معالجة التنمّر عند الأطفال
معالجة التنمّر عند الأطفال

يبحث بعض الآباء والمدرّسين عن طرق معالجة التنمّر عند الأطفال، لما لهذا السلوك من آثار سلبيّة كبيرة في الآخرين. تتناول هذه المقالة مفهوم التنمّر وأشكاله، ومتى يعتبر السلوك تنمّرًا، وتشير إلى بعض الأسباب التي قد تدفع بالأطفال إلى التنمّر، كما تقدِّم مجموعة من النصائح والطرق والأساليب لمعالجة التنمّر عند الأطفال، سواء في المنزل أم في المدرسة.  

 

ما التنمّر؟    

التنمّر سلوك عدوانيّ متعمَّد ومتكرِّر، وينطوي على اختلال في توازن القوى، ويمكن أن يكون جسديًّا أو لفظيًّا أو نفسيًّا. وفي الوقت الذي يكون فيه التنمّر عند الأطفال الذكور باستخدام وسائل جسديّة، تتنمر الفتيات على بعضهنّ البعض غالبًا بالاستبعاد الاجتماعيّ.  

يمكن ملاحظة التنمّر عند الأطفال في المدرسة أو الشارع أو المنزل. لكن في السنوات الأخيرة، خلقت التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعيّ مكانًا جديدًا للتنّمر، والذي توسّع نطاق وصوله، حيث ظهر التنمّر عبر الإنترنت من خلال تطبيقات الهواتف الذكيّة، مثل TikTok وInstagram وSnapchat، حيث يستخدمها الأطفال لإرسال رسائل مؤذية إلى أطفال آخرين.   

 

أشكال التنمّر عند الأطفال   

يمكن أن يكون التنمّر: 

  • - جسديًّا: مثل الدفع أو اللكم أو الضرب.  
  • - لفظيًّا: مثل الشتائم أو التهديدات.  
  • - نفسيًّا وعاطفيًّا: مثل نشر الشائعات أو استبعاد شخص ما من مجموعة أو نشاط.  
  • - إلكترونيًّا: مع الاستخدام واسع النطاق لوسائل التواصل الاجتماعيّ، يمكن أن يحدث التنمّر بين الأطفال عبر الرسائل النصّيّة أو المنشورات. وهذا النوع قد يكون مؤذيًا وعدوانيًّا، وغالبًا ما تنتقل آثاره الضارة إلى المدرسة. 

 

متى يعتبر سلوك الطفل تنمّرًا؟  

غالبًا ما يتعرّض الأطفال إلى بعض المضايقات من إخوتهم أو أصدقائهم أو زملائهم في المدرسة، ولا تكون هذه المضايقات ضارّة عادةً، إذ يٌقصَد بها المزاح المتبادل. ولكن، عندما تتطوّر هذه المضايقات وتُصبح مؤذية ومستمرّة، تتجاوز مرحلة المزاح إلى التنمّر.  

لذلك، من الأهمّيّة بمكان الانتباه إلى تصرفّات الأطفال وأخذها على محمل الجدّ، وعدم تجاهل المزاح المؤذي بينهم، إذ يمكن أن تكون لهذه التصرّفات آثار خطيرة تؤثّر في الأطفال من عدّة جوانب، أبسطها فقدان الطفل الشعور بالأمان واحترام الذات، وقد تسبّب المآسي في الحالات الشديدة.  

 

أسباب التنمّر عند الأطفال   

لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار أنّ الأطفال لا يتنمرّون لأنّهم أطفال سيّئون، فهم يحاولون ممارسة عدّة سلوكيّات لا تعكس شخصيّاتهم، إنّما يستكشفون الأمور من خلال هذه التصرّفات من دون درايتهم إن كانت سيّئة أم جيّدة. يمكن أن يكونوا أطفالًا لطيفين، لكنّهم ارتكبوا بعض التصرّفات الخاطئة، والتي يجب على الوالدين أو المدرسة تصحيحها. وهناك العديد من الأسباب التي تُسهِم في تغذية التنمّر عند الأطفال. وفي ما يلي بعض منها:  

  • - مشكلات وضغوطات نفسيّة يعيشها الطفل المُتنمِّر، سواء في البيت أم المدرسة أم أماكن أخرى.  
  • - تعرّض الطفل للتخويف أو التنمّر في البيت أو المدرسة، يدفعه إلى محاولة استعادة الشعور بالقوّة، بالتصرّف بقسوة مع الآخرين والتنمّر عليهم.  
  • - عجز الطفل عن حيازة اهتمام المعلّمين أو أولياء الأمور أو زملاء الدراسة. 
  • - أن يكون الطفل أكثر حزمًا أو اندفاعًا أو قسوةً، مقارنةً بالأطفال الآخرين.  
  • - يتنمّر بعض الأطفال كي يبدوا مختلفين ومميّزين بطريقة ما، أو يشعرون أنّ لهم أهمّيّة أو شعبيّة. 
  • - ميل الطفل إلى اعتبار سلوك الأطفال الآخرين تجاهه عدائيًّا، وإن لم يكن كذلك.  
  • - يتنمّر بعض الأطفال على الآخرين أحيانًا، إذا سبق لهم أن تعرّضوا للتنمّر. فيبحثون عن ضحيّة تكون أضعف منهم جسديًّا أو نفسيًّا ومعاملتها بالمثل.  
  • - قد يشعر بعض الأطفال أنّ التنمّر سلوك طبيعيّ، لأنّهم يعيشون في أماكن يتنمّر فيها الجميع.  
  • - يمارس بعض الأطفال التنمّر من دون معرفتهم طبيعة شعور الضحيّة التي تنمرّوا عليها، ولا سيّما الصغار منهم.  

 

توعية الأطفال حول التنمّر منذ سنّ مبكرة 

يجب على الآباء توعية الأطفال حول التنمّر منذ سنّ مبكرة جدًّا، وإصلاح أيّ سلوك فيه تنمّر في المنزل. ويمكن للآباء توعية أطفالهم حول التنمّر بإخبارهم عن التصرّفات التي تعدّ تنمّرًا:  

  • - إجبار الآخرين على القيام بأشياء لا يريدون القيام بها.  
  • - ضرب أشخاص آخرين.  
  • - أخذ ممتلكات الآخرين أو إتلافها. 
  • - مناداة الأشخاص بأسماء وألقاب لا يحبّونها.  

كما ينصح الخبراء بوضع قوانين منزليّة تحدّ من تنمّر الأطفال، وذلك بعدم السماح لهم بممارسة هذه الأفعال في المنزل، والبدء بثقافة المساءلة معهم مبكرًا.   

من المهمّ أيضًا التحدّث مع الأطفال عن كيفيّة التعامل مع الآخرين، وكيف يجب أن يعاملوا الآخرين، والحرص على تعليمهم معاملة الآخرين باحترام، والتنبيه إلى أنّ معاملة شخص ما باحترام يعني عدم مناداته بأسماء وألقاب لا يرغبها أو تهديده أو ضربه. بالإضافة إلى تعليم الأطفال كيفيّة الاستماع إلى الآخرين وتقبّلهم. على سبيل المثال، إذا كان الأطفال لا يريدون اللعب معك، أو لا يرغبون في مشاركة أشياءهم، فعليك قبول ذلك.  

تعليم الأطفال عن التنمّر ليس بالأمر السهل والسريع، وقد يحتاج بعض الأطفال إلى شرح مفهوم التنمّر عدّة مرّات، ولكنّهم سيتعلّمون في النهاية. وبهذه الطريقة، عندما يحدث أيّ نوع من أنواع التنمّر، يمكن للأطفال تحديده وإيقافه، سواءً صدر منهم أم من الآخرين.   

 

معالجة التنمّر عند الأطفال في المنزل   

تكمن الخطوّة الأولى والأهمّ في معالجة التنمّر عند الأطفال في المنزل في أن يكون الطفل على دراية بتصرّفاته الخاطئة وعواقبها. ولمّا كان المنزل البيئة التعليميّة الأولى للأطفال، وجب تقديم بعض النصائح التي تساعد الآباء على معالجة التنمّر عند أطفالهم، وأهمّها: 

خلق ثقافة المساءلة في المنزل  

من أهمّ الأمور التي يجب توافرها لدى الأسرة نشر ثقافة المساءلة في المنزل. يعني ذلك أن يكون الطفل مسؤولًا أمام والديه، في كيفيّة حديثه معهما، ومع أشقّائه، ومعاملته أفراد عائلته. على سبيل المثال، يجب ألّا تُقبَل أعذار الطفل عندما يتنمّر على أشقّائه، لأنّ الأطفال المتنمّرين غالبًا ما تكون لديهم تشوّهات معرفيّة، فيرون العالم بطريقة معيّنة تبرّر التنمّر. لذلك، يجب على الآباء توضيح حقيقة الأمر لأطفالهم.  

 

تعليم الأطفال مهارات معالجة التنمّر  

يحتاج الطفل إلى تعلّم كيفيّة حلّ المشكلات الاجتماعيّة وكيفيّة التعامل مع عواطفه من دون اللجوء إلى التنمّر. يتمّ ذلك بإجراء محادثات مع الطفل حول حلّ المشكلات وكيفيّة حلّ النزاعات وإدارة العواطف. بالإضافة إلى تعليمه مهارات تسوية الأمور، وكيفيّة التضحيّة والمشاركة والتعامل مع الظلم.  

 

الاستماع الجيّد إلى الطفل وإلى المدرسة  

إذا سمع الآباء من معلّم أو من أحد الوالدين الآخرين أنّ طفلهم متنمّر، فعليهم التحدّث مع الطفل حول الموقف، وأن يستمعوا إلى كلام الطفل، حيث يمكن أن يساعد التحدّث مع الطفل عن الموقف على فهم سبب حدوث التنمّر، وما الخطوات التي يجب اتّخاذها لوقفه. ومن المهمّ أيضًا الاستماع إلى ما تقوله المدرسة عن الموضوع، وطلب أكبر قدر ممكن من المعلومات حول حوادث التنمّر. مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ بعض الأطفال قد لا يتمكنّون من توضيح سبب تصرّفهم، ولا سيّما الأطفال الأصغر سنًا، والأطفال الذين يعانون من القلق أو الصدمة أو مشكلة أخرى في الصحّة العقليّة. لذلك، إذا كنت تواجه مشكلة في الوصول إلى سبب تصرّف الطفل، يجب استشارة طبيب نفسيّ لديه خبرة في تقييم سلوكيّات الأطفال.  

 

اختيار الاستجابة المناسبة وتعليمها للطفل  

عند التحقّق من أساس المشكلة، يمكن تخصيص استجابة الآباء للتحدّيات التي يواجهها الطفل في تفاعلاته الاجتماعيّة، وذلك بمناقشة السيناريوهات التي قد يكون من الصعب عليه التعامل معها، وتوجيهها بالاستجابات المناسبة. على سبيل المثال، إذا كان الطفل يتعمّد استبعاد أحد زملائه في الفصل من النشاطات الاجتماعيّة، علّمه أنّ عليه الموافقة عندما يطلب منه أحد زملائه اللعب معه.  

 

تطبيق عقوبات هادفة  

يمكن أن تكون العقوبات على سلوك التنمّر فعّالة في معالجته عند الأطفال، ولكن يجب أن تكون ذات مغزى ومحدودة النطاق. على سبيل المثال، إذا اكتشفت أنّ الطفل يمارس التنمّر عبر الإنترنت، يجب أن تقابل أفعاله بحرمانه من استعمال الإنترنت أو الهاتف.  

 

تصحيح السلوك الخطأ 

عندما يهدأ الطفل ويستعيد امتيازاته التي حُرِم منها، يكون على والديه أن يشرحوا له خطورة الخطأ الذي ارتكبه وضرورة إصلاحه، ثمّ اقتراح مجموعة خيارات يُصلِح الطفل بها سلوكه السيّئ. على سبيل المثال، قد يختار الطفل الاعتذار عبر رسالة نصّيّة، ويمكن أن تكون الإصلاحات بطرق مختلفة.  

 

مراقبة تصرّفات الطفل  

تابع حال طفلك مع المعلّمين بانتظام وقدّم الكثير من الثناء عندما يكون سلوك الطفل جيّدًا. وقد يكون من الصعب مراقبة التنمّر عبر الإنترنت، لأنّه لا يحدث على مرأى من الجميع، لكن إذا كان الطفل قد تنمّر على أطفال آخرين عبر الإنترنت، يجب على الآباء تحصيل كلمات مرور حساباته على وسائل التواصل الاجتماعيّ، والتحقّق منها بانتظام للتأكّد من استخدامه لها استخدامًا لطيفًا. 

 

طلب المساعدة  

إذا كان الوالدان يعملان باستمرار على تعديل سلوك الطفل ولم يتوقّف التنمّر، يجب عليهما اللجوء إلى مختصّين، إذ قد يحتاج الطفل إلى مساعدة المعالج للتغلّب على المشكلات الأساسيّة.  

 

معالجة التنمّر عند الأطفال في المدارس   

يجب توعية الأطفال بموضوع التنمّر في المدرسة، بدءًا من رياض الأطفال، ومرورًا بالمدرسة الابتدائيّة والإعداديّة، وانتهاءً بالثانويّة، لأنّهم بحاجة إلى تعلّم ما يعنيه التنمّر وكيفيّة التعامل معه. وإذا لم يتمّ ذلك في المدارس، سيشعر الذين يتعرّضون للتنمّر منهم بأنّهم ليسوا في بيئة آمنة. كما يجب أن يتعلّم الأطفال كيفيّة التعامل مع دوافعهم والتحكّم بأنفسهم، عندما يريدون ضرب الآخرين أو إيذاءهم أو تخويفهم. علمًا أنّه ما لم يكن هناك جهد متضافر لمعالجة التنمّر عند الأطفال في المدرسة، فلن يتغيّر شيء. وفي ما يلي بعض الأساليب التي يمكن للمدرسة اتّباعها لمعالجة التنمّر:  

مراقبة الأطفال وملاحظة أيّ تصرّفات خطأ 

على الرغم من أنّ التنمّر عند الأطفال يحدث في أغلب الأحيان في الحمّامات والملاعب والممرّات المزدحمة والحافلات المدرسيّة، أو عبر الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب، حيث تكون المراقبة محدودة أو غائبة، إلّا أنّه تجب مراقبة الأطفال جيّدًا وأخذ التنمّر على محمل الجدّ. وإذا لاحظ المعلّم التنمّر في الفصل الدراسيّ، يجب عليه التدخّل فورًا لإيقافه وإبلاغ مدير المدرسة، حتّى يُتعامَل مع الحادث.  

 

إشراك الطلّاب وأولياء الأمور  

يجب أن يكون الطلّاب وأولياء الأمور جزءًا من معالجة التنمّر عند الأطفال في المدرسة. ويمكن للطلّاب إبلاغ المعلّمين أو الإداريّين إذا شاهدوا أحد زملائهم يتعرّض للتنمّر. ويمكن للآباء والمعلّمين ومديري المدارس مساعدة الطلّاب الأكبر سنًّا على الانخراط في سلوك إيجابيّ، وتعليمهم مهارات كيفيّة التدخّل عند حدوث التنمّر. يمكن للطلاب الأكبر سنًّا أن يكونوا موجّهين، فيبلِغون الطلّاب الأصغر سنًّا بالممارسات الخطأ والصحيحة.  

 

وضع قوانين وتوجيهات تمنع التنمّر  

يجب أن توفّر المدارس للطلّاب بيئة تعليميّة آمنة. لذلك، على المعلّمين والمدرّبين تذكير الطلّاب باستمرار بأنّ التنمر غير مقبول في المدرسة، وأنّ مثل هذه السلوكيّات لها عواقب. كما أنّ إنشاء وثيقة لمكافحة التنمّر وجعل الطلّاب وأولياء الأمور يوقّعون عليها، يساعد الطلّاب على فهم خطورة التنمّر.   

 

أقرأ أيضًا

المشكلات الأسريّة وأثرها في الأبناء | منهجيات - نحو تعليم معاصر (manhajiyat.com)

مشكلات المراهقين النفسيّة وكيفيّة التعامل معها | منهجيات - نحو تعليم معاصر (manhajiyat.com)

 

المراجع