عالم الطفولة بين الأمس واليوم
عالم الطفولة بين الأمس واليوم
2023/04/16
باسمة عبد الصمد | ناظرة ومشرفة تربويّة- لبنان

الطفولة وما أدراكم ما الطفولة... هي البراءة، الحبّ، الدفء، الراحة، الصدق، الطمأنينة، الوفاء، الصفاء، النقاء، وهي المرحلة الأساس في بناء الأجيال، حيث يُصقل العقل، وتتكوّن الصفات الإنسانيّة، وتهذّب المشاعر والعواطف، وهذا ما يجعلها مرحلة مميّزة بكل تفاصيلها.

ركّز الكثير من علماء التربيّة على الطرق والأساليب التي علينا اتّباعها، للوصول إلى بيئة حاضنة تنمّي الطفل من جميع النواحي. فبياجيه اعتبر أنّ "الأطفال يؤسّسون في مرحلة الطفولة فهمًا وإدراكًا حول العالم المحيط بهم، كما يؤسّسون أيضًا خبرات متباينة بين ما يعرفونه أصلًا وما يكتشفونه في بيئتهم". أما مونتِسوري فنادت بالتعلّم عن طريق اللّعب، وطالبت باتباع ميول الطفل، وأظهرت ضرورة التعامل مع ميوله وقدراته. بالإضافة إلى الكثير من المفكّرين وعلماء التربية الذين اعتبروا أن الطفل يكتسب مهاراته من محيطه المعاش.

 

إنّ التقدّم الذي وصل إليه لبنان، منذ وقت غير بعيد، واعتبر خلالها منارة الشرق، انعكس اهتمامًا وعناية لهذه الفئة العمريّة. فقد لمسنا أثر ذلك التقدّم على الأداء العامّ في المدارس ودور الحضانة، واعتبر الأطفال أولويّة، ودُمجت التسلية والرفاهيّة والألعاب الرياضيّة بطرق تربويّة. أمّا اليوم وفي مقارنة بسيطة، نرى التراجع الواضح والإهمال، فأحلام الأطفال سُلبت منهم، وهذا ما أظهره تقرير اليونيسف الصادر بتاريخ 25 آب 2022، الذي أقتبسُ منه "أنّ نتائج التقدّم الكبير الذي أحرزه لبنان نحو توفير الحقوق الأساسيّة للأطفال بما في ذلك حقّهم في الصحّة، والتعليم، والحماية، واللّعب، والترفيه، تراجعت بشكل كبير وذلك بسبب الأزمة الاقتصاديّة وتزامنها مع جائحة كوفيد-19".

يترعرع الطفل منذ نعومة أظفاره في أسرة تُعتبر النسق الأوّل المسؤول عنه، ويقع على عاتقها رعايته من الناحية العاطفيّة، وتطوير مهاراته الاجتماعيّة واللغويّة. فتضع بذلك بصمتها على سلوكه وانفعالاته واندماجه وتطوّره من جميع النواحي. ويكفينا إلقاء نظرة سريعة على الحرمان الذي يعانيه أطفالنا في لبنان في ظلّ أسوأ أزمة اقتصاديّة نمرُّ فيها، لنرى الهوّة بين الأمس واليوم؛ فالمعاناة اليوميّة للأهل المتمثّلة بالخوف والقلق، حجبت عن الأطفال الكثير من أمور الرعاية الأساسيّة، وحرمتهم من حقوقهم التي صانتها القوانين والتشريعات، كالحق في التغذيّة، والحقّ في العناية الصحّيّة، والحقّ في التعليم، والحق في اللّعب.

 

ترافق الوضع الاقتصاديّ للأهل وتدهور القيمة الشرائيّة، مع الكثير من الضغوط النفسيّة، وتسبب بمشكلات عائليّة وخلافات بين الأزواج، ما أدّى إلى الانفصال في بعض الأحيان. كما انعكس سلبًا في جميع مفاصل الحياة، فأُلزَم الأهل بالتنازل عن الكثير من الأمور غير الأساسيّة، ومنها الترفيه واللّعب والتنوّع الغذائيّ وزيارة الأماكن السياحيّة والسفر والاحتفالات التي تقام في المناسبات والأعياد. إضافة إلى التقصير في الرعاية الصحّيّة كأخذ اللّقاحات اللّازمة، وتوفير الأدوية. وعلى الرغم من معرفة الأهل بأهمّيّة تلك الأمور التي تعود بالفائدة على الطفل، إلّا أنّهم باتوا غير قادرين على تأمين أبسط الأمور. وأكبر المشاهدات ألمًا أن يكون أقصى أَمنيات الأهل في وقتنا الحاليّ إيجاد ما يقتاتون به.

كلّ ذلك انسحب على المدارس التي أصبحت غير قادرة على تلبية احتياجات الطفل، ما أثّر بطريقة مباشرة في أداء التلاميذ واكتسابهم الخبرات والمهارات اللّازمة. من غير أن ننسى أنّ الإقفال القسريّ بسبب جائحة كوفيد-19، وإغلاق المدارس ودور الحضانة كان لهما تأثير سلبيّ في واقع قطاع التعليم بشكل عام؛ فعدم القيام بالرحلات الترفيهيّة - التربويّة، والزيارات الميدانيّة، وعدم الحضور الوجاهيّ داخل الغرف الصفّيّة أثّرا في الأطفال بطريقة سلبيّة من ناحية النموّ الجسديّ والذهنيّ والصحّيّ، كما حرم هذه الفئة العمريّة من الاندماج الاجتماعيّ.

 

لعلّ لفتة سريعة الى برامج التلفاز والإذاعات المحلّيّة تكفي لنرى الإهمال والتهميش الذي يطال هذه الفئة العمريّة. فقد اختفت البرامج التعليميّة التربويّة الترفيهيّة الخاصّة بالأطفال، وأُقفلت المكتبات العامّة، وفُقدت الجلسات العائليّة الجامعة والأحاديث، حتى بات الطفل وحيدًا منسيًّا من دون رفاق أو صحبة أو علاقات اجتماعيّة مترابطة. كما أُخليت المسارح من روّادها، ولعلّنا نلقي نظرة إلى سنوات مضت لنرى مدى الاهتمام الذي شغل اللّبنانيّين من مسارح تربويّة ترفيهيّة للأطفال، كانت أغلبها هادفة، منها المسارح الغنائيّة ومسارح الدمى وغيرها الكثير. وقد برز آنذاك اهتمام الأهل الواضح في مساعدة أطفالهم على حضور مسرحيّات مُختلفة، لما لها من أبعاد ثقافيّة وترفيهيّة في آن. ويعود تراجع مسرح الأطفال إلى التراجع الذي حدث في الحياة الاقتصاديّة، والأهم الإقفال القسريّ للمسارح بسبب جائحة كوفيد-19. وقد تزامن كلّ ذلك مع انحصار أماكن اللّعب والترفيه المختلفة الثابتة والمتنقّلة.

إذًا وبعد كلّ ذلك الحرمان الذي يعانيه أطفالنا اليوم، هل يحقّ لنا أن نسأل لماذا هذا الانغماس في الألعاب الإلكترونيّة والألواح الذكيّة كالهواتف وغيرها؟ وهي تؤدّي إلى ما تؤدّي إليه من تأثير سلبيّ في السلوك والصحّة بشكل عامّ. فبعد التهميش الذي طال هذه الفئة العمريّة، وحرمانهم من أبسط حقوقهم، آن لنا أن نمنحهم حقوقهم المشروعة في اللّعب وتأمين مساحات لحرّيّة الحركة، والقفز، والجري، والتعبير، ومساعدتهم في تنمية مهاراتهم. ونحن نعلم بأنّ الخيارات ليست كثيرة، ولكن مستوى الوعي يجب أن يكون كفيلًا بإحداث تغيّرات وبأقلّ الإمكانات المادّيّة. علينا أن نضمّد جراحنا وننهض، فإذا أردنا أن نبني بلدًا علينا تمكيّن الركيزة الأساسيّة لبنائه وهي الطفولة.

 

ومن أجل الحدّ من المشكلات ورفع شأن بلدنا، علينا أن نقدّم حلولًا مستدامة، وعلى الدولة أن يكون شغلها الشاغل العمل على تفعّيل العجلة الاقتصاديّة، وتأمين التعليم الشامل لكلّ أبناء الوطن، والتخفيف من هجرة المعلّمين، وخلق مساحات آمنة للعب. وعليها أن تتصدّى للإهمال والعنف، والحرمان، وأن توعّي الأهل على الدور المهم الذي يقومون به. كما يجب أن تكون صارمة في تطبيق القوانين، فالعيش الكريم هو حقّ من الحقوق الإنسانيّة وما أحوج بلدنا إليه.