من القلق إلى الإثارة: خلق بيئة إيجابيّة لتعلّم الرياضيّات بالتعلّم الاجتماعيّ العاطفيّ
من القلق إلى الإثارة: خلق بيئة إيجابيّة لتعلّم الرياضيّات بالتعلّم الاجتماعيّ العاطفيّ
مها البيكاوي | منسّقة مساعدة و معلّمة / الأردن

لم يعد التعليم مقتصرًا على نقل المعرفة الأكاديميّة فحسب، بل أصبح يركّز بشكل متزايد على تنمية الإنسان كاملًا. وبحسب منظّمة CASEL، يبرز التعلّم الاجتماعيّ والعاطفيّ بوصفه عنصرًا حاسمًا في هذه المعادلة، إذ يرتكز على خمس كفايات أساسيّة تزوّد الطلّاب بالمهارات اللازمة: الوعي الذاتيّ لفهم عواطفهم وإدارتها؛ والإدارة الذاتيّة لتحديد الأهداف الإيجابيّة وتحقيقها؛ والوعي الاجتماعيّ للشعور بالتعاطف وتقدير وجهات النظر المختلفة؛ ومهارات العلاقات لإقامة علاقات صحّيّة؛ واتّخاذ القرارات المسؤولة.  

يؤدّي دمج التعلّم الاجتماعيّ والعاطفيّ في العمليّة التعليميّة دورًا محوريًّا في جذب انتباه الطلّاب، وبناء بيئة تعليميّة إيجابيّة وداعمة. ففي فصول المرحلة الابتدائيّة، حيث تكون عواطف الطلّاب وتفاعلهم الاجتماعيّ في أوج نموّها، يصبح هذا الدمج أكثر أهمّيّة وفاعليّة. يمكن أن يكون هذا النهج، عند تطبيقه في سياق تدريس مادّة مثل الرياضيّات، بمثابة جسر فعّال، يأخذ المفاهيم المجرّدة إلى عوالم الطلّاب الحياتيّة والاجتماعيّة. فغالبًا ما تُواجه عمليّة تدريس الرياضيّات تحدّيًا جوهريًّا، يتمثّل في بُعدها عن خبرات الطلّاب اليوميّة واهتماماتهم. فالمفاهيم الرياضيّة، بطبيعتها المجرّدة، قد تبدو كيانات منفصلة لا تمتّ إلى واقع الطفل بصلة، ما يقلّل من دافعيّته إلى المشاركة والتعلّم. 

 

أفكار لدمج التعلّم العاطفيّ الاجتماعيّ في حصص الرياضيّات 

 في فصول الرياضيّات، لا يعني التعلّم الاجتماعيّ والعاطفيّ منهجًا منفصلًا، بل هو نهج لتنظيم بيئة التعلّم، وإثراء طرق التدريس. وفي ما يأتي تفصيل لكيفيّة تطبيق ذلك: 

تعزيز الوعي الاجتماعيّ ومهارات العلاقات عن طريق القصص 

يُعدّ سرد القصص أداة قويّة للغاية لتسهيل تعلّم المفاهيم الرياضيّة، خصوصًا المعقّدة منها. عندما تُقدّم المسألة الرياضيّة في إطار قصّة ملموسة، يتحوّل الرقم المجرّد إلى جزء من تجربة حياة واقعيّة، ما يسهّل استيعابه، ويثير الفضول العاطفيّ والاجتماعيّ لدى الطلّاب. تركّز هذه الطريقة على كفايتَي الوعي الاجتماعيّ ومهارات العلاقات. 

تجربة من الفصل 

عند تقديم مفهوم القسمة لأوّل مرّة في فصلي، تمثّل التحدّي في جعل الطلّاب يفهمون جوهر العمليّة، على شكل توزيع متساوٍ أو مشاركة. استخدمت القصّة الشهيرة "رنّ جرس الباب" للكاتبة بات هاتشينز، والتي تتناول موضوع مشاركة قطع البسكويت بين الأصدقاء الذين يصلون تباعًا، وإعادة تقسيم البسكويت بشكل مستمرّ مع وصول المزيد والمزيد من الضيوف. أثناء قراءتنا، قام الطلّاب بنمذجة عمليّة القسمة فعليًّا، وتحريك العدّادات (التي تمثّل البسكويت)، وإجراء عمليّات الطرح المتكرّرة. 

 

تبدأ القصّة مع فيكتوريا وسام، ولديهما 12 قطعة من البسكويت ليتقاسماها. وبينما يستعدّان لتناولها، يرنّ الجرس مرارًا وتكرارًا، وفي كلّ مرّة يحضر أصدقاء جدد. يجب على الأطفال باستمرار إعادة تقسيم الـ 12 قطعة من البسكويت بالتساوي بين المجموعة المتزايدة.  

في البداية، يتقاسم طفلان 12 قطعة بسكويت: 12 ÷ 2 = 6.  

تنمو المجموعة لتصبح 4 أطفال: 12 ÷ 4 = 3. 

ثمّ تنمو لتصبح 6 أطفال: 12 ÷ 6 = 2. 

في النهاية، يصل عدد المجموعة إلى 12 طفلًا، ما يترك لكلّ منهم قطعة بسكويت واحدة فقط: 12 ÷ 12 = 1. 

وبينما يشعر الأطفال بخيبة الأمل بسبب حصّتهم القليلة، يرنّ الجرس للمرّة الأخيرة، وتصل جدّتهم ومعها صحن مليء بالبسكويت، ما يضمن حصول الجميع على الكثير. تُصوِّر القصّة بفعّاليّة كيف يؤثّر المقسوم عليه (عدد الأشخاص) على ناتج القسمة (الحصّة الفرديّة).  

 

أخذت القصّة الطلّاب في رحلة حيّة لتجربة المفهوم: كيف يتغيّر نصيب كلّ شخص (ناتج القسمة) مع وصول المزيد من الأشخاص. هذه التجربة المباشرة والواقعيّة، جعلت الفكرة المجرّدة للمشاركة المتساوية ملموسة وذات معنى.  

وبلغت المشاركة ذروتها عندما قمنا بتمثيل القصّة، حتّى إنّني دعوت جدّة أحد الطلّاب للانضمام إلينا باعتبارها "ضيفًا جديدًا"، ما يرمز إلى الحاجة إلى إعادة تقسيم قطع البسكويت. هذا التفاعل لم يثرِ مفهوم القسمة فحسب، بل عزّز أيضًا مهارات التعاون والعلاقات والاحترام المتبادل، وأضاف عنصرًا عاطفيًّا دافئًا ومجتمعيًّا للدرس. أصبحت القسمة بالنسبة إليهم قصّة لا تُنسى عن المشاركة، بدلًا من مجرّد خوارزميّة. 

 

الإدارة الذاتيّة والحدّ من قلق الرياضيّات: قوّة الأدوات الملموسة 

تعمل دروس الرياضيّات الغنيّة بالأدوات اليدويّة والأشياء المادّيّة الجذّابة، على تعزيز الإدارة الذاتيّة والإثارة للتعلّم. عندما يتمكن الطلّاب من لمس الأدوات الرياضيّة وتحريكها والتفاعل معها، يعزّز ذلك لديهم حسّ اللعب والاستكشاف، ما يخفّف من القلق بشأن الرياضيّات الذي قد يصاحب بعض المفاهيم. تركّز هذه الفكرة على كفايتَي الإدارة الذاتيّة والوعي الذاتيّ. 

"صندوق الأدوات" المثير 

وجدت أنّ الفعل البسيط، المتمثّل في محاولة الدخول في كلّ حصّة رياضيّات "بصندوق من الأدوات" ذات الصلة بموضوع الدرس، يزيد بشكل كبير من ترقّب الطلّاب. ففي تدريس وحدة القياس، دخلت الفصل ذات يوم وأنا أحمل مسطرة طويلة بشكل يبعث على الإثارة، وصندوقًا مليئًا بأشرطة القياس. وفي يوم آخر، في وحدة العدّ والقيمة النقديّة، أحضرت مجموعة من المكعّبات والعدّادات والعملات المعدنيّة. وفي وحدة الأشكال، دخلت بصندوق مليء بالأشكال ثلاثيّة الأبعاد، وقطع البناء البلاستيكيّة. 

 بدأ الطلّاب ينتظرون حصّة الرياضيّات بفارغ الصبر، متشوّقين لمعرفة الأشياء التي سيستخدمونها هذه المرّة. أدّى عنصر الإثارة وحرّيّة التعامل مع الأدوات، إلى خلق بيئة لم يكن فيها المتعلّمون مستعدّين للتعلّم فحسب، بل كانوا متحمّسين حقًّا للعمليّة، ما أدّى إلى تعزيز كفاءتهم الذاتيّة. وهذا يعني أنّ إتقانهم الملموس للمفاهيم بالتفاعل المباشر مع الأدوات، أتاح لهم رؤية نجاحهم بشكل فوريّ ومباشر، وبنى ثقتهم الداخليّة بقدرتهم على فهم المشكلات الرياضيّة وحلّها. 

 

الوعي الذاتيّ واحترام التنوّع: دمج اهتمامات الطلّاب 

يُعدّ استخدام البيانات المتعلّقة بالحياة الشخصيّة للطلّاب واهتماماتهم، طريقة قويّة لدمج الوعي الذاتيّ واحترام التنوّع في منهج الرياضيّات. فعندما تعكس مسائل الرياضيّات عالمهم الخاصّ، يرى الطلّاب أهمّيّة المادّة ويشعرون بالتقدير. تركّز هذه الفكرة على الوعي الذاتيّ والوعي الاجتماعيّ.  

أقوم بانتظام بدمج اهتمامات الطلّاب لاستكشاف مفاهيم مثل تمثيل البيانات. قبل البدء بوحدة حول الرسوم البيانيّة والمخطّطات، سألت الطلّاب عن هواياتهم المفضّلة، أو نوع الطعام المفضّل لديهم. استخدمنا هذه البيانات الشخصيّة لإنشاء رسم بيانيّ عموديّ أو مصوّر. على سبيل المثال، أبرز رسم بيانيّ يوضّح "أنشطتنا العائليّة المفضّلة"، الطرق المختلفة التي يقضي فيها الطلّاب وقتهم مع عائلاتهم، بدءًا من الطهو، وصولًا إلى ممارسة الرياضة. لم يقتصر الأمر على إتقانهم آليّات إنشاء الرسم البيانيّ وقراءته فحسب، بل شاركوا أيضًا في مناقشات حول التنوّع في صفّهم، واحتفلوا بالاهتمامات والهويّات الفريدة لزملائهم في الفصل. حوّل هذا السياق الواقعيّ والمرتبط بالاهتمامات الشخصيّة للطلّاب، درسًا قد يكون مملًّا، إلى فرصة نابضة بالحياة. 

 

*** 

دمج التعلّم العاطفيّ الاجتماعيّ في تدريس الرياضيّات، خصوصًا في المراحل المبكّرة، ليس مجرّد أسلوب تجميليّ، بل استثمار استراتيجيّ في مستقبل الطلّاب. باستخدام أدوات بسيطة، مثل القصص المؤثّرة والتمثيل التفاعليّ وتوفير موارد تعليميّة ملموسة، يمكننا تحويل فصول الرياضيّات من أماكن تُتلقّى فيها المفاهيم المجرّدة، إلى مساحات غنيّة بالتفاعل العاطفيّ والاجتماعيّ. هذا الدمج لا يحسّن التحصيل الأكاديميّ فحسب، بل يجهّز الطلّاب بمهارات حيويّة، مثل التعاطف والمثابرة والعمل الجماعيّ، وهي مهارات ضروريّة للنجاح في المدرسة والحياة. يتمثّل الهدف الأسمى في تخريج أفراد لا يجيدون حلّ المعادلات فحسب، بل يفهمون كيف يتفاعلون مع العالم بعمق وذكاء عاطفيّ. 

 

المراجع 

CASEL. (n.d.). What is the CASEL framework? 

Hutchins, Pat. The Doorbell Rang, Greenwillow Books, 1989