مبدأ التحسين المستمرّ (Kaizen) وأهمّيّته في بناء نظام الجودة في المؤسّسات التعليميّة
مبدأ التحسين المستمرّ (Kaizen) وأهمّيّته في بناء نظام الجودة في المؤسّسات التعليميّة
حرز الله محمّد لخضر | أستاذ وباحث أكاديمي متخصص في إدارة الموارد البشرية -الجزائر

يعدّ تحقيق معايير الجودة الشاملة في المؤسّسات التعليميّة مطمحًا استراتيجيًّا للنهوض بالمنظومة التعليميّة. وفي هذا السياق، يُعتبر مبدأ التحسين المستمرّ، كمنهجيّة عمل وثقافة تنظيميّة، من أنجع الأساليب التدريبيّة، ولا سيّما مع سرعة التحوّلات التكنولوجيّة وحركة الإبداع والتطوير الشامل. كما يُمثِّل العامل المحوريّ في بناء نظام الجودة الشاملة في المؤسّسات التعليميّة، إذ ينطلق من فلسفة مفادها أنّ القدرات والأفكار والإبداعات البشريّة متجدّدة باستمرار، نظرًا إلى طبيعة العقل البشريّ الحيويّ، ولا تقف عند حدود زمنيّة ومكانيّة معيّنة. تتحقّق فعاليّة التنظيم وتزداد تنافسيّته، بقدر الاستثمار بهذه القدرات، ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلّا بإيلاء العناية الكاملة بالموارد البشريّة، وذلك بالاستثمار في التدريب والتكوين، تمويلًا وتطويرًا وتمكينًا.

يأتي في صدارة ذلك، بالنسبة إلى مؤسّسات التعليم، الاهتمام بهيئة التدريس والفريق الإداريّ، إذ يجب العمل على تعزيز كفاءاتهم التعليميّة والتنظيميّة، ليكونوا موارد معرفيّة وفكريّة تسهم في صناعة التميّز، عبر تكثيف برامج تنمية الموارد البشريّة وتنويعها.

 

حول مفهوم التحسين المستمرّ (Continuous Improvement)

يعتبر التحسين المستمرّ أحد أهم مبادئ إدارة الجودة الشاملة التي جاءت بها المدرسة اليابانيّة في الإدارة، فهو يُمثِّل جوهر فلسفتها في التطوير وبناء القدرات الابتكاريّة للموارد البشريّة. ويُعَرِّفُ Brown وMarshall التحسين المستمرّ بأنّه: "تحسّن تدريجيّ متزايد للعمليّة القائمة، والتركيز على فعل الشيء الصحيح بشكل صحيح ومنذ المرّة الأولى، ووقوع المسؤوليّة على جميع الموظّفين، وليس على الإدارة وحدها" (حوامدة وبني أحمد، 2015، ص 103). كما عرّف Deming التحسين المستمرّ بأنّه: "فلسفة تتكوّن من مبادرات تزيد النجاح وتخفض الفشل، وأنّه عمليّة واسعة النطاق من التركيز والابتكار المستمرّ والتدريجيّ" (حوامدة وبني أحمد، 2015، ص 103).

التحسين المستمرّ فلسفة إداريّة، يقوم عمودها الفقريّ على نشر ثقافة التحسين والمبادرة والتجديد والإبداع والإثراء والتطوير لكلّ النشاطات والمهمّات التي يؤدّيها الموظّفون داخل المنظّمة، وذلك بتشجيع القيادة الإداريّة عن طريق التحفيز الماديّ والمعنويّ. يكمن هدف ذلك في استثمار المعرفة الضمنيّة المُكتنَزة لدى العاملين، والإفادة من ملاحظاتهم، لتحسين ظروف العمل وإنجاز المهمّات على أحسن وجه، في سبيل تحقيق أقصى الإفادات والوصول إلى وضع نظام جماعيّ للجودة داخل المنظّمة.  

 

يرتبط مفهوم التحسين المستمرّ بالكلمة اليابانيّة الشهيرة "Kaizen"، والتي تشير إلى المدلول نفسه، حيث تنقسم الكلمة إلى جزأين: "Kai"، وتعني جيّدة ومستمرّة، و"Zen"، وتعني الحكمة والتغيير والتحسين. وبالتالي، يمكن ترجمة "Kaizen" بأنّها "تغيير جيّد"، أو "تغيير للأفضل"، أو "تحسين مستمرّ" (Medinilla, 2014).

يمثّل مبدأ التحسين المستمرّ فلسفة الجودة الشاملة والأساس الفكريّ الذي تقوم عليه، والذي يرتبط بتطوير ممارسات جديدة وإيجابيّة للموارد البشريّة، تؤثِّر في تحسين العمليّات والقوانين والإجراءات التنظيميّة كافّة. "يقدِّم هذا المنهج في الأداء أساسًا حقيقيًّا وجوهريًّا للتقدِّم والنجاح، وذلك إذا ما لازمه مجهود مناسب لإدارة الموارد البشريّة" (جاد الرب، 2009، ص 433)، لأنّ مردّ كلّ تحسين في المنظّمة هو التميُّز المهاريّ والتطوّر الفكريّ والمعرفيّ للعنصر البشريّ. 

 

عوامل تمكين مبدأ التحسين المستمرّ في المؤسّسات التعليميّة

تسعى المنظّمات الرائدة في الدول المتقدِّمة إلى تنمية مواردها البشريّة والاستثمار فيها، باتّباع النشاطات الآتية:  

  • المواءمة الاستراتيجيّة لسياسات إدارة الموارد البشريّة. 
  • التواصل الفعّال. 
  • تمكين الموظّف ومشاركته. 
  • التدريب والتطوير. 
  • الفِرَق والعمل الجماعيّ. 
  • المراجعة والتحسين المستمرّ (Oakland, 2003).

من أجل نجاح سياسة التحسين المستمرّ، يجب العمل على خلق بيئة وظيفيّة تمكينيّة، تتميَّز بالفاعليّة والقدرة على إطلاق المبادرات وحرّيّة التفكير والتشاركيّة في الرأي والقرار، وإرساء قيم تنظيميّة قائمة على مؤشِّرات الجودة. عبّر (Nair (2017 عن ذلك بقوله: "مبدأ Kaizen ليس مبادرة محدودة زمنيًّا بهدف أو بموعد نهائيّ، بل هو مسار لمدى الحياة من البحث والتفكير والتعلّم والتحسين... ومن أجل إطلاق العنان لـ Kaizen، تجب مراعاة العديد من عوامل التمكين، بما في ذلك الرؤية طويلة المدى، وتعاون كلّ شخص في المنظّمة، ووضع قيمة العميل والجودة في المقام الأوّل، واتّخاذ منظور النظام بأكمله (مدخل النظم)، وتعزيز الشجاعة والشفافيّة.

وفي الحديث عن المؤسّسات التعليميّة، يجب أن تشمل سياسة التحسين المستمرّ جميع المستويات الوظيفيّة في المؤسّسة، ولا سيّما الفريق الإداريّ وهيئة التدريس التي تُعتبر من أَوْلَى الفئات المهنيّة المعنيّة بتطوير مهاراتها التعليميّة والوظيفيّة وترقيتها باستمرار. ينبغي أن يكون المعلّم خبيرًا بمتغيّرات عصره، وساعيًا إلى تنمية معارفه وتجديدها، وماهرًا ومُتحكِّمًا بلغة العصر وتقنيّاته، وفق المستوى الذي يجعله قادرًا على أداء مهمّاته بالكفاءة المطلوبة.        

 

"ففي جميع أنظمة التعليم، يعدّ أداء الأساتذة أحد العوامل الأساسيّة التي تحدّد فعاليّة المؤسّسات التعليميّة ونتائج التعلّم... ولكي يحافظ الأساتذة على مستوى عالٍ من الأداء المهنيّ في ظلّ هذه الظروف، يجب عليهم تحمّل المسؤوليّة الشخصيّة عن أدائهم ونموّهم وتطوّرهم. فالأساتذة هم العنصر الأكثر أهمّيّة في أيّ نظام تعليميّ، ويعتمد مدى جودة تعليمهم على الدافع والمؤهِّلات والخبرة والتدريب والاستعداد، ومجموعة من العوامل الأخرى، ليس أقلّها البيئة وهياكل الإدارة التي يؤدّون دورهم فيها" (مليكة، 2017، ص 97).  

وعليه، لا بدّ من مراعاة مجموعة من العوامل والمقوِّمات التي تُرسي دعائم التحسين المستمرّ داخل المؤسّسة، ومن أهمّها: 

  1. دعم الإدارة العليا لفلسفة التحسين المستمرّ وتشجيعها بمنح الحوافز الماديّة والمعنويّة، وكلّ متطلّبات نجاح جهود التحسين المستمرّ، إذ لن يُكتَب لها النجاح من دون ذلك.
  2. تبنِّي منهجيّة للتحسين المستمرّ، تضمن كفاءة عمليّات التحسين وفعاليّتها.
  3. ضرورة بناء ثقافة منظَّمة، تتّجه نحو التحسين المستمرّ وتفي بمتطلّباته، مع ضرورة ربطها بتحسين أداء العمليّات. 
  4. توفُّر نظام اتّصال فعّال حقيقيّ ومفتوح في جميع الاتّجاهات، مبنيّ على تحديث المعلومات وتنوّع أساليب الاتّصال الحديثة، فيسهم في تثمين التحسينات والتطوّرات المُحقَّقة على مستوى الأداء والعمليّات (حوامدة وبني أحمد، 2015).

من هنا، تظهر "أهمّيّة أن تضع المؤسّسات التعليميّة معايير للبرامج، وذلك لتحديد أوجه القصور وإجراء التعديلات عبر التقييم المستمرّ. يهدف التحسين المستمرّ إلى تجويد الخدمات والمنتجات بما في ذلك أعضاء الهيئة التدريسيّة، والمساقات والبرامج والمناهج والاختبارات... كما أنّ التطبيق الناجح للتحسين المستمرّ يتطلّب تغييرًا ثقافيًّا ومشاركة واسعة من أعضاء هيئة التدريس والطلبة في نشاطات التقييم المتنوّعة والاجتماعات المتكرّرة" (Dahlgaard, et. al., 2007, p: 8). فالتحسين المستمرّ يشمل الإجراءات والمهمّات الإداريّة والتعليميّة كافّة وفي المستويات جميعها. يعني ذلك أنّ على القيادة الإداريّة أن تُحسِن إدارة التغيير وتُشرِك جميع الفئات المهنيّة في خطّة التحسين على مستوى الاقتراح والتنفيذ والتقييم، حتّى تشعرهم بالمسؤوليّة في تحمّل مهمّة التغيير، وليتشارك الجميع في إنجاح الخطّة ويصبحوا سندًا داعمًا لها.

 

المبادئ الـ14 لإرساء نظام الجودة والتحسين المستمرّ عند ديمنغ

قدّم الخبير في نظام الجودة الشاملة إدوارد ديمنغ (1900-1993)، رؤية متكاملة لإرساء نظام الجودة وتحسين مستوى أداء المؤسّسات، تمثّلت في 14 مبدأ كلّيًّا. قد تساعد هذه المبادئ المديرين وصنّاع القرار في قطاع التعليم على رسم استراتيجيّات فعّالة يُهتدَى بها، كمؤشِّرات ضابطة للفكر والعمل، من أجل تحقيق الجودة في المؤسّسات. أمّا المبادئ الأربعة عشر، فهي: 

  1. ضرورة تحسين أنظمة العمل (التخطيط والإنتاج والخدمة) والخدمات تحسينًا مستمرًّا. 
  2. التركيز على أهمّيّة القيادة الهادفة.
  3. تقليل الحواجز بين الأقسام والإدارات وبين القيادة والموظّفين. 
  4. استخدام التدريب لتنمية المهارات، واتّباع الأساليب الحديثة للتدريب على الوظيفة. 
  5. استخدام المنهجيّة العلميّة.
  6. إشراك كلّ فرد في تنظيم عمليّة التحويل والتطبيق لمفهوم الجودة الشاملة.
  7. ضرورة إدخال التغيير وتبنّي الفلسفة الجديدة، إذ نحن في عصر اقتصاديّ جديد. 
  8. إيجاد علاقة طويلة الأمد مع الموظّفين.
  9. تشجيع الاتّصال الفعّال ثنائي الاتّجاه، بين القائد التربويّ والموظّفين، لإزالة الخوف لدى فريق العمل وجميع العاملين في المنظّمة. 
  10. التخلّي عن التفتيش الشامل لتحقيق الجودة، والتوقّف عن تهديد العاملين. 
  11. التزام الإدارة العليا الدائم بتحسين الجودة والإنتاجية باستمرار. 
  12. وضع برنامج تعليميّ قويّ وتشجيع الجميع على تطوير الذات.
  13. إعطاء الفرص لرفع روح فريق العمل المعنويّة.
  14. تجنّب التعارض بين الأهداف ووضع أهداف واضحة وثابتة (Dahlgaard, et. al., 2007)

ركّزت هذه المبادئ على مجموعة من المؤشّرات المهمّة في بناء المنظّمات الحديثة وتحقيق فعاليّتها، وهي ذات علاقة مباشرة بضمان الجودة في مؤسّسات التعليم. 

 

وفي الإطار ذاته، نبّه ديمنغ إلى أهمّيّة دور القيادة الإداريّة، حيث أكّد على ضرورة انفتاحها على الموظّفين، والحرص على إقامة علاقات طيّبة معهم، ترتكز على الثقة واحترام القانون ومراعاة العلاقات الإنسانيّة. كما أكّد على أنّ العلاقة مع الموارد البشريّة يجب أن تقوم على: المشاركة والاتّصال الفعّال، وذلك بوضع نظام أفقيّ يشمل اتّجاهات الاتّصال المؤسّساتيّ جميعها؛ وتكامل أهداف المؤسّسة ووضوحها، وعدم تناقضها مع واقع العمل أو أهداف الموظّفين. وفي ذلك أكّد على أهمّيّة التدريب كعنصر فعّال في عمليّة تحديث المهارات، وإثراء المناخ التنظيميّ بالأفكار والقيم الجديدة والإيجابيّة، فضلًا عن تحفيز الموظّفين بتشجيع المبادرات والنقد البنّاء. 

بالإضافة إلى ما سبق، أشار ديمنغ إلى قضيّة تنظيميّة مهمّة ترتبط بالمهارة القياديّة، وهي تجنّب الأساليب القهريّة والتهديديّة، والتأكيد على تنمية أسلوب الرقابة الذاتيّة عند الموظّفين. الأمر الذي يسهم في تحقيق ما يسمَّى في علم التنظيم "بالأمن الوظيفيّ" الذي يمثّل البيئة المثاليّة لتفجير الإبداعات، وخلق الولاء والانتماء التنظيميّ. 

* * *

بناءً على ما تقدّم، نجد أنّ هذه المبادئ الكلّيّة ذات أهمّيّة بالغة بالنسبة إلى مؤسّساتنا التعليميّة، والتي لا تزال تعاني ضعفًا مزمنًا في أساليب التطوير التنظيميّ ومهارات القيادة والمقاربات الحديثة، وذلك لتنمية الموارد البشريّة وإدارتها وفق مفهوم الإدارة بالأهداف. يتطلّب ذلك عملًا جادًّا لإعادة هندسة العمليّات الإداريّة والعناية بجودة برامج التدريب، باعتبارها أهمّ عوامل التحسين المستمرّ، وصولًا إلى ضمان الجودة الشاملة.

 

المراجع

- جاد الرب، سيّد محمد. (2009). الاتجاهات الحديثة في إدارة الموارد البشريّة. دار النهضة العربيّة.

- حوامدة، باسم علي، وبني أحمد، رانيا أحمد. (2015). التحسين المستمرّ في الجامعات الأردنيّة المتقدّمة للحصول على شهادة ضمان الجودة من هيئة اعتماد مؤسّسات التعليم العالي في الأردن. مجلّة دراسات وأبحاث. جامعة عاشور زيان الجلفة. 7(19).

- مليكة، مقداد. (2017). دور مناهج التحسين المستمرّ للعمليّات في تحسين أداء المؤسّسة. مجلة أبعاد اقتصاديّة. كلّيّة العلوم الاقتصاديّة والتجاريّة وعلوم التسيير.

- Medinilla, Ángel. (2014). Agile Kaizen Managing Continuos Improvement Far Beyond Retrospectives. Springer Heidelberg.

- John S. Oakland. (2003). Total Quality Management text with cases. Butter Worth-Heinemann.

- Nair, Preeti. (2017). A Study on Identifying Teaching Competencies and Factors Affecting Teaching Competencies with Special Reference to MBA Institutes in Gujarat. Management Institute, Gujarat Technological University.

- Dahlgaard, Jens J. and others. (2007). Fundamentals of Total Quality Management: Process analysis and improvement. Taylor & Francis e-Library.