محدّدات الشمول وإمكانات التشخيص في منهاج اللغة العربيّة للمرحلة الثانويّة
محدّدات الشمول وإمكانات التشخيص في منهاج اللغة العربيّة للمرحلة الثانويّة
لغزال بلعيد | مفتّش تربويّ وطالب باحث بكلّيّة علوم التربية بالرباط- المغرب

ينطلق هذا المقال من فرضيّة أساس، تتّضح في الدفاع عن قيمة عمليّة تخطيط المناهج التربويّة وتصميمها في أجرأة التعليم الشامل، وتنزيله على مستوى المداخل والمحتويات، وأشكال التقويم وطرائق التدريس وأساليبه. وتتيح المناهج المرنة والمتكاملة تحقيق شروط التعليم الشامل في أبعادها المختلفة، وتمكّن المدرّسين من التصرّف في المحتويات وتدبيرها، بما يتلاءم وطبيعة الاختلافات الاجتماعيّة والعرقيّة والثقافيّة واللغويّة للمتعلّمين. ولتقريب عناصر هذا الافتراض، نقترح مسحًا لمنهاج المرحلة الثانويّة التأهيليّة في المغرب. وفي المقابل تطرح المناهج التقليديّة عوائق مختلفة المستويات معرفيًّا وتدبيريًّا، وما يترتّب على هذه المسألة من إقصاء قاعدة مهمّة من المتعلّمين من تعليم شامل، يلبّي رغباتهم ويراعي تبايناتهم المختلفة المجالات. وسنسعى لرصد هذه العناصر بالاشتغال على منهاج اللغة العربيّة للمرحلة الثانويّة.  

 

التعليم الشامل والتقاطعات المنهاجيّة المفترضة  

يرتبط مفهوم التعليم الشامل بضمان حقّ كلّ المتعلّمين في تعليم متساوي الفرص والمحتويات، من دون ميز وتفضيل. ويُعدّ مفهوم التعليم الشامل محطّة أساسيّة لترسيخ مفهوم التعليم للجميع. ويقود المفهوم في مستوى آخر، إلى ضرورة الاستثمار الأمثل في تخطيط مناهج تحقّق غايات التعليم الشامل ومراميه، وتساعد في تجاوز الأحكام المسبقة والأفكار النمطيّة المستندة إلى الانتماء الطبقيّ، والموقع الثقافيّ، والمرجعيّة الدينيّة، والقدرات الاقتصاديّة (أنطونينيس، 2020). وتؤكّد هذه العناصر على أنّ طرح فكرة التعليم الشامل تصطدم بعقبات مادّيّة وثقافيّة ورمزيّة، لكنّ تقليص مجالات هذه العقبات، لا يعني بالضرورة القضاء على الخصوصيّات التي تميّز كلّ فرد ثقافيًّا واجتماعيًّا ودينيًّا. وتسهم المناهج التربويّة المعتمد عليها في مجموعة من الدول في تحقيق التعليم الشامل، استنادًا إلى ما تتضمّنه من محتويات وأنشطة تقوم عليها مكوّناتها المختلفة، من مداخل ومحتويات وأهداف. فالافتراض الأساس في هذا المقام يقوم على استحضار فعّاليّة هذه العناصر، من حيث تكاملها ورابطها وانسجامها مع الهدف العامّ القائم على التعليم الشامل. ومنه سنتطرّق إلى موجّهات أساسيّة تتحكّم في أجرأة مفهوم التعليم الشامل، منها طبيعة المناهج التربويّة، وحدود مراعاتها للفروقات والاختلافات الصفّيّة.   

 

محدّدات التعليم الشامل في المنهاج 

وتظهر بعض محدّدات التعليم الشامل على مستوى المنهاج المدرسيّ المغربيّ للمرحلة الثانويّة، في اعتماد محدّدات المصدر الفلسفيّ القائم على العناصر الآتية:  

- تكامل المرجعيّات الثقافيّة والهويّاتيّة وتداخلها: تظهر هذه الفكرة في قدرة المنهاج ومحتوياته في السلك الثانويّ التأهيليّ، على تقديم نصوص مختلفة المرجعيّات، وبحمولات ثقافيّة مختلفة، تنطلق أوّلًا من التصوّر التحقيبيّ القائم على تصنيف النصوص الشعريّة لمراحل شعر القيم، من الجاهليّ وصولًا إلى العباسيّ، ثمّ تيّارات الشعر العربيّ الحديث، وما تتضمّنه هذه النصوص من حمولات ثقافيّة وموضوعات شعريّة، ذات طابع اجتماعيّ وثقافيّ متنوّع. وتمكّن هذه المدوّنات الشعريّة المتعلّمين من التفاعل مع مختلف الأنساق الثقافيّة، وتعزّز لديهم قيم قبول الاختلاف والتفاعل الإيجابيّ مع الغير، باعتباره هويّة مختلفة لا مخالفة. وتتأكّد هذه العناصر انطلاقًا من تصريح التوجيهات التربويّة بمركزيّة القيم، وتحويلها إلى سلوكيّات واقعيّة في إطار التفاعل الإيجابيّ والبنّاء مع المحيط الاجتماعيّ والبيئة والموروث الثقافيّ، والتشبّع بروح الحوار والتسامح واحترام الحقّ في الاختلاف ​(مديريّة المناهج، 2007). 

- العمل على تعزيز القيم الكونيّة: يتّضح هذا المنحى في أنّ منهاج هذه المرحلة التعليميّة، على الرغم من اعتماده على نصوص مرتبطة بتاريخ الأدب العربيّ والنقد - قديمه وحديثه - يجعل من هذه النصوص والمدوّنات النقديّة منطلقًا لانفتاح المتعلّم على مختلف التيّارات الفكريّة، ودفعه إلى استكشاف المبادئ والنظم الثقافيّة المتعدّدة. ومن ناحية أخرى، تراهن هذه النصوص على تنمية القدرات الفكريّة للمتعلّم في التعامل مع العالم، وفهمه وتأويله وفق مبادئ الاختلاف والتعدّديّة الثقافيّة والمجتمعيّة في مستوياتها المتنوّعة. ولا يقتصر هذا التصوّر على اعتماد المنهاج المغربيّ في هذه المرحلة على مدخل القيم فحسب، بل يشتغل بديناميّة إلى جانب مدخلين أساسيّين: المدخل القائم على الكفايات، والمدخل القائم على التربية على الاختيار.  

- استثمار المحدّد البيداغوجيّ: يظهر في اعتماد منهاج التعليم الثانويّ التأهيليّ على موجّهات نظريّات التربية الحديثة، مثل البيداغوجيّة التي تقوم على تفريد التعلّمات وتفريقها، وفق ما يميّز المتعلّمين من اختلافات ثقافيّة وتربويّة وفرديّة، سواء كانت وجدانيّة أو عقليّة أو جسديّة ​(مديريّة المناهج، 2007)​. وفي هذا السياق، نستحضر التصوّر الدامج للتربية المعتمد في المدرسة المغربيّة، والذي لا يبدو حضوره قويًّا في ممارسات التدبير والتدريس، بقدر ما يظهر في عمليّة التقويم التربويّ، والتي تقتضي اعتماد نموذج الاختبار المُكيّف، الموجّه للمتعلّمين ذوي القدرات أو الاحتياجات الخاصّة. إذ يعمل المدرّسون على تكييف الوضعيّات الاختباريّة، بما يتلاءم مع طبيعة الإعاقة التي يعانيها المتعلّم، سواء في الاختبارات المنجزة خلال الموسم الدراسيّ، أو في الاختبارات النهائيّة التي تُجرى في نهاية كلّ مرحلة دراسيّة ضمن مجالات الإشهاد.  

 

مناسبة أسس المنهاج ورهان التعلّم الشامل  

يقتضي تحقيق أهداف التعلّم الشامل بناء منهـاج دراسيّ، يستجيب لمتطلّبات المتعلّمين وفوارقهم الفرديّة. ولضمان تحقّق هذه الغاية، لا بدّ من استحضار طبيعة الهندسة المنهاجيّة المعتمَد عليها في هذا السياق، والتي تركّز على العمليّات الأساسيّة للمنهـاج، ومنها عمليّة التخطيط. إذ يقتضي المنهـاج الشامل مراعاة مختلف المداخل، عند وضع محتوياته وأنشطته وأشكال التقويم وطرائق التدريس، مع عدم إغفال المفهوم الناظم للمنهـاج، بوصفه نظامًا يقوم على عناصر ومكوّنات مترابطة ومتشابكة ومتفاعلة، بحيث يؤثّر كلّ مكوّن في بقيّة المكوّنات. وينتج عن تبنّي مفهوم المنهـاج المتكامل استحضار باقي المنظومات المرتبطة به، مثل منظومة التربية ومنظومة المجتمع، بما فيها من علاقات وتداخلات. وتمكّن هذه العناصر، في تكاملها، من تحقيق أهداف المنهـاج الشامل ضمن تصوّر استراتيجيّ، يؤطّر عمليّتَي التعليم والتعلّم، ويستهدف مختلف الفئات.  

 

ولضمان فعّاليّة المنهاج المحقّق لغايات التعليم الشامل، لا بدّ من التدقيق في أدوار مختلف المتدخّلين في تنفيذ المنهاج ووظائفهم. ويعتمد هذا التصوّر على تدقيق الأدوار والوظائف التي تخصّ كلًّا من المعلّم والتلميذ، وانتقاء المحتويات التي تساعد في ضمان مرونة تنزيل المنهاج وتقييمه الفعّال والموضوعيّ، ومناسبة الأهداف لقدرات المتعلّمين، وإعمال آليّة التأكّد المستمرّ من اكتساب المتعلّمين للمعلومات والمهارات والاتّجاهات والقيم التي تناسب الأهداف الموضوعة. وينتج عن تحقّق هذه الأهداف تعزيز مدخلات المنهاج على مستوى العمليّات، أمّا إذا لم تتحقّق، فلا بدّ من إعادة النظر في العمليّات أو المدخلات، وتعديلها وتحسينها​ (العرنوسي وجبر، 2015)​. ويواجه المتدخّلون في عمليّة تنزيل المناهج، في هذا السياق، جملة من العقبات التي نقصرها في محدّدات منهاجيّة، منها:  

- ضعف مبدأ الشموليّة في ما يخصّ توصيف حدود العلاقة والتواصل بين المتعلّم والمدرّس، يؤدّي في بعض الأحيان إلى تداخل الأدوار، وتغييب مبادئ الحوار والتواصل الناجع. وقد يكرّس هذا الضعف سلطة المدرّس في تدبير جوانب المنهاج المضمونيّة ومحدّداته القيميّة، فتُحصر عمليّة التعلّم ضمن مجال التلقين والتأويل الذاتيّ للمدرّس لما يجب أن يتملّكه المتعلّم.  

- انحصار مخرجات المنهاج في التمكّن المعرفيّ، من دون تمكين المتعلّمين من مهارات وسلوكيّات تساعدهم في التعامل مع الاختلاف والتنوّع في علاقتهم مع الآخرين، سواء على مستوى القيم أو اللغة أو المعتقد.   

- انعكاس الطابع النمطيّ لمدخلات المنهاج، والذي يتّسم بضعف قابليّته للتجريب والتفاوض، على طبيعة التغذية الراجعة التي تسهم في ملاءمة مدخلات المنهاج وعمليّاته لتمايزات المتعلّمين واختلافاتهم، وقدراتهم التي تناسب كلّ عنصر من عناصر المنهاج.  

 

وتظهر بعض المجالات التي تحول دون تحقّق موجّهات مفهوم الشمول على مستوى منهاج اللغة العربيّة في المرحلة الثانويّة، في نسبيّة التدقيق في أدوار المتعلّمين والمدرّسين على مستوى الوثائق المنظّمة لعمليّة تخطيط مكوّنات اللغة العربيّة وتدبيرها وتقويمها في وثيقة التوجيهات التربويّة؛ إذ يتركّز الاهتمام أساسًا على الخطوات الإجرائيّة لتدريس المادّة، واعتماد مفهوم القراءة المنهجيّة، بوصفه مفهومًا منظّمًا لعمليّة تدريس النصوص القرائيّة​ (مديريّة المناهج، 2007)​. وقد أفرز تدبير النصوص القرائيّة - لمركزيّتها في منهاج اللغة العربيّة - اعتماد القراءة المنهجيّة تنميط عمليّة إقراء النصوص وإفهامها وتفكيكها، وأسهم ذلك في جعل القراءة المنهجيّة للمدوّنات الأدبيّة والنقديّة غاية وهدفًا لعمليّة التدريس، لا آليّة مساعدة في ربط المتعلّم بواقعه وبالتحوّلات الثقافيّة والاجتماعيّة، ولا في مراعاة الاختلافات الهويّاتيّة والفرديّة للمتعلّمين. ومن ناحية أخرى، تظهر عمليّة الانفصال بين المكوّنات المقرّرة، مثل المكوّن الكتابيّ ومكوّن علوم اللغة ومكوّن المؤلّفات، إذ تقتصر مجالات استثمار مخرجات هذه المكوّنات على تفكيك النصوص والتعرّف إلى بنيتها، من دون تفعيل غايات أخرى، لا سيّما الغايات التواصليّة.  

 

كيف يمكن للمنهج أن يساعد في التعليم الشامل؟  

ونقترح في هذا السياق جملة من الموجّهات، والتي من شأنها أن تحقّق مجالات أشمل للتداخل والتفاعل بين مداخل المنهاج المختلفة، مع اعتبار أنّ تصميم هذه المداخل يقتضي خضوعها لمبدأ المرونة والقابليّة للتعديل، في ارتباطها بالتغيّرات المجتمعيّة والتحوّلات الثقافيّة، وبما يجعلها مواكبة لمتغيّرات المجتمع والبيئة الصفّيّة. كما تقدّم التصوّرات السوسيوبنائيّة مقترحات عمليّة لتحقيق فعّاليّة التداخل بين مصادر تخطيط منهاج اللغة العربيّة، إذ تصبح المعارف والمحتويات حاضرة بقوّة في الفعل التربويّ، ويبقى للمتعلّم موقعه ضمن سياق انتمائه الاجتماعيّ والثقافيّ​ (Désautels & Larochels, 2004)​، بما يعكس كفاياته المدرسيّة، وقدرته على التفاعل مع الاختلافات الثقافيّة والهويّاتيّة.  

 

وفي مستوى آخر، يقتضي التدقيق في أسس المنهاج ومرتكزاته استحضار تنوّع مصادر المعرفة، بين معرفة تقوم على الحواسّ، وأخرى قائمة على العقل، وأخرى تعتمد على الحدس، إضافة إلى الثقافة والتقاليد، بدل الاعتماد على معارف تقوم على العقل فقط، من دون تفصيل في طبيعة القدرات العقليّة التي تميّز كلّ متعلّم عن الآخر. ونؤكّد في السياق ذاته على ضرورة تدقيق أدوار المتدخّلين في العمليّة التربويّة، خصوصًا ما يرتبط بالمدرّس؛ إذ إنّه ليس مجرّد ناقل للمعرفة، بل يمثّل نسقًا من القيم والاتّجاهات حول طبيعة المتعلّم وقدراته، وطبيعة الإطار الاجتماعيّ ومتطلّباته وتوقّعاته​ (العرنوسي وجبر، 2015)​، مع ضرورة استحضاره لطبيعة التفاعلات التي تحدث بين المتعلّم والمجتمع والمادّة التعليميّة، ومدى مناسبتها لقدرات الفرد وتطلّعاته، ومكتسباته الفرديّة والثقافيّة والاجتماعيّة.   

*** 

أضحت التربية الحديثة متمركزة حول المتعلّم باعتباره ذاتًا لها خصوصيّاتها الثقافيّة واللغويّة والجسديّة، وما يقتضيه هذا الاعتبار من جعل العمليّة التعليميّة مجالات لتفعيل قيم التكافؤ والمساواة، بعيدًا عن كلّ أشكال الميز. ولعلّ تصميم مناهج للتربية وتخطيطها، يقتضي استحضار نموذج أوّليّ ثابت للتعليم الشامل، تنبني عليه مداخل المنهاج وأسسه النفسيّة والاجتماعيّة والفلسفيّة والفكريّة. كما يقتضي نموذج الشمول، في هذا السياق، تجاوز مفهوم النمطيّة، واعتبار مفهوم الاختلاف مرادفًا للأصالة والتميّز، بما يعزّز فاعلية مخرجات المناهج التربويّة.  

 

​​المراجع  

- ​أنطونينيس، مانوس. (2020). التعليم الشامل للجميع: الجميع بلا استثناء. منظّمة العالم الإسلاميّ للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو).   

- ​العرنوسي، ضياء، وجبر، سعد. (2015). المناهج: البناء والتطوير. دار الصفاء للنشر والتوزيع.   

- ​محمّد، طاهر. (2011). أسس المناهج المعاصرة (الطبعة الأولى). دار الميسرة للنشر والتوزيع.   

- ​مديريّة المناهج. (2007). التوجّهات التربويّة والبرامج الخاصّة بتدريس مادّة اللغة العربيّة بسلك التعليم الثانويّ التأهيليّ. وزارة التربية الوطنيّة والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلميّ. المغرب.