في السنوات الأخيرة، يجد المعلّم نفسه في مواجهة سيل من الاتّجاهات التربويّة التي تنهال عليه بوتيرة متسارعة. يُطلب إليه تارة إدخال استراتيجيّات التعلّم الاجتماعيّ العاطفيّ، وتارة أخرى اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعيّ، أو التركيز على مهارات القرن الحادي والعشرين، أو إدماج قيم المواطنة والاستدامة في المنهج. وعلى الرغم من القيمة الكامنة في هذه الاتّجاهات، إلّا أنّها تصل إلى المعلّم في صورة موجات متلاحقة، وكأنّ عليه أن يعيد ترتيب نفسه وأولويّاته مع كلّ موجة جديدة. كثيرًا ما يؤدّي ذلك إلى شعور بالارتباك وفقدان الوضوح، بل وإلى ضغط قد يُفقد المعلّم صوته التربويّ الخاصّ، ويحوّله إلى منفّذ لمتطلّبات متغيّرة، أكثر منه صاحب رؤية مهنيّة واضحة.
وسط هذا المشهد المربك، يطرح سؤال أساسيّ نفسه: كيف يحافظ المعلّم على اتّجاه واضح وسط هذا التغيّر المستمرّ؟ وكيف يختار ما يناسبه ويناسب طلّابه، من دون أن يتشتّت أو يصبح أسير "موضات" تربويّة عابرة؟ هنا تبرز أهمّيّة مفهوم المنصّة التربويّة (educational platform) الذي قدّمه سيرجيوفاني وستارات (2007)، وسُمّيت "منصّة" لأنّها تشبه الأرضيّة المهنيّة التي يقف عليها المعلّم وهو يتّخذ قراراته اليوميّة، بوصفها إطارًا يمدّ المعلّم بوضوح مهنيّ وفكريّ، ويعزّز هويّته ويمنحه الاستقرار، لا باعتبارها خطّة إجرائيّة جاهزة، بل قاعدة تنظّم القيم والمعتقدات التربويّة التي تتحوّل إلى ممارسات صفّيّة فعليّة.
منصّة المعلّم: المفهوم النظريّ
المنصّة ليست بالضرورة خطّة مكتوبة أو تعليمات جاهزة، بل الأرضيّة التي تتكوّن من الأطر المفاهيميّة التي يتبنّاها المعلّم، إلى جانب قيمه ومعتقداته المهنيّة وتجارب حياته وممارساته الصفّيّة. هي أشبه بخارطة داخليّة يوجّه بها قراراته اليوميّة، ويستند إليها في تفسير كلّ ما يواجهه من اتّجاهات جديدة. وعلى الرغم من أنّ معظم المعلّمين لا يصرّحون بمنصّاتهم بوضوح، إلّا أنّها تظهر في عاداتهم الصفّيّة وأنماط تفاعلهم مع الطلّاب. ويشير سيرجيوفاني وستارات إلى أنّ المنصّة تتشكّل وتتطوّر مع الزمن بالممارسة، إلّا أنّ الوعي بها يمنحها وضوحًا أكبر، ويجعل أثرها أكثر اتّساقًا. ففي حين قد لا يتطابق الخطاب الذي يقدّمه المعلّم في الاجتماعات مع ممارساته الفعليّة داخل الصفّ، فإنّ المنصّة الحقيقيّة تتجلّى بوضوح في أنماط عمله التربويّ اليوميّة وعاداته المهنيّة الراسخة.
أهمّيّة المنصّة أنّها تمكّن المعلّم من إدراك العلاقة بين قيمه المهنيّة وممارساته، ورصد التناقضات بين ما يعلنه وما يطبّقه، وفهم الفوارق بين منصّته ومنصّات الآخرين. وقد صنّف سيرجيوفاني وستارات هذه المنصّات التربويّة في أشكال متعدّدة: فهناك منصّة الكفايات الأساسيّة التي ترى المدرسة مؤسّسة لإعداد الطلّاب بالمهارات والمعارف الضروريّة؛ ومنصّة التنشئة الديمقراطيّة التي تجعل من الصفّ مساحة لتجربة قيم المشاركة والحوار؛ ومنصّة المعلّم الحضريّ التي تستجيب لتحدّيات البيئات الفقيرة والمتنوّعة، وتولي أهمّيّة للانضباط والاحترام وربط المناهج بواقع الطلّاب؛ وأخيرًا المنصّة الإيكولوجيّة التي توسّع النظرة إلى التعليم، ليصبح جزءًا من مشروع إنسانيّ وبيئيّ شامل. هذه النماذج لا تُستخدم بوصفها قوالب جاهزة، بل باعتبارها أطرًا مرجعيّة وجوانب إرشاديّة، تمكّن المعلّم من التأمّل في موقعه وصياغة منصّته التربويّة الخاصّة.
من النظريّة إلى الممارسات التربويّة
المنصّة التربويّة ليست مفهومًا نظريًّا مجرّدًا، بل إطارًا ينبع من تجارب المعلّم، والأطر المفاهيميّة التي يتبنّاها، وقيمه المهنيّة وممارساته اليوميّة. هي نقطة الالتقاء بين ما يؤمن به وبين ما يفعله فعليًّا داخل الصفّ. حين أعود بذاكرتي إلى بداياتي في التدريس، أكتشف أنّ منصّتي التربويّة تشكّلت تدريجيًّا من لحظات التفكّر والمواجهة في الصفّ. سألت نفسي يومها: لماذا اخترت التعليم مهنة لي؟ ما الذي يجعلني أتمسّك بها؟ وبالتفكّر الصادق والعميق، أدركت أنّني أقدّر قبل أيّ شيء مبدأ الإنصاف، وإتاحة الفرص المتساوية لجميع الطلّاب. لم يكن هذا مجرّد شعار، بل ممارسة ملموسة يوميّة. كنت أحرص على أن يفهم جميع طلّابي المفاهيم الأساسيّة، كلّ بطريقته الخاصّة، وأمضي أحيانًا الاستراحة مع من يحتاج إلى دعم إضافيّ، من دون أن أشعر بأنّ ذلك عبء، أو أشكو من الوقت.
ومع أنّني في بداياتي لم أكن على دراية كافية بنظريّات مثل أنماط التعلّم أو تصنيف بلوم، إلّا أنّني كنت أعمل بها في حصصي، حتّى أنّني كنت أُسمع كثيرًا من مشرفي أنّني أدرّس كما لو كنت أمتلك خبرة عشر سنوات. لم تكن الممارسة إذًا تفتقر إلى العمق، بل إلى اللغة النظريّة التي تسمّيها وتُظهر منطلقاتها. جزء أساسيّ من منصّتي التربويّة أيضًا، كان يقوم على بناء بيئة تعليميّة داعمة قوامها التواصل المنفتح والإنسانيّة. كنت أصغي إلى شكاوى طلّابي، لكنّني كنت أصرّ على أن يتعلّموا كيف يعبّرون عنها بموضوعيّة وبحجّة. أتذكّر مثلًا كيف كنّا نخطّط معًا في الصفوف الثانويّة للتعامل مع عبء الواجبات، لنحوّل شكواهم إلى حوار عمليّ وحلول واقعيّة.
آمنت أيضًا بعمق بأهمّيّة النمذجة أمام الطلّاب. لم أتردّد يومًا في أن أقول: "لا أعرف الجواب الآن"، وأشرح لهم أنّ حصولي على شهادة جامعيّة لا يمنحني قوّة خارقة لمعرفة كلّ شيء. كنت أبحث عن الإجابة وأشاركهم ما توصّلت إليه لاحقًا، أو نبحث معًا. حرصت على أن يروني أسأل وأبحث عن إجابات للمواضيع التي لم أفهمها. كانت ردود أفعالهم على ذلك مليئة بالدهشة في البداية، لكنّها سرعان ما تحوّلت إلى ثقة وانفتاح. أدركوا أنّ المعلّم أيضًا يتعلّم باستمرار، وأنّ الخطأ والبحث لا يقلّلان من قيمته، بل يعزّزانها. حين أفكّر اليوم في هذه الممارسات، أرى أنّها لم تكن عفويّة تمامًا، بل نابعة من قناعة بقيمة التعلّم بوصفه مسارًا إنسانيًّا مشتركًا.
ومع مرور الوقت، تبيّن لي أنّ منصّتي ترتكز على أربع قيم أساسيّة: العدالة وإتاحة الفرص، والبيئة التعليميّة الداعمة، والتواصل المنفتح، والإنسانيّة في الممارسة. هذه القيم كانت البوصلة التي وجّهتني عند مواجهة الاتّجاهات التربويّة الجديدة. إيماني بأنّ جميع الطلّاب يجب أن يفهموا الدرس، جعلني أعتبر التمايز في التعليم أو الاتّجاهات الداعمة للتعليم الدامج حلفاء طبيعيّين لرؤيتي. وبالمثل، قناعتي بأنّ المعلّم يجب أن يكون نموذجًا في التعلّم المستمرّ، دفعتني إلى الانفتاح على الاتّجاهات التي تعزّز الحوار والبحث المشترك، مثل التعلّم العاطفيّ الاجتماعيّ، بحيث أستطيع أن أُظهر لطلّابي كيف أتعلّم معهم ومنهم. لم يكن تبنّي هذه الاتّجاهات نابعًا من حداثتها، بل من انسجامها مع ما أؤمن به تربويًّا.
لكن، لم يكن كلّ اتّجاه تربويّ قريبًا من منصّتي. ففي أحيان كثيرة كنت أجد أنّ بعض المبادرات أو التوجّهات الجديدة، على الرغم من أهمّيّتها، لا تنسجم مع واقع طلّابي أو مع أولويّاتي التربويّة. لم أتعامل معها بالرفض المطلق، ولا بالقبول الأعمى، بل حاولت أن أُعيد النظر فيها في ضوء منصّتي: ما الذي يمكن أن آخذه منها ليخدم طلّابي؟ وما الذي قد يكون شكليًّا أو بعيدًا عن رؤيتي، فأتركه أو أعيد توظيفه بطريقة مختلفة؟ هذا الموقف النقديّ جعل المنصّة بالنسبة إليّ أداة للتوازن، أستعين بها لأكيّف الاتّجاهات، وأعيد صياغتها بما يتماشى مع قيمي المهنيّة وسياقي، بدل أن أُطبّقها كما هي، أو أتنكّر لها تمامًا.
في هذا السياق، يجب التوضيح بأنّ المنصّة لا تتعلّق بكلّ ما يحمله المعلّم من قناعات شخصيّة أو ثقافيّة، بل بالقيم التربويّة التي تتحوّل فعليًّا إلى مبادئ موجّهة للتعلّم والتعليم داخل الصفّ. فهي قيم تُقاس بقدرتها على التأثير في القرارات الصفّيّة والممارسات اليوميّة، لا بمجرّد الانتماء الفكريّ أو الأخلاقيّ العامّ. فقد يؤمن المعلّم بقيم ثقافيّة أو فكريّة عامّة، مثل الاهتمام بالفنون أو الإيمان بقضايا فكريّة وفلسفيّة، لكنّها لا تصبح جزءًا من منصّته التربويّة، ما لم تنعكس مباشرة في أسلوب تدريسه وتعامله مع طلّابه.
المنصّة التربويّة في سياق القيود المهنيّة
غالبًا ما يجد المعلّم نفسه يعمل ضمن أطر مؤسّسيّة صارمة، تفرض عليه سياسات مدرسيّة لا تتطابق دائمًا مع قناعاته التربويّة. في هذا السياق، لا تُقدَّم المنصّة التربويّة بوصفها حلًّا سحريًّا لهذا التناقض، ولا أداة لمواجهة السلطة أو تجاوزها، بل بوصفها مساحة وعي مهنيّ، تمكّن المعلّم من قراءة موقعه بوضوح أكبر. فمعرفته بمنصّته لا تعني بالضرورة قدرته على تغيير السياسات الكبرى، لكنّها تساعده في التمييز بين ما يمكن تكييفه وما يجب الالتزام به، وفي إيجاد مساحات صغيرة داخل صفّه يظلّ فيها منسجمًا مع قيمه التربويّة، مانحًا طلّابه تجربة تعلّم أكثر أصالة واتّساقًا.
وفي الوقت نفسه، تطرح مسألة مشاركة المعلّمين منصّاتهم تحدّيًا إضافيًّا، لا سيّما في سياقات لا تشجّع التعبير الحرّ أو النقاش المهنيّ الصريح. من هنا، لا تفترض المنصّة التربويّة الإفصاح العلنيّ أو الكامل عن القناعات، بل تبدأ بوقفات تفكّريّة مع الذات. وإذا توفّرت بيئة مهنيّة آمنة، مثل قسم صغير متفاهم أو مجتمع تعلّم مهنيّ، يمكن لهذه المنصّات أن تُتداوَل بحذر ووعي، فتتحوّل إلى مدخل لبناء فهم مهنيّ مشترك، من دون فرض التطابق أو إلغاء الاختلاف. بهذا المعنى، لا تعمل المنصّة ضدّ الواقع المؤسّسيّ، بل داخل حدوده، مستثمرة الممكن بدل الاصطدام بما يتعذّر تغييره.
منصّة المعلّم: بوصلة لإعادة التوازن والتموضع التربويّ
تشير التجربة إلى أنّ كتابة المنصّة تمنح المعلّم وضوحًا أكبر في هويّته المهنيّة، إذ تمكّنه من الربط بين قناعاته المهنيّة وممارساته. كما تتجاوز قيمة المنصّة حدود التجربة الفرديّة، لتسهم في بناء هويّة مدرسيّة مشتركة. فمشاركة المعلّمين منصّاتهم يفتح المجال أمام حوار مهنيّ أعمق، ويؤسّس لثقافة تعلّم جماعيّة، تعزّز الانسجام والتماسك في القيم المهنيّة والممارسات اليوميّة.
لكن، قد يتساءل المعلّم: كيف أبني منصّتي عمليًّا؟ ليس المطلوب وثيقة معقّدة، بل مجرّد جمل يكتب فيها المعلّم ما يؤمن به وما يسعى لتحقيقه في صفّه. يمكن أن يبدأ الأمر بتحديد ثلاث قيم مهنيّة أساسيّة يرى أنّها تحكم عمله، ثمّ التفكير في كيف تنعكس هذه القيم في ممارساته اليوميّة، وما إذا كانت هناك فجوة بين القول والفعل. بعد ذلك، يمكنه أن يختبر اتّجاهًا جديدًا في ضوء منصّته، فيسأل نفسه: هل هذا يخدم قيمي؟ كيف أتكيّف معه ليخدم طلّابي؟ هذه الممارسة البسيطة تمنح المعلّم متعة تسمية ما يقوم به وأسبابه، وتولّد لديه إحساسًا أعمق بالهويّة والانتماء، كما تزيد من التزامه ورضاه بعمله. حين يمتلك المعلّم منصّة واضحة، تتغيّر نظرته إلى الاتّجاهات الجديدة.
***
ختامًا، حين تتزاحم الاتّجاهات التربويّة، تصبح المنصّة بمثابة بوصلة، تمكّن المعلّم من فرز ما يناسبه وما لا يناسبه. فالمشكلة ليست في كثرة هذه الاتّجاهات، بل في أنّ المعلّم يُطلب إليه في الغالب أن يطبّقها، من دون أن يُمنَح الوقت أو المساحة للتفكير في مدى انسجامها مع قناعاته، أو مع حاجات طلّابه أو رسالة مؤسّسته. هنا، توفّر المنصّة إطارًا للتفكير النقديّ، إذ تسمح للمعلّم بأنّ يراجع مدى توافق الاتّجاهات مع قيمه المهنيّة، وأن يقيس جدواها بالنسبة إلى واقع طلّابه، وأن يكيّفها بطريقة تخدم أهدافه التربويّة، بدل أن يتحوّل إلى منفّذ لتعليمات خارجيّة عابرة. المنصّة التربويّة تذكّر المعلّم بأنّه صاحب بوصلة، يمتلك القدرة على تحديد اتّجاهه، واختيار ما يناسبه ويناسب طلّابه، فهي تمنحه إحساسًا بالمعنى والهويّة، وتجعله شريكًا فاعلًا في مسار الإصلاح التربويّ. والمنصّة ليست وصفة جاهزة، بل دعوة إلى كلّ معلّم أن يسأل نفسه: ما الذي أؤمن به؟ كيف أمارسه في صفّي؟ وما الذي يمنحني شعورًا حقيقيًّا بالانتماء إلى هذه المهنة؟
المراجع
Sergiovanni, T., & Starratt, R. J. (2007). Supervision: A redefinition (8th ed.). MacGraw Hill.





نشر في عدد (24) ربيع 2026