من شغف اللغة إلى التمكّن: مشروع رياديّ لتوليد متعلّم للغة العربيّة نابض بالحياة
من شغف اللغة إلى التمكّن: مشروع رياديّ لتوليد متعلّم للغة العربيّة نابض بالحياة
رينيه مزاهرة | مشرفة أكاديميّة في المدرسة المعمدانيّة/ المرحلة الابتدائيّة- الأردن

حين تتحوّل اللغة العربيّة من "مادّة دراسيّة" إلى "تجربة حيّة"، يتحرّك الشغف في قلب المتعلّم، فيقرأ بعين ناقدة، ويكتب بلغة واثقة، ويتحدّث بثقة وبيان. 

هذا جوهر المشروع التطويريّ الرياديّ الذي انطلق من الواقع التربويّ، وبحث في أعماق ممارسات المعلّمين واحتياجات الطلبة، ليرسم ملامح تجربة تعليميّة استثنائيّة، أُسِّست على بحث إجرائيّ تعاونيّ ميدانيّ. ولدت مبادرة التشبيك بين خمس مدارس في تجمّع تمام في الأردنّ سنة ٢٠١٩، وكان نتاجها مشروع اللغة العربيّة التطويريّ الذي أنتج سلاسل اللغة العربيّة الثلاث المترابطة: التخاطب والقراءة والكتابة، والتي صُمّمت لتكون أداة تعليم وتقييم فاعلة على مدار العام الدراسيّ. 

 

مبادرة تشبيك تربويّة بحروف عربيّة 

انطلاقًا من رؤية تمام: التطوير المستند إلى المدرسة في بناء قدرات المدارس، لتصميم مبادرات تطويريّة مستندة إلى المدرسة، جاءت مبادرة التشبيك بين خمس مدارس لتصميم مبادرات تطويريّة مستندة إلى المدرسة في الأردنّ، شملت مدارس المعمدانيّة، والعصريّة، والبيان، والبكالوريا، والأهليّة والمطران، لتكون مثالًا حيًّا على قوّة العمل التشاركيّ بين المدارس، وفاعليّة البحث الإجرائيّ في تطوير التعليم. وفي إطار سعي هذه المدارس للتطوّر، وبتوجيه وقيادة من فريق تمام الموجّه في دائرة التربية في الجامعة الأمريكيّة في بيروت، والاختصاصيّين في اللغة العربيّة للتدريب على تعليم نوعيّ فيها، جاء هذا المشروع الرياديّ بوصفه مبادرة تجديديّة قائمة على البحث الإجرائيّ التعاونيّ المباشر. جُمعت بيانات أداء الطلبة في مدارسهم، وحُلّلت الفجوات، وحُدّدت الاحتياجات، ثمّ وضعت الغاية التطويريّة المراد الوصول إليها بطريقة تشاركيّة، وهي "إيجاد متعلّم شغوف قادر على استخدام اللغة العربيّة شفاهة وكتابة، في سياقها الثقافيّ والحياتيّ". نتج عن تلك الغاية تأليف ثلاث سلاسل لغويّة وظيفيّة، تصف ملامح المتعلّم ومستوى مهاراته اللغويّة في القراءة والكتابة والتخاطب، حيث يمرّ متعلّم اللغة العربيّة في عشر مراحل أثناء اكتسابه لهذه اللغة: أوّلها يكون فيها جديدًا، يتعلّم حروف اللغة وأصواتها، وآخرها مرحلة يكون فيها متقنًا هذه اللغة، وقادرًا على التواصل بها بطلاقة شفاهة وكتابة، وقراءة نصوص أصيلة وفهمها. ثمّ يكتسب من المهارات ما يجعله مكتفيًا قادرًا على توظيف مهاراته في التواصل، إذ تؤهّله هذه المرحلة ليصل إلى مرحلة الطلاقة، فالإتقان اللغويّ.  

 

يؤمّن المشروع، بوصفه ملامح المتعلّم ومستوى كفاءته اللغويّة، وتقديمه نماذج معياريّة تمثّل المرحلة والمستوى اللغويّين، الأداة التي تساعد المعلّمين في تقويم أداء المتعلّمين ومعرفة المهارات التي اكتسبوها، وتلك التي تحتاج إلى تطوير. لذلك، لا بدّ من بيان أهمّيّة كلّ سلسلة على حدة، وكيف أسهمت في تطوير تعلّم اللغة العربيّة، ورفع مستوى الأداء اللغويّ لدى الطلبة والمعلّمين على حدّ سواء:  

تصف ھذه السلاسل ملامح المتعلّم، بانتقاله من مرحلة اكتساب إلى أخرى في رحلته التعلّمیّة لمھارات اللغة. وقد حدّد المشروع عشر مراحل لاكتساب اللغة، على النحو الآتي: جدید في اللغة؛ مبتدئ؛ ناشئ؛ نامٍ؛ يألف اللغة؛ متوسّع؛ متمكّن؛ متقدّم؛ طلیق؛ مستقلّ. لا یرتبط ھذا الوصف بمخرجات تعلّمیّة لصفّ محدّد، فانتقال المتعلّم بين مراحل الاكتساب العشر، یرتبط بتطوّر كفاءته اللغویّة ولیس بسنته الدراسیّة. لذلك، تقدّم السلسلة إلى كلّ مرحلة فترة زمنیّة مقترحة تمتدّ لسنتَین دراسیّتَین، تعطي مساحة لاكتساب المھارة، كما تسمح بملاحظة الفروق الفردیّة في تعلّم اللغة. فمثلًا یتنقّل المتعلّمون بین صفوف ریاض الأطفال والابتدائیّة الأولى بین مرحلة "الجدید في اللغة" و"المبتدئ". فقد تنطبق ملامح "المبتدئ" على معظمھم، إلّا أنّ بعضھم قد يحتاج إلى فترة زمنیّة أطول للانتقال من "جدید في اللغة" إلى "مبتدئ". لذا، فالسلسلة تقدّم وصفًا لملامح المتعلّم لا یرتبط بسنة دراسیّة، بل بفترة زمنیّة ممتدّة ومشتركة بین المراحل، تؤمّن مساحة للمتعلّم لاكتساب اللغة. 

 

وقد جاءت السلاسل لتغطّي مجالات تعليم اللغة: 

  • 1. سلسلة التخاطب - نبض التواصل: في هذه السلسلة يُمنح المتعلّم الفرصة للحديث حول موضوعات قريبة من ميوله واحتياجاته واهتماماته، بحيث تُشجّع على الحوار، وطرح الأسئلة، والاستماع إلى الآخرين. وبهذا تنمّي مهارات الاستماع النشط، وفنّ الحديث الواضح والواثق، وتبني المعجم اللغويّ بالحوار الحقيقيّ، فتركّز على تعزيز التعبير الشفويّ، ومهارات العرض الصفّيّ، والحوار البنّاء. 
  • 2. سلسلة القراءة - بوّابة المعاني: تقدّم إلى المتعلّمين نصوصًا مختارة بعناية، تُراعي ميولهم ومستواهم واهتماماتهم، لتشجيعهم على القراءة بشغف. فتُنمّي لدى المتعلّمين مهارات الفهم القرائيّ، والتحليل، وتذوّق الجمال اللغويّ، والتفكير النقديّ، وتوسّع الأفق الثقافيّ والمعرفيّ لديهم. 
  • 3. سلسلة الكتابة - مسار الإبداع: تبدأ من خطوات بسيطة، مثل كتابة كلمات مكوّنة من ثلاثة أحرف، ثمّ جمل قصيرة، وصولًا إلى كتابة قصّة من تأليف المتعلّم. إنّها رحلة من التعبير البسيط إلى الإبداع المكتوب، إذ تفتح المجال أمام المتعلّمين لتطوير مهارات الكتابة الإبداعيّة والوظيفيّة. 

 

اعتُمدت هذه السلاسل ووظّفت بوصفها أدوات تعليميّة وتقويميّة مستمرّة، تنقل المتعلّم من مستوى إلى آخر، وتستجيب لمراحل تطوّره اللغويّ باستخدام استراتيجيّات تعليميّة متعدّدة، جاءت ثمرة اجتماعات تشبيك تدريبيّة مكثّفة بتيسير من الاختصاصيّين، وبقيادة فريق تمام القياديّ في كلّ مدرسة، وقادة اللغة العربيّة في المدارس الخمس، ومعلّمي ومعلّمات اللغة العربيّة في تلك المدارس. ومن هذه الاستراتيجيّات التي جرى التدريب عليها وتوظيفها ضمن المشروع، على سبيل المثال لا الحصر: 

  • - استراتيجيّة التعلّم التعاونيّ: للعمل ضمن مجموعات ومهامّ تشاركيّة، بحيث تنفّذ كلّ مجموعة نشاطًا لغويًّا (كتابة قصّة، تحليل نصّ، تمثيل حوار...). 
  • - التعلّم القائم على المشروعات: لتوظيف السلاسل في سياقات حياتيّة واقعيّة، مثل مشروع "قصّتي الأولى" ومشروع "المؤلّف الصغير".  
  • - التعلّم باللعب (ألعاب الكلمات، بطاقات مفردات…). 
  • - الدراما الفنّيّة وتمثيل الأدوار.  
  • - محطّات التعلّم، مثل ركن القراءة، وركن الألعاب.  
  • - عصف ذهنيّ تفاعليّ: لتحفيز مهارات التخاطب والتفكير. 
  • - التعليم المدمج: بالاستفادة من التكنولوجيا، مثل استخدام تطبيقات تسجيل الصوت، ومنصّات القراءة الرقميّة التفاعليّة، وأدوات الكتابة التعاونيّة.  
  • - استراتيجيّة التعلّم الذاتيّ الموجّه: تتيح للطالب التقدّم في السلاسل حسب مستواه. 
  • - استراتيّجيّة القبّعات الستّ للتفكير: يُطلب إلى الطلبة تحليل نصّ أدبيّ أو موقف لغويّ من 6 زوايا مختلفة (إبداع، منطق، مشاعر، نقد...). 

 

  ولضمان متابعة تطوّر ملامح المتعلّم ضمن السلاسل، اعتُمدت ثلاثة أنواع من التقييمات: 

  1. 1. تقييم تشخيصيّ: يُجرى في بداية كلّ عام دراسيّ، لتحديد مستوى المتعلّم على السلاسل الثلاث. 
  2. 2. تقييم تكوينيّ: مرافق للتعلّم عن طريق الملاحظة اليوميّة والأنشطة المرحليّة. 
  3. 3. تقييم ختاميّ: يُستخدم لرصد مدى التقدّم على السلاسل، ومدى تحقيق الأهداف في نهاية السنة الدراسيّة. 

 

بعد إجراء التقييم التشخيصيّ والتكوينيّ للطلبة وفق سلاسل اللغة العربيّة الثلاث (التخاطب والقراءة والكتابة)، تُحلّل النتائج بدقّة للكشف عن مواطن القوّة ومجالات التحسين. وبناءً على ذلك، تُصمّم خطط تطويريّة جماعيّة فرديّة للطلّاب، مستندة إلى بيانات. تتضمّن هذه الخطط التطويريّة استراتيجيّات متنوّعة، وتهدف إلى نقل ملامح المتعلّم من مستواه الحاليّ إلى مستوى أعلى، بطريقة منهجيّة تدعم التدرّج اللغويّ وتعزّز المهارات المستهدفة. وتراعي هذه الخطط الفروق الفرديّة بين الطلبة، وتُفعّل الاستراتيجيّات الملائمة التي تُمكّن المتعلّم من الانتقال من التلقّي إلى التفاعل، ومن الملاحظة إلى الإنتاج، في بيئة تعليميّة محفّزة وغنيّة بالتجارب اللغويّة.  

وقد طُبّقت هذه الخطط التطويريّة في كلّ مدرسة من المدارس الخمس المشاركة ضمن بيئات صفّيّة متنوّعة، إذ تعاون المعلّمون وقادة اللغة العربيّة في تحليل البيانات، وتصميم التدخّلات المناسبة، وتبادل الممارسات الفعّالة ضمن جلسات تشبيك مهنيّة دوريّة. هذا التفاعل الجماعيّ أثرى التجربة الميدانيّة، وأسهم في توحيد الفهم وتكييف السلاسل بما يتلاءم مع خصوصيّة كلّ مدرسة، ما زاد من فاعليّة المشروع، وعمّق أثره في تطوير تعليم  اللغة العربيّة. 

وتجدر الإشارة إلى أنّ نجاح هذا المشروع لم يكن ممكنًا لولا دعم فريق تمام الموجّه وتوجيهه، إذ رافق أعضاؤه القادة والمعلّمين لتيسير التشبيك ودعمه العلميّ والعمليّ، نظرًا إلى كونه مبادرة فريدة في العالم العربيّ، وكان الدعم من الخبراء على مدار ثلاث سنوات، على شكل جلسات تدريبيّة متخصّصة في آليّات تطبيق السلاسل، ومخيّمات تعلّم مهنيّة لتحفيز التفكير الجماعيّ وتبادل الخبرات، ومتابعة ميدانيّة وتشبيك دائمَين بين المدارس الخمس المشاركة، إضافة إلى اجتماعات جامعة لمشاركة تقدّم العمل، وبناء اللغة المشتركة، والتفكّر في الخطوات اللاحقة.  

 

الأثر الأوّليّ والنتائج 

انعكس أثر المشروع أوّلًا على الطلبة، إذ أظهروا تطوّرًا في مهارات التخاطب والقراءة والكتابة، وازداد شغفهم باللغة العربيّة بوصفها وسيلة للتعبير والتفكير والإبداع، لا مادّة دراسيّة فحسب. كما تحسّنت ثقتهم بأنفسهم باستثمار فرص التفاعل والمشاركة داخل الصفوف، ما جعل عمليّة التعلّم أكثر حيويّة وارتباطًا بالحياة اليوميّة. وبالإضافة إلى الأثر في الطلّاب، ساعدت هذه السلاسل الثلاث في تعزيز لغة التواصل التربويّ مع أولياء الأمور، إذ أصبح من الممكن شرح تطوّر المتعلّم في مجالات اللغة بشكل واضح وممنهج، ما سهّل المتابعة والدعم المنزليّ، وربط بين المدرسة والبيت بهدف واحد: متعلّم واثق ومتمكّن لغويًّا. كما اعتمدت بعض المدارس المشروع مرجعيّة في التقييم الذاتيّ السنويّ، إذ رُبطت نتائج تطبيق السلاسل بمؤشّرات الأداء المدرسيّ، ما جعل المشروع نموذجًا للتطوير المهنيّ المستدام، ومصدرًا غنيًّا للتأمّل في الممارسات التربويّة، ووسيلة واقعيّة لرسم خطط تحسين مستمرّة. 

وإلى جانب هذا الأثر التربويّ والمهنيّ، يخضع المشروع حاليًّا إلى تقييم بحثيّ علميّ منهجيّ يُنفَّذ ضمن "تمام" بالشراكة مع باحثين أكاديميّين، بهدف توثيق أثر السلاسل بدقّة علميّة، وتحليل أثرها الفعليّ في تعلّم الطلبة وممارسات المعلّمين، على أن تُنشر نتائجه قريبًا. 

 

نحو تعميم التجربة واستدامة الأثر 

مع ما حقّقه المشروع حتّى الآن من أثر ملموس في تطوير تعليم اللغة العربيّة، بدأت المدارس المشاركة، بدعم من فريق تمام الموجّه، بالعمل على تعميم التجربة وتوسيع أثرها، لتشمل مدارس أخرى داخل الأردنّ وخارجه، عن طريق عرض التجارب والخبرات الميدانيّة في ملتقيات تربويّة متخصّصة. 

ومن أبرز هذه الجهود، ملتقى اللغة العربيّة "التشبيك قوّة محرّكة لقيادة التطوير"، والذي انعقد في عمّان في تشرين الأوّل ٢٠٢٥، بتنظيم من مدارس تجمّع تمام في الأردنّ، وبالتعاون مع فريق تمام الموجّه. شكّل هذا الملتقى استمراريّة لجهود التشبيك بين المدارس، إذ دُعي جميع الممارسين التربويّين من الأردنّ ومن دول عربيّة صديقة للمشاركة فيه. كما عُرضت نتاجات مبادرة التشبيك وإنجازاتها، وقدّم المعلّمون التجارب الميدانيّة التي عكست أثر المشروع في تعزيز هُويّتهم المهنيّة وتحسين العمليّة التعليميّة. شكّل هذا اللقاء مساحة للتبادل البنّاء للأفكار والخبرات، وأكّد المشاركون أنّ الاستثمار في تطوير تعليم اللغة العربيّة استثمار في بناء الهُويّة والفكر والتميّز. كذلك، أسهم هذا الملتقى في تعزيز الاستدامة والتأثير النظاميّ لهذا المشروع، بوصفه نموذجًا قابلًا للتوسّع والتطوير على نطاق أوسع. 

 

*** 

ما يميّز مشروع سلاسل اللغة العربيّة أنّه ينبض من الميدان ولأجل الميدان، إذ لم تُفرض الغاية والاستراتيجيّات أو الأدوات من أعلى، بل جاءت استجابة لحاجات حقيقيّة، واختيرت وطُوّرت بالتعاون مع المعلّمين وقادّة اللغة العربيّة من المدارس الخمس المشاركة، وبمواكبة إدارات المدارس أوّلًا بأوّل، ما عزّز نجاح المشروع وفاعليّته. 

لا يُعدّ هذا المشروع مجرّد إطار تعليميّ، بل رؤية تطويريّة واضحة شاملة، تعيد للغة العربيّة حضورها الحيويّ داخل الصفوف، وتنقل المتعلّم من الحفظ والتلقين إلى الفهم العميق والإنتاج اللغويّ الأصيل. أثبت هذا المشروع أثره الواضح في تعزيز مهارات المتعلّمين في التخاطب والقراءة والكتابة، باعتماد استراتيجيّات ممنهجة وممارسات صفّيّة تفاعليّة. ومن هذا المنطلق، نوجّه دعوتنا إلى بقيّة المدارس المحبّة للتطوير للسير في هذا النهج الرائد، وتبنّي هذا المشروع لما فيه من فائدة عظيمة على المستويَين الأكاديميّ والتربويّ. مع التأكيد على أهمّيّة التشبيك بين المدارس لتبادل الخبرات، وبناء مجتمع مهنيّ تعلّميّ متكامل ومستدام، ينهض باللغة العربيّة، ويصنع فارقًا حقيقيًّا في مخرجاتها التعليميّة.  

في الختام، نعرب عن تقديرنا لكلّ الجهود التي بُذلت ضمن مبادرة التشبيك هذه، في سبيل تطوير الممارسات التربويّة وتعزيز مهارات الطلبة اللغويّة.