يؤكّد الأثر الإيجابيّ للتخطيط في المعلّم، ودوره في تعزيز ثقته بنفسه وتحسين مهاراته التدريسيّة.

ولا يقلّ أثر التخطيط في الطالب أهمّيّة عن أثره في المعلّم، فالطالب الذي يمتلك تصوّرًا مسبقًا عن المفاهيم والأهداف التي سيتعرّض إليها، سيكون لديه توجّه منظّم يساعده في التركيز، وبالتالي التفاعل داخل الحصّة. أمّا التخطيط المرن الذي يظهر فيه صوت الطالب، فسوف يحفّزه على التعلّم، ويشعره بأهمّيّته وبأنّه محور العمليّة التعليميّة.

 

هل التخطيط المرن عمليّ؟

سأقدّم هنا ممارسة واضحة يظهر فيها أثر التخطيط المرن كما اختبرته في الصفّ. ففي إحدى حصص الوحدة البحثيّة كنت قد خطّطت للدرس انطلاقًا من قصّة السمكة الملوّنة، بهدف تعزيز قيمة المشاركة بين الأصدقاء، بالتزامن مع وحدة "من نحن؟" التي تتمحور حول الصداقة بأبعادها الاجتماعيّة والوجدانيّة. كما شملت الخطّة التطرّق إلى صوت حرف السين من كلمة "سمكة"، والتعرّف إلى شكليه، وقراءة بعض المفردات البسيطة وكتابتها. وأثناء الحصّة لاحظت تغيّرًا في اهتمام الأطفال، إذ بدؤوا يتوجّهون بأسئلتهم نحو منحى آخر: هل هناك أسماك ملوّنة فعلًا؟ أين تعيش؟ كيف نعتني بها؟ وهل يمكن أن نحضر سمكة إلى الصفّ؟ وبدلًا من تجاهل هذا الاهتمام أو الخروج عن أهداف الحصّة الأصليّة، مارست التخطيط المرن في حصّة الأنشطة التعزيزيّة، ووسّعت التعلّم باستخدام مجموعة من الأنشطة التي استجابت لفضول الأطفال، وارتبطت في الوقت ذاته بأهداف الدرس. أحضرت لهم أسماكًا حقيقيّة ملوّنة إلى الصفّ، فراقبناها واعتنينا بها، وشاهدنا فيديوهات توضّح أنواعها وأشكالها، وتحدّثنا حول قيمة المشاركة، وسبب عدم مشاركة السمكة أصدقاءها، وما يترتّب على ذلك من عواقب، إضافة إلى التعبير عن مشاعرنا عندما لا يشاركنا أحد. كما ثبّتّ في الصفّ أركانًا لغويّة تحتوي على بطاقات مطابقة، وألعاب نتعلّم منها حرف السين وأشكاله وقراءة بعض المفردات والتمرّن على كتابتها. بهذا خلقت بيئة تعلّم غنيّة ومنفتحة على اهتمامات الأطفال، وتركّز في الوقت نفسه على الأهداف التي سبق أن خطّطت لها. وهنا يمكن ملاحظة القيم والمهارات التي تناولناها في الحصّة، مثل التفكير النقديّ، والتعلّم التفاعليّ، وتعزيز المهارات اللغويّة والقيم الإنسانيّة، وبهذا يتوافق التخطيط مع معايير المعلّمين كما وردت في الدبلوم المهنيّ في التعليم لأكاديميّة الملكة رانيا (2022).

 

***

في الختام، نرى أنّ التخطيط تدريب ذهنيّ وفكريّ مسبق للمعلّم والطالب، يهدف إلى تحقيق الأهداف التعليميّة وتهيئة بيئة تعلّم مناسبة، وأنّ نجاح العمليّة التعليميّة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتخطيط الجيّد. ناقشنا أهمّ التحدّيات التي نواجهها نحن المعلّمين في التخطيط، والتي تجعلنا نشعر أحيانًا بأنّه عبء إضافيّ، مثل تدوين التفاصيل الدقيقة التي تطلبها بعض إدارات المدارس، والالتزام الشديد بالخطّة. وقد اقترحنا حلولًا متوازنة ومرنة، مثل الخطط المختصرة التي تكتفي بالخطوط العريضة الموجّهة للمعلّم، مع الاحتفاظ بإمكانيّة مراعاة اهتمامات الطلبة، ومحاولة إشباع فضولهم.

فالتخطيط يمثّل الأساس والجوهر في المنظومة التعليميّة، ويأتي دورنا في صياغته وتنظيمه وتقويمه بطريقة مرنة، تضمن تحقيق الأهداف وتُظهر صوت الطالب. ومن جهتي، ستبقى الخطط جزءًا أساسيًّا من مسيرتي المهنيّة، وستكون خططًا متكاملة العناصر، وتشمل مختلف جوانب التعلّم، من حيث المصادر والموارد والاستراتيجيّات وغيرها، مع الحرص على تطويرها باستمرار، وتجنّب الخطط الثابتة غير القابلة للتعديل. سأحرص دائمًا على أن يكون صوت الطالب واضحًا في التخطيط، وأن تحظى مساحة المرونة بحيّز جيّد في رحلتي مع طلّابي.

كما سأحرص على التعاون مع زميلاتي في التخطيط، فنتبادل الأفكار ونُثري الخطط بهدف تحقيق أفضل النتائج، وخلق بيئة تعليميّة مرنة ومتكاملة، يكون الطالب فيها المحور.

 

المراجع

- منظّمة البكالوريا الدوليّة. وثيقة برنامج البكالوريا الدوليّة.

- حلّس، داود، وأبو شقير، محمّد. (2010). مهارات التدريس الفعّال. مكتبة اّفاق، الجامعة الإسلاميّة.

- شحاتة، حسن. (2003). معجم المصطلحات التربويّة والنفسيّة. الدار المصريّة.

- التومي، عبد الرحمان. (2008). منهجيّة التدريس وفق المقاربة بالكفايات، (لا دار نشر) المغرب.

- عبيدات، ذوقان. (2007). استراتيجيّات التدريس في القرن الحادي والعشرين. دار الفكر.