ممارسات تعليميّة عزّزت العدالة في التعليم لمتعلّمين مختلفين
ممارسات تعليميّة عزّزت العدالة في التعليم لمتعلّمين مختلفين
شيخة عبد الله حامد الجفيلية | مديرة مدرسة- سلطنة عُمان
زهرة بنت سيف بن محمد الشكيلية | معلّمة فيزياء – سلطنة عُمان
زهرة بنت سيف بن محمد الشكيلية | معلّمة فيزياء – سلطنة عُمان

يُعَدّ تحقيق العدالة في التعليم هدفًا محوريًّا تسعى له النظم التربويّة الحديثة، بوصفه أساسًا لبناء مجتمع متوازن، يضمن لكلّ فرد فرصًا متكافئة للنموّ والتعلّم. غير أنّ مفهوم العدالة يختلف عن مفهوم المساواة، رغم التقاطع بينهما في الغاية العامّة، المتمثّلة في إتاحة التعليم للجميع. فالمساواة تعني معاملة جميع المتعلّمين بالطريقة نفسها، وتوفير الموارد والفرص لكلّ فرد بالقدر ذاته، بينما تتجاوز العدالة هذا المستوى، لتأخذ في الاعتبار الفروق الفرديّة والظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة، فتعمل على تكييف الموارد والدعم بما يضمن تحقيق الإنصاف في النتائج التعليميّة، لا في الفرص فقط. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى العدالة بوصفها خطوة أعمق وأكثر واقعيّة من المساواة، لأنّها تسعى لإزالة العوائق التي تحول دون استفادة بعض الطلبة من فرص التعليم بالشكل الأمثل (الأمين، 2019). ومع تصاعد النقاشات العالميّة حول جودة التعليم وشموليّته، أصبحت من الضروريّ إعادة التفكير في السياسات والممارسات التربويّة، بحيث تنتقل من نموذج المساواة الشكليّ إلى نموذج العدالة الفعليّ، القائم على الإنصاف وتمكين جميع المتعلّمين من تحقيق إمكاناتهم الكاملة.

العدالة في التعليم في سلطنة عُمان

تُعَدّ العدالة إحدى الركائز الأساسيّة التي تقوم عليها فلسفة التعليم في سلطنة عُمان، إذ تؤكّد على مبدأ النموّ المتكامل للمتعلّم، مشيرة إلى الهدف منه، ألا وهو تهيئة الفرص لجميع المتعلّمين من دون تمييز، لتمكينهم من النموّ الشخصيّ روحيًّا وجسديًّا واجتماعيًّا ومعرفيًّا، كلٌّ وفق إمكاناته واستعداداته (مجلس التعليم العُمانيّ، 2017). ويتماشى هذا الهدف مع رؤية عُمان 2040 التي تؤكّد بناء نظام تعليميّ عادل وشامل، يُمكّن جميع المتعلّمين من اكتساب المهارات والمعارف التي تؤهّلهم للمشاركة الفاعلة في التنمية المستدامة.

وقد ترجم معلّمو السلطنة هذا المبدأ في السياق العُمانيّ إلى ممارسات تربويّة داخل الحصص الدراسيّة في مختلف الموادّ. وفي الآتي عرض لجانب من تلك الممارسات في مادّتَي الفيزياء والرياضيّات:

ممارسات عزّزت العدالة التعليميّة أثناء تنفيذ الحصص الدراسيّة في مادّة الفيزياء

تهتمّ معلّمات الفيزياء بالتعلّم القبليّ في بداية كلّ درس. فمثلًا، في درس المجال الكهربائيّ لطالبات الصفّ الثاني عشر، تبدأ المعلّمة بالكشف عن مستوى فهم الطالبات للمجال الكهربائيّ، وتحديد الفاقد التعليميّ لدى بعضهنّ أو التصوّرات البديلة في هذا المفهوم، إذ يُدرس هذا المصطلح العلميّ في الصفّ العاشر. ويُنفّذ التعلّم القبليّ على شكل تداعٍ حرّ؛ فيُطلَب إلى كلّ طالبة في الفصل أن تكتب أوّل ما يخطر في بالها عندما تسمع مصطلح مجال كهربائيّ، ثمّ تمرّ المعلّمة سريعًا لتقرأ ما كتبته الطالبات، وتختار الإجابات التي تعكس تصوّرات بديلة.

ولاستقصاء مفهوم المجال الكهربائيّ، تحرص المعلّمات على تنفيذ العمل التعاونيّ في مجموعات تتّسم باختلاف الفروق الفرديّة، فتوزّع المعلّمة ورقة عمل موضّحًا عليها الهدف والمطلوب ملاحظته في الفيديو. وبعد الانتهاء من عرض الفيديو، تتابع المعلّمة نقاش الطالبات في المجموعات، وتواصل حثّهنّ على إتاحة الفرصة لكلّ زميلة في المجموعة لتبدي رأيها - ونستخدم هنا مصطلح "أعطي المايك لكلّ زميلة" - مع اختيار طالبة في كلّ مجموعة لتُنظّم فرص المناقشة، وتوجّه تفسير الطالبات إلى النتيجة التي لاحظنها في الفيديو، وعند تطبيق الاستقصاء في المختبر. على سبيل المثال: قياس المقاومة النوعيّة لسلك فلزّيّ، تتابع المعلّمة سير العمل في المجموعات المختلفة، وتحفّز الطالبات على إتاحة الفرصة لكلّ واحدة منهنّ، للمشاركة في إحدى محاولات أخذ قراءات التجربة.

بعد ذلك توجّه المعلّمة الطالبات إلى حلّ تدريبات لقياس مدى تحقيقهنّ الهدف الأوّل في الدرس، فتطلب إلى كلّ طالبة أن تحلّ السؤال بشكل فرديّ، ثمّ توجّه الطالبات إلى تبادل دفاترهنّ من أجل توظيف تقويم الأقران. وتُقدّم التغذية الراجعة عن طريق تكليف طالبة بالإجابة عن السؤال، مع توضيح آليّة تنفيذ تقويم الأقران: تقيّم كلّ طالبة إجابات زميلتها بالقلم الأحمر، وفق الدرجات الموزّعة في نموذج الإجابة، ويُطلَب إليها وضع دائرة صغيرة على موضع الخطأ، ثمّ إعادة ورقة النشاط إليها. هذا الإجراء يتيح للجميع المشاركة في المهمّة من دون تمييز، ويغرس قيمة تقبّل النقد، وفي الوقت نفسه يوفّر دعمًا للطالبات اللواتي قد لا يستفدن من التغذية الراجعة المعروضة على اللوح باعتبارها إجابة نموذجيّة، من دون لفت انتباه الطالبات إلى الخطأ الذي وقعت فيه كلّ منهنّ.

ونسعى لمتابعة تقدّم جميع الطالبات أثناء الحصّة الدراسيّة، بإتاحة المشاركة الصفّيّة للجميع، حتّى نتمكّن من التعرّف إلى التصوّرات البديلة لدى أغلب الطالبات؛ فنقدّم الدعم اللازم إلى غالبيّتهنّ. وفي الآونة الأخيرة، أصبحنا نحقّق ذلك بتوظيف منصّة Classroomscreen، والتي تختار الطالبات للمشاركة الصفّيّة تلقائيًّا. ولأنّ بعض الطالبات يواجهن صعوبة في إدارة الوقت أثناء المذاكرة المنزليّة، ما يؤدّي إلى عدم تمكّنهنّ من دراسة المادّة العلميّة المطلوبة للاختبار النهائيّ، فينعكس ذلك سلبًا على تحصيلهنّ، نقوم بتحديد الزمن باستخدام المنصّة، لتنفيذ المهمّة الموكلة إليهنّ أثناء الحصّة، الأمر الذي يتيح لهنّ فرصة التدريب على إدارة الوقت بوضوح وانتظام. كما توظّف بعض المعلّمات منصّة "نور" – التابعة لوزارة التربية والتعليم في سلطنة عُمان – أثناء الحصّة، لإضافة شارات تعزيز للطالبات اللواتي يُظهرن تقدّمًا في سلوك داعم لزميلاتهنّ، أو في التحصيل الدراسيّ. فيما تقدّم معلّمات أخريات أشكالًا إضافيّة من التعزيز، مثل كلمات التشجيع أو بطاقات التقدير، لتوفير دعم نفسيّ ومعنويّ، يسهم في بناء مناخ تعليميّ عادل لجميع الطالبات.

 

كما نهتمّ بتقدّم جميع الطالبات في التحصيل الدراسيّ بمرور الوقت. لذلك، وبعد تنفيذ كلّ اختبار، تحصر كلّ معلّمة مستويات الطالبات في كلّ صفّ دراسيّ، ثمّ تضع خططًا علاجيّة للطالبات اللواتي حقّقن تحصيلًا دراسيًّا منخفضًا. ويُقدّم هذا الدعم بتنفيذ حصّة تقوية، أو تكليفهنّ بأنشطة صفّيّة أو لا-صفّيّة إضافيّة، أو توظيف تعليم الأقران، أو تقديم النصح والإرشاد، للكشف عن الآليّة التي تذاكر بها الطالبة لتحصل على التوجيه المناسب، أو استدعاء وليّ الأمر لمناقشة خلفيّات تحصيل الطالبة الدراسيّ. بالإضافة إلى ذلك، تُعدّ خطط إثرائيّة للطالبات المتفوّقات في المادّة الدراسيّة، عن طريق تقديم أنشطة إثرائيّة صفّيّة ولا-صفيّة، أو تكليفهنّ بتعليم أقرانهنّ.

ومن أجل تحقيق العدالة التعليميّة، نولي تقدّم الطالبات صاحبات الهمم اهتمامًا لا يقلّ عن الاهتمام بأقرانهنّ، إذ أصبحت المعلّمات يحرصن على مشاركة الطالبات من أصحاب الهمم في الأيّام العلميّة المفتوحة (يوم العلوم)، بتكليفهنّ بمهامّ يؤدّينها في ركن مخصّص ضمن الفعّاليّة، ما يمنحهنّ فرصة لتطوير مهاراتهنّ أسوة بزميلاتهنّ الأخريات.

ونسعى باستمرار لمواءمة المنهاج، بما يلبّي احتياجات جميع الطالبات ويراعي التمايز بينهنّ، وذلك عن طريق:
 (1) توظيف التطبيقات الإلكترونيّة القائمة على التلعيب في الحصّة الدراسيّة، واستخدام المنصّات التعليميّة الإلكترونيّة مثل Phet وGavalab، والتي تساعد في تجسيد المفاهيم المجرّدة، مثل إظهار شكل خطوط المجال الكهربائيّ الوهميّة التي لا تُرى بالعين المجرّدة واتّجاهها. (2) حلّ أسئلة متنوّعة في المستويات، بالإضافة إلى تكرار حلّ أسئلة من المستوى نفسه، إذ إنّ بعض الطالبات يتمكّنّ من تحقيق معايير الدرس عند تكرار الفكرة أكثر من مرّة.

 

ممارسات عزّزت العدالة التعليميّة أثناء تنفيذ الحصص الدراسيّة في مادّة الرياضيّات

تعدّ العدالة التعليميّة في مادّة الرياضيّات من أهمّ الممارسات التربويّة التي تضمن للمتعلّمة تعلّمًا شاملًا وفاعلًا، إذ إنّ لكلّ طالبة نمطًا مختلفًا في التعلّم. فبعضهنّ يتعلّمن بملاحظة المعلّمة أثناء الشرح، وأخريات بالنقاش وحلّ المسائل الرياضيّة. وفي حصّة الرياضيّات تُوفّر بيئة تعليميّة متكافئة تراعي الفروق الفرديّة، وتلبّي الاحتياجات المتنوّعة للطالبات. فعلى سبيل المثال، في التعلّم القبليّ يُختبر ما تعرفه الطالبة عن موضوع الدرس، بطرح سؤال مثل: علامَ يدلّ عنوان درسنا لليوم؟ بحيث تذكر الطالبة أيّ معلومة سابقة تتّصل بالعنوان. وفي بعض الأحيان يُربط الموضوع بواقع الحياة، فعلى سبيل المثال، في درس التمثيل بالمصوّرات للصفّ العاشر، وعند طرح السؤال، تربط الطالبات كلمة المصوّرات بمعانٍ تدلّ على الصور، ويقدّمن أمثلة مرتبطة بما تعلّمنه سابقًا.

وتكون الطالبة محور العمليّة التعليميّة في الحصّة الدراسيّة. فعند حلّ الأمثلة المرتبطة بالدرس تُفعّل استراتيجيّة الحوار والمناقشة، بحيث تُتاح للطالبات فرصة التفكير وتطبيق القواعد المرتبطة بالدرس. وتتقدّم الطالبة إلى السبّورة لتحاور زميلاتها ومعلّمتها حول طريقة حلّ السؤال، وبذلك تُراعى أنماط التعلّم المختلفة: من يتعلّمن بالحوار والنقاش، ومن يكتسبن المعرفة بالملاحظة.

كما يضمن تنوّع الأنشطة الصفّيّة اكتساب المتعلّمات للمادّة العلميّة وتحقيق الأهداف التعليميّة. فعلى سبيل المثال، في حصّة الرياضيّات تُدرج المعلّمة نشاطًا جماعيًّا وتُفعّل استراتيجيّة التعلّم التعاونيّ، بحيث تُعطي مهمّة لكلّ مجموعة مُشكّلة وفق الفروق الفرديّة، وتُنفّذ المهمّة خلال مدّة محدّدة. ويتضمّن العمل الجماعيّ المناقشة وتوضيح الحلّ لجميع أفراد المجموعة، لا مجرّد الوصول إلى الإجابة.

 

بالإضافة إلى ذلك، تُستخدم السبّورات الذكيّة المتوفّرة في المدرسة في ألعاب تفاعليّة، تُوظّف لتنفيذ استراتيجيّة التعلّم باللعب والتعلّم التقنيّ. وفي بعض الأحيان تكون اللعبة نشاطًا جماعيًّا باستخدام أجهزة الآيباد التي توفّرها المدرسة، أو نشاطًا فرديًّا تُخرج فيه المعلّمة طالبة للإجابة عن كلّ سؤال.

وفي أسئلة تفريد التعلّم، يُقسّم النشاط إلى جزأين مراعاةً للفروق الفرديّة، إذ تُعطى بعض الطالبات سؤالًا علاجيًّا، ويُقدّم إلى غيرهنّ سؤال إثرائيّ، مع منحهنّ وقتًا كافيًا للمحاولة والحلّ، من غير الإشارة إلى أنّ نوع السؤال يعتمد على مستوى الطالبة. فعلى سبيل المثال، في إحدى الحصص جرى التمييز بين السؤالين بلون الورود: الإثرائيّ بالوردة الزرقاء، والعلاجيّ بالوردة الصفراء، أو بوسائل أخرى مثل الألوان أو الرموز.

أمّا التقويم الختاميّ، والذي يُعدّ من أساسيّات دروس الرياضيّات، فتستطيع المعلّمة بواسطته التحقّق ممّا إذا كان الهدف قد تحقّق لدى جميع الطالبات. ومن الوسائل المستخدمة لهذا الغرض تذكرة الخروج، إذ تُعطى كلّ طالبة سؤالًا في ورقة مُصمّمة على شكل تذكرة سفر، مع تحديد وقت للإجابة، ثمّ تُصحّح عيّنة من الأوراق، وتُقدّم التغذية الراجعة المناسبة.

***

 

تؤدّي التقنيّات الرقميّة الحديثة وما توفّره شبكة الإنترنت الجيّدة، دورًا مهمًّا في تحقيق العدالة التعليميّة، ومراعاة التمايز بين طلبة جيل الثورة الصناعيّة الرابعة. ولذلك نختم المقال بتساؤل يستحقّ التأمّل والبحث: هل ستتمكّن السياسات التربويّة المستقبليّة من ردم الفجوات بين المدارس في مختلف ولايات السلطنة؟ وكيف يمكن تعزيز فرص التعلّم العادل، بحيث تصل الموارد والخدمات التعليميّة إلى جميع الطلبة من دون استثناء؟ هذه التساؤلات لا تمثّل نهاية النقاش، بل بداية لمرحلة جديدة من التفكير النقديّ، الساعي إلى بناء نظام تعليميّ أكثر إنصافًا واستدامة في سلطنة عُمان.

 

المراجع

- مجلس التعليم العُمانيّ. (2017). فلسفة التعليم في سلطنة عُمان.

- الأمين، عدنان. (2019). الاتّجاهات البحثيّة في المقالات العربيّة في موضوع الإنصاف في التعليم. إضافات، 45، 21- 46.