"شات جي بي تي" بين دعم التعلّم وإرباك التفكير الإبداعيّ: مقاربة نفسيّة اجتماعيّة
"شات جي بي تي" بين دعم التعلّم وإرباك التفكير الإبداعيّ: مقاربة نفسيّة اجتماعيّة
أحلام بن حسن | باحثة وأستاذة تعليم ثانويّ اختصاص لغة عربيّة - تونس

لم يعد الذكاء الاصطناعيّ ترفًا معرفيًّا أو أداة حكرًا على الباحثين، بل غدا عنصرًا حاضرًا في تفاصيل الحياة اليوميّة والتعليميّة على حدّ سواء. وفي مقدّمة هذه الأدوات برزت روبوتات المحادثة (chat bots)، وعلى رأسها "شات جي بي تي" (ChatGPT) الذي يلجأ إليه المتعلّم اليوم لطرح سؤال عابر، أو معالجة إشكال معرفيّ معقّد، فيجد إجابة سريعة ومقنعة ومدعومة بالحجج. غير أنّ هذه السهولة تثير تساؤلًا جوهريًّا: ما أثر الاعتماد على الآلة في تشكيل استقلاليّة الفكر والإبداع البشريّ؟

من هنا تكتسب دراسة حضور الذكاء الاصطناعيّ في الفضاء التربويّ أهمّيّتها، إذ لا يتعلّق الأمر بتقييم كفاءة الأداة فحسب، بل بالبحث بصورة أعمق في انعكاساتها على العمليّة التعليميّة.

 

 شات جي بي تي: أنموذج مركزيّ في العلاقات الرقميّة والتعلّم الذكيّ

منذ أن قدّمت إلينور روش عام 1973 نظريّة الطراز (Prototype Theory) ضمن علم النفس العرفانيّ، أصبح واضحًا أنّ تصنيف المفاهيم لا يتمّ وفق قواعد صارمة، بل يعتمد على وجود نموذج ذهنيّ مركزيّ يمثّل الفئة في الذهن. وتختلف هذه النماذج بين الأفراد باختلاف ثقافاتهم وتجاربهم، ما يفسّر تنوّع الطرازات الذهنيّة. وفي سياق التعليم، يمكن تطبيق هذه النظريّة لفهم كيفيّة اختيار المتعلّمين للأدوات التعليميّة: أي إنّ كلّ متعلّم يمتلك "طرازًا مركزيًّا" لأداة يعتبرها مثاليّة للتعلّم، ويقارن كلّ خيار جديد بهذا الأنموذج الذهنيّ. ومن هنا، يصبح من المنطقيّ دراسة تفضيلات المتعلّمين تجاه الأدوات الرقميّة، لفهم أيّ منها يشكّل نموذجًا مركزيًّا في تعلّمهم.

 

وفي هذا الإطار، أُجريت تجربة بسيطة على عيّنة قوامها 33 متعلّمًا داخل الصفّ، وطُرح عليهم سؤال مباشر: ما البرنامج الذكيّ الذي تراه الأنسب لمساعدتك في إنجاز دروسك والإجابة عن أسئلتك؟

فجاءت النتائج واضحة: 31 متعلّمًا اختاروا "شات جي بي تي"، في حين ذكر اثنان فقط تطبيقات أخرى.

وللتعمّق أكثر في سبب اختيار المتعلّمين لهذا البرنامج، طُرح عليهم سؤال ثانٍ: ما الذي يجعلك تختار هذا البرنامج دون غيره؟ وطُلب منهم أن يدوّنوا إجاباتهم. وبعد جردها، ظهرت العوامل الآتية:

  • - سهولة التواصل: يتيح محادثات سلسة تشبه التفاعل البشريّ، ما يمنح المتعلّم شعورًا بالراحة والثقة.
  • - التكيّف والمرونة: يتعامل مع موضوعات ومستويات متعدّدة من التعقيد، ويصوغ ردوده بما يتناسب مع السياق التعليميّ والموقف.
  • - الحضور الدائم: هذا البرنامج متاح في أيّ وقت، ما يجعله رفيقًا مستمرًّا في عمليّة التعلّم الذاتيّ والدعم الأكاديميّ.
  • - دعم اتّخاذ القرار: يقدّم حججًا منطقيّة وأمثلة متعدّدة، ما يعزّز قدرة المتعلّم على التقييم واتّخاذ القرار المستقلّ.

إذًا، يمكن اعتبار "شات جي بي تي" من "طراز المعلّم الذكيّ"، إذ يجمع خصائص يصعب وجودها مجتمعة في معلّم واحد.

بهذا المعنى، لا يُنظر إلى "شات جي بي تي" على أنّه مجرّد تطبيق رقميّ، بل نموذج مركزيّ في العلاقات الرقميّة، قادر على التكيّف مع اختلافات المتعلّم الثقافيّة والفكريّة، ويجسّد صفات الذكاء العقليّ والعاطفيّ معًا.

المتعلّم هنا يُسقط حاجاته النفسيّة، وتصوّراته الخاصّة بالعمليّة التربويّة على البرنامج الآليّ الذي يستجيب بذكاء لمختلف التطلّعات: فالمتعلّم الذي يفضّل معلّمًا صارمًا يجده "منظّمًا"، والمتعلّم الذي يبحث عن معلّم ودود يراه "قريبًا".

استنتاج هذا التفسير النفسيّ لا يقتصر على فهم ارتباط المتعلّمين بالبرامج الرقميّة فحسب، بل يمتدّ إلى تأثير هذه الأدوات في العمليّة التربويّة برمّتها. فـ"شات جي بي تي"، باعتباره "طراز المعلّم الذكيّ"، يقدّم نموذجًا للتفاعل التعليميّ، مع مراعاة الفروق الفرديّة والثقافيّة بين المتعلّمين. ومع ذلك، يستدعي الاعتماد المكثّف على هذه الأدوات وعيًا تربويًّا دقيقًا، لتجنّب خلق روابط افتراضيّة قد تؤثّر في التطوّر الاجتماعيّ والنفسيّ للمتعلّمين.

 

مخاطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعيّ في التعلّم

قبل التطرّق إلى المخاطر المحتملة المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعيّ في العمليّة التعليميّة، حرصنا على البحث ضمن إطار نظريّ مستند إلى أسس نفسيّة واجتماعيّة، مع مراقبة انعكاسات التطوّر التكنولوجيّ على سلوك الأفراد في الواقع المعاصر. فقد أظهرت الدراسات الحديثة أنّ تزايد الاعتماد على الأدوات الرقميّة، قد يرتبط بتحوّلات دقيقة في العلاقات الاجتماعيّة، وتعزيز شعور الفرديّة، بالإضافة إلى تغيّرات ملموسة في أنماط التعلّم والتفاعل النفسيّ:

تقهقر الروابط الاجتماعيّة:
 يشير روبرت بوتنام إلى أنّ قوّة المجتمعات تُقاس بمدى تماسك الروابط بين الأفراد (Putnam, 2000). وفي سياق التعلّم، قد يؤدّي الاعتماد على الذكاء الاصطناعيّ بدل التفاعل البشريّ المباشر، إلى ضعف التواصل بين المتعلّمين والمعلّمين، ويقلّل فرص الدعم العاطفيّ والتعاون الجماعيّ، وهما عنصران أساسيّان في بناء بيئة تعليميّة صحّيّة.

فقدان حريّة اتّخاذ القرار:
 وفقًا لهذه الرؤية، لا تقتصر التكنولوجيا على خدمة الإنسان فحسب، بل تؤثّر في تفكيره وسلوكه. واعتماد المتعلّم المفرط على الآلة لاتّخاذ القرارات أو تقديم الحلول، قد يُقلّص شعوره بالمسؤوليّة الفرديّة، ويُضعف قدرته على التفكير الإبداعيّ والنقديّ والمبادرة، ما يُقوّض عمليّة التعلّم الذاتيّ.

 

تفاقم النزعة الفردانيّة في التعلّم:
 كما يشير أنتوني غيدنز، تميل المجتمعات المعاصرة نحو العيش في عزلة (Giddens, 1991). واعتبار الذكاء الاصطناعيّ رفيقًا دائمًا يُعمّق النزعة الفردانيّة، إذ يوفّر "صحبة من دون التزامات" و"تفهّمًا من دون نقد"، ما يُقلّل الحاجة إلى التفاعل الإنسانيّ المعقّد، والذي يعلّم المتعلّم مهارات التعاون والمشاركة.

خطر الانعزال العاطفيّ (الاعتماد النفسيّ على الوسيط):
 كلّما اعتمد المتعلّم على الذكاء الاصطناعيّ مصدرًا للتعاطف أو الدعم، تراجعت قدرته على التفاعل مع مشاعر الآخرين، وازدادت عزلته، ما يؤثّر في نموّه النفسيّ والاجتماعيّ، ويُضعف إدراكه لهويّته الذاتيّة في عمليّة التعلّم من دون الوساطة التقنيّة.

اختلال التوازن النفسيّ لدى المتعلّم:
 الاستخدام المكثّف للذكاء الاصطناعيّ قد يُفضي إلى تفاقم بعض العلل النفسيّة، نذكر منها ما يُعرف في علم النفس بـ"متلازمة المحتال" (Impostor Syndrome)، وهي أن يشعر الإنسان، على الرغم من إنجازاته، بأنّه غير جدير بما حقّقه. وتشير الدراسات الراهنة إلى ما يمكن تسميته بـ"متلازمة المحتال الذكيّة" (AI-induced impostor syndrome)، إذ يشعر الأفراد بعد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعيّ بأنّ نجاحهم لم يكن نتيجة جهد شخصيّ، بل ناجم عن "ذكاء بلا مشقّة". كما يشير إلى ذلك جون نوستا في مجلّة (Psychology Today):

"AI impostor syndrome … emerges when success comes too easily" (Nosta, 2025).

 

لقد عبّر بعض الباحثين عن هذه الحالة النفسيّة بمصطلح طريف نترجمه بـ"مفارقة النبوغ السهل" (lazy genius paradox)، في إشارة إلى التناقض الذي يعيشه الفرد حين يُنجز إنجازًا مبهرًا بوساطة أدوات ذكيّة، من دون أن يبذل جهدًا متكافئًا مع قيمة ذلك الإنجاز. هذه المفارقة تُفضي إلى اهتزاز الثقة بالذات، ما قد يولّد صراعًا داخليًّا حول مدى كفاءة المتعلّم الذاتيّة، ويُضعف ثقته بنفسه، ويجعله أسير مقارنة مستمرّة بين قدراته وأداء الذكاء الاصطناعيّ.

هذه الحالة النفسيّة المعاصرة تدعم تحذيرنا من أخطار الاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعيّ في التعليم، والذي يؤدّي إلى تراجع الشعور بالملكيّة الذاتيّة للإنجاز، ويضعف الإحساس بالجدارة الذاتيّة، ما قد يؤثّر في النهاية في التطوّر الإدراكيّ وحسّ الابتكار لدى المتعلّم.

تشير هذه المعطيات إلى أنّ الأخطار ليست مجرّد افتراضات نظريّة بعيدة عن الواقع، بل يمكن رصدها بوضوح في ممارسات التعلّم الحديثة.

بعبارة أخرى، كلّما اقترب المتعلّم من "الآلة المثاليّة" للمعرفة، ابتعد عن القدرة على توليد المعرفة والإبداع بنفسه. لذلك، نطرح من خلال هذا التوجّه سؤالًا جوهريًّا في التربية الحديثة: هل يُعَدّ إقصاء الذكاء الاصطناعيّ من الفعل التعليميّ سبيلًا ناجعًا لتلافي مخاطره؟

 

تحدّيات الواقع التربويّ في ظلّ تطوّر الذكاء الآليّ

لم يعد حضور الذكاء الاصطناعيّ في حياة المتعلّم اليوم مجرّد ترف تقنيّ، بل غدا واقعًا يفرض نفسه على كلّ مجالات الوجود، ومنها المجال التربويّ. فالخطر ليس في وجود هذه الأدوات، بل في طريقة التعامل معها: هل نسمح لها بأن تُلغي حرّيّة المتعلّم وتُضعف استقلاليّته النقديّة؟ أم نحوّلها إلى فرصة لتربية عقل واعٍ قادر على مساءلة المعلومة وتفكيكها؟

لم يعد دور المربّي اليوم مقتصرًا على نقل المعرفة، بل أصبح يتمثّل في خلق وعي تكنولوجيّ لدى الناشئة، وفتح المجال أمامهم ليتعاملوا مع الذكاء الاصطناعيّ بوصفه معينًا على التفكير، لا بديلًا عنه. فالتحدّي التربويّ الراهن يتمثّل في كيف نُعلّم أبناءنا أن يستثمروا هذه الأدوات ليبنوا ذواتهم، لا أن يذوبوا فيها.

على سبيل المثال، يمكن توظيف هذا الأنموذج الذكيّ داخل العمليّة التعليميّة بوصفه أداة داعمة للمتعلّمين، ولا سيّما أولئك الذين يواجهون صعوبات في التعلّم، بما يدعم اندماجهم ويحفّز تفاعلهم الخلّاق. إلى جانب ذلك، فإنّ طرائق تلقّي المعرفة عبره تبدو أكثر جاذبيّة وتشويقًا مقارنة بالأساليب التقليديّة. ويتيح استثماره كذلك الاستفادة من مزاياه المتعدّدة، مثل توليد الصور والمقاطع، وصياغة النصوص، وتلخيص الفقرات، وتقديم بدائل متنوّعة تُثري التعلّم وتجعله أكثر ديناميكيّة.

ومن بين هذه التجارب التي عملت على إدماج هذا الذكاء بالتعليم، ما أُجري في كلّيّة "سانت ماري ماكيلوب" في أستراليا، من استخدام المتعلّمين لأدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعيّ، مثل منصّة Education Perfect لتحسين مهارات الكتابة، فأظهرت النتائج زيادة بنسبة 47% في جودة الإجابات النهائيّة، مع نسبة 87% من المتعلّمين الذين أصبحوا أكثر ميلًا لمراجعة إجاباتهم ذات الدرجات المنخفضة.

 

وفي منطقة "لوس أنجلوس" التعليميّة، طُوّر روبوت محادثة يُدعى Ed لتقديم دعم أكاديميّ شخصيّ للمتعلّمين. وعلى الرغم من توقّف المشروع في حزيران/ يونيو 2024، إلّا أنّه أظهر فعّاليّة في تحسين الأداء الأكاديميّ للمتعلّمين.

تُظهر هذه التجارب أنّ دمج الذكاء الاصطناعيّ في التعليم، يمكن أن يُحسّن من نتائج التعلّم ويُعزّز من التجربة التعليميّة.

لا يمكن للتربية والتعليم اليوم أن يكونا منفصلين عن التكنولوجيا، ولكن لا يمكنهما أيضًا أن يفقدا إنسانيّتهما. ومن هنا، فالرهان الحقيقيّ يكمن في تحقيق التوازن بين الآلة والإنسان، حينذاك نستطيع القول إنّنا نجحنا في استرجاع الحرّيّة الفكريّة، واستطعنا أن نبثّ في الناشئة المسؤوليّة الرقميّة التي تُجنّبهم الوقوع في فردانيّة التعلّم والاكتساب. وبدلًا من حظر استخدام هذه الأدوات، الأفضل إدماجها في المناهج التعليميّة، مع تدريب المتعلّمين على التمييز بين المعلومة المنتَجة آليًّا، والمعلومة التي تتطلّب جهدًا بحثيًّا بشريًّا.

 

***

بناءً على ما سبق، فإنّ "شات جي بي تي" يمثّل طرازًا رائدًا للعلاقات التعلّميّة الذكيّة، لكنّه لا يمكن أن يحلّ محلّ التجربة الإنسانيّة أو مكان المعلّم الحقيقيّ. ونحن نأمل ألّا تتطوّر هذه البرامج إلى الحدّ الذي يجعلها قادرة على إنجاز بحوث علميّة محكّمة، أو تأليف كتب مميّزة؛ إذ إنّ ذلك سيقوّض قيمة الإبداع البشريّ.

 صحيح أنّنا اليوم ما زلنا قادرين، في معظم الأحيان، على إدراك الفارق بين أسلوب الكتابة البشريّ وأسلوب "شات جي بي تي"، غير أنّ هذا الفارق يضيق يومًا بعد يوم، مع تطوّر خوارزميّات هذه البرامج، أو بالاصطلاح الأدقّ تطوّر "الشبكات العصبيّة الاصطناعيّة" (Artificial Neural Networks) فيها. وهو مصطلح يشير إلى "الشبكات العصبيّة الاصطناعيّة"، نُقِل من علم الأحياء، إلى طريقة الآلة في أن "تتعلّم من البيانات" بمحاكاة مبسّطة لطريقة تفكير الدماغ البشريّ، ما يجعلها قادرة على التعرّف على الأنماط (patterns) وإنتاج استجابات ذكيّة.

الذكاء الاصطناعيّ بلا شكّ أداة قويّة، لكنّ الإبداع البشريّ والقدرة على التواصل الإنسانيّ يظلّان الطراز الأصيل الذي لا يمكن لأيّ آلة أن تحلّ محلّه. ومع الوقت سندرك أنّ ما يُخشى منه حقًّا ليس منافسة هذا الذكاء للمعلّم، بل إضعاف رغبة التعلّم وملكة التفكير لدى المتعلّم.

 

المراجع:

- Clance, P. R., & Imes, S. A. (1978). The impostor phenomenon in high achieving women: Dynamics and therapeutic intervention. Psychotherapy: Theory, Research & Practice, 15(3).

- Giddens, A. (1991). Modernity and self-identity: Self and society in the late modern age. Stanford University Press.

- Nosta, J. (2025). AI and the new impostor syndrome. The Digital Self. Psychology Today.

- Putnam, R. D. (2000). Bowling alone: The collapse and revival of American community. Simon & Schuster.

- Rosch, E. (1973). Principles of categorization. Cognition, 4(1), 1–24.