تتميّز برامج ديداكتيك اللغة العربيّة بالسلك الثانويّ التأهيليّ، بالحاجة الدائمة إلى المراجعة بفعل التطوّرات الاجتماعيّة والمعرفيّة والثقافيّة، والتي ينبغي أن تراعي مختلف أبعادها الاجتماعيّة والنفسيّة، والخروج بحلول توافق مخرجات النظام التعليميّ، وتقلّص من حدود المشاكل والمعيقات المتعلّقة بأزمة المدرسة المغربيّة، وذلك بالاستفادة من فعّاليّة المقاربات البيداغوجيّة المقترحة.
باعتبار أنّ منهاج ديداكتيك اللغة العربيّة في السلك الثانويّ التأهيليّ، يقوم على مداخل أساسيّة؛ وهي مدخل التربية على القيم، ومدخل التربية على الكفايات، يعدّ الفاعلون التربويّون هذه المداخل اختيارات استراتيجيّة للنهوض بتدريس اللغة العربيّة في هذا السلك.
برامج اللغة العربيّة بالسلك الثانويّ التأهيليّ
تعتبر برامج منهاج اللغة العربيّة في السلك الثانويّ التأهيليّ واختياراته، مجالًا خصبًا لتفعيل الاختيارات والتوجّهات التربويّة المتعلّقة بالتربية على القيم وتعزيزها، بإدماجها وترسيخها في نفوس المتعلّمين فكرًا ومعرفة وممارسة، وذلك باعتماد نصوص ووضعيّات حقيقيّة مستمدّة من واقع الحياة اليوميّة. بهذه المقاربة نسعى لخلق متعلّم صالح معتزّ بوطنه وبهويّته وعقيدته الإسلاميّة، ومنفتح على العالم، ومشارك في صناعة التقدّم المعرفيّ لصالح الرقيّ بالبشريّة وحضارتها، بتوفير موضوعات قريبة من سنّه وحاجاته الآنيّة، تلامس قضايا دينيّة وأخلاقيّة ووطنيّة.
يتبيّن المتصفّح للتوجيهات التربويّة الخاصّة بتدريس اللغة العربيّة بالسلك الثانويّ التأهيليّ، أنّ التربية على الكفايات تنصبّ على المتعلّم، وتعنى بتطوير كفاياته وقدراته، بوضعه أمام وضعيّات ومشكلات تستوجب حلًّا ناجعًا انطلاقًا من سياق ما.
ويعني ذلك أنّ اعتماد مدخل الكفايات في منهاج المرحلة الثانويّة التأهيليّة، قد مثّل تحوّلًا من التركيز على المعارف الجاهزة المقدّمة للمتعلّم، إلى تمهيره في بناء المعرفة بنفسه، ثمّ استثمار مكتسباته في وضعيّات وسياقات جديدة منفتحة على مختلف الموادّ الدراسيّة.
المقرّرات الدراسيّة بالسلك الثانويّ التأهيليّ
قامت وزارة التربية الوطنيّة في السنوات الأخيرة، بتجديد كتبها المدرسيّة وكلّ ما يخصّ المناهج الدراسيّة البيداغوجيّة والديدكتيكيّة. كما سعت من وراء هذا التجديد إلى تحقيق كفايات معرفيّة كمّيّة وكيفيّة، تساير المتعلّم وتؤهّله لأفق أعلى وأحسن. ومن ثمّ انصبّ تفكير وزارة التربية الوطنيّة على الجانب القيميّ الأخلاقيّ، كما الجانب المعرفيّ. ويعني هذا أنّ المقرّرات الدراسيّة ركّزت كثيرًا على القيم الأخلاقيّة، من أجل خلق مواطن صالح يتكيّف مع قيم محيطه الإيجابيّة، ويتفاعل معها بالعطاء المتبادل والتصالح مع الآخر (وزارة التربية الوطنيّة، 2017).
وفي المقابل، ينبغي تعزيز أواصر التواصل والتعاون بين المدرسة ومحيطها الاجتماعيّ والثقافيّ والبشريّ والطبيعيّ، ولا يُتوقّع من هذا الانفتاح تحقيق الجودة البيداغوجيّة فحسب، وإنّما أيضًا جعل المؤسّسة التعليميّة تسهم في التنشئة الديمقراطيّة والاندماج في الحياة العامّة. وهذا يقتضي منها فتح أبوابها أمام الفاعلين التربويّين والأكاديميّين وهيئات المجتمع المدنيّ، مع التزام صريح بانخراطها في الديناميّة الدوليّة الداعية إلى جعل المتعلّم مدخلًا لترسيخ قيم الديمقراطيّة وثقافة حقوق الإنسان.
كما تتوزّع المقرّرات الدراسيّة، من حيث المحتويات والقيم التي تُبنى عليها، حسب شعب مقرّرات اللغة العربيّة. ففي سلك التعليم الثانويّ التأهيليّ، وتحديدًا في مسلك الآداب والعلوم الإنسانيّة، يركّز المنهاج على القيم الجماليّة والفنّيّة، ويهدف إلى تمكين المتعلّم من تذوّق الأدب العربيّ من قصائده وشعرائه وعصوره وقضاياه وفنونه. كما تركّز المناهج التربويّة في هذا الاتّجاه على تمكين المتعلّم من رصيد لغويّ وأدبيّ، وتوظيف أدواته اللغويّة قراءة وإنتاجًا، والتواصل بلغة عربيّة على المستوى الشفهيّ والكتابيّ (المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2015).
ومن جهة أخرى، يطغى في المسلك العلميّ الاهتمام بمجال التقنيّات والتكنولوجيّات، في إطار الانفتاح على العولمة وما يندرج تحتها من مجالات سياسيّة وثقافيّة واقتصاديّة. كما تركّز المقرّرات في هذا التخصّص على التنمية المستدامة وما يرتبط بتحقيقها. وينصبّ الاهتمام في هذه المناهج الدراسيّة كذلك على القيم الحقوقيّة (المطالبة بحقوق الإنسان، الحرّيّة، الحقّ والقانون...)، وغيرها من المواضيع التي تندرج في هذا السياق. كما تعمل التوجيهات التربويّة الخاصّة بهذا المسلك، على جعل اللغة العربيّة مادّة ذات امتدادات في مختلف مكوّنات القطب (المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2015).
وقد اعتُمدت مجموعة من القيم المستهدفة في المقرّرات الدراسيّة، كي يسير على منوالها المتعلّم، ويمثّلها داخل فضاء الأسرة والمحيط والمجتمع، وذلك لترسيخ المواطنة الحقيقيّة، وتفعيل القيم الإسلاميّة والحضاريّة في الحياة اليوميّة العمليّة. كما تهدف هذه القيم إلى تهذيب المتعلّم أخلاقيًّا، وتنويره علميًّا ومعرفيًّا وتقنيًّا، والرفع من مستواه الفنّيّ والجماليّ والأدبيّ.
ديداكتيك اللغة العربيّة بالسلك الثانويّ التأهيليّ: الإكراهات
جاء في كلام عبد الرحيم كلموني بخصوص ديداكتيك مكوّن القراءة وأسسها، أنّ "القراءة المنهجيّة لا حظّ لها من المنهجيّة، إذ إنّها ليست سوى برنامج قرائيّ نمطيّ يسلك الخطوات نفسها بدون تجديد أو اجتهاد، ويرسّخ هذه العاهات البيداغوجيّة، الكتاب المدرسيّ الذي يقدّم للمعلّم والمتعلّم وصفة جاهزة، ما هي إلا اجترار لطرائق عقيمة ممارسة منذ عقود طويلة" (الكلمونيّ، 2006).
ولهذا، ينبغي التفكير في مقاربات جديدة تعطي للمتعلّم الحرّيّة في التعامل مع النصوص، وتطلقه من قيودها، ولا تدفعه إلى البحث عن مقصديّة الكاتب، بل تجعل منه مبدعًا أو منتجًا لنصوص يتّخذ منها أرضيّة يتأمّلها، ويستقرئ الكلمات التي توحي له بدلالات معجميّة أو رمزيّة أو مجازيّة، ويلمس فيها القدرة على تداولها، باستدعاء الدلالات بشكل يقارب كلّ زوايا الحقل الدلاليّ للظاهرة الصريحة والضمنيّة. كما يستحضر مختلف السياقات المناسبة، والتي نلمسها في اللسانيّات التداوليّة بشكل جوهريّ.
فضلًا عن ما يطبع المعرفة من تطوّر وتجدّد مستمرَّين، فإنّ التلاميذ في حاجة إلى ما يكمل لديهم الميل إلى إشباع رغباتهم المعرفيّة، ويخلق لديهم الإقبال على المقرّرات والتفاعل معها، لأنّها تستجيب لحاجاتهم. ويتحقّق ذلك باعتماد مقاربات مناسبة، تحفّز على الملاحظة الواعية، والاستيعاب الصحيح، والتحليل السليم، واتّخاذ القرارات، وتعديل الاتّجاهات.
وعلى هذا الأساس، ينبغي التركيز في نشاط المتعلّم على آفاق تجعله يبني أدواته الخاصّة، لإنتاج المعنى ضمن وضعيّات إشكاليّة ترتبط بكلّ مرحلة من مراحل القراءة. ويمكن أن يتحقّق ذلك بتوظيف المتعلّم في مجموعات متجانسة تُراعى فيها الفروق الذهنيّة. ومن الضروريّ متابعة سلوك المتعلّم بتوظيف تعلّماته في مختلف المعارف، بوصفها إجراء يساعد في تصحيح مسار التعلّم وتغيير نمط السلوك.
من جهة أخرى، ينبغي أن نعي أنّ أبرز إشكاليّات الدرس اللغويّ، تتجلّى أساسًا في عدم توازن الأطر النظريّة وآليّات التنزيل في الممارسات الصفّيّة. فعلى الرغم من التأكيد نظريًّا على كون الدرس اللغويّ وسيلة وأداة للتواصل والتعبير عن الفكر، إلّا أنّ ممارستنا لا تخرج من إطار عدّه غاية في حدّ ذاته، بالاقتصار على دراسة القواعد وحفظها واستظهارها، بدل استعمالها وتوظيفها في التواصل الفعليّ.
إنّ هذا الإشكال يتطلّب البحث عن علاقة اللسانيّات العربيّة المعاصرة باللغة العربيّة وقضاياها، وكيف عالجت جانب المعجم والدلالة والصوت والتركيب، لمعرفة إمكانيّة استثمار أبحاثها للنهوض بتدريس مكوّن علوم اللغة بطريقة معاصرة تتجاوز الطرائق التقليديّة، وما يعتريها من تعقيد وحشو، والاختلافات بين المدارس النحويّة التي لا تفيد المتعلّم في شيء (زوهريّ، 2017).
ديداكتيك اللغة العربيّة بالسلك الثانويّ التأهيليّ: آفاق
يستدعي الأمر تدريس اللغة العربيّة من منظور لسانيّ وظيفيّ، بحيث تصبح لغة وظيفيّة بامتياز في الشارع والإدارة والمصارف والتجارة والحاسوب، وبحيث يشعر المتعلّم أنّ ما يتلقّاه من دروس وقواعد لغويّة لسانيّة في الفصول، يمكن استثماره في محيطه الاقتصاديّ والاجتماعيّ (الصديقيّ، 2011). وهذه آفاق يجب تعميق النظر فيها، بتجديد طرائق تدريس القواعد اللغويّة، بوصفها مفتاحًا لحلّ إشكاليّة نفور المتعلّم من هذا المكوّن في السلك الثانويّ التأهيليّ.
فلم يعد مقبولًا أن يظلّ المدرّس مهيمنًا على العمليّة التعليميّة التعلّميّة داخل الفصل الدراسيّ، بل أصبح من الضروريّ أن يتحوّل دوره إلى تنشيط التعلّم، عن طريق توزيع الأدوار بين المتعلّمين بما يتجاوز التلقّي السلبيّ، ويعتمد على التعلّم الذاتيّ والمشاركة في الاجتهاد الجماعيّ.
وبناءً على هذه المنطلقات التأطيريّة والمعرفيّة، يظهر أنّه بالرغم من تعدّد المقرّرات الدراسيّة الموجّهة للسلك الثانويّ، ظلّ الهمّ البيداغوجيّ حاضرًا لدى مؤلّفيها، ويتجلّى ذلك في استنادهم إلى التوجيهات التربويّة والوثائق الرسميّة المؤطّرة للمنهاج. كما ظلّ الالتزام بالمعطيات والمنطلقات التربويّة حاضرًا في بيان العلاقة بين التلميذ وكتابه المدرسيّ من جهة، وتجسيد التوجّهات الجديدة للوزارة المعنيّة من جهة ثانية.
ولعلّ التفاف مقدّمي هذه الوسائط التربويّة حول مجموعة من المصطلحات، من قبيل: التأهيل، والتمهير، والتطوير، والتعزيز، والإمداد، والتكوين، والتمكين، والانفتاح وغيرها، كفيل بأن يبرهن على شرعيّة هذا المنزع بنوعيه البيداغوجيّ والديدكتيكيّ.
وفي ظلّ هذه التغيّرات، فإنّ الكتاب المدرسيّ للغة العربيّة في هذا الطور ومعه المدرّس، في حاجة اليوم إلى مقرّر جديد تُراجع محتوياته التعليميّة والنصّيّة مراجعة شاملة، وتُراعى فيه الوضعيّات الديداكتيكيّة والتعليميّة ضمن مشروع تربويّ واضح المعالم، يتماشى وإعمال البيداغوجيا الحديثة التي تسعى إليها منظومتنا التعليميّة ضمن الخطّة الاستراتيجيّة. فلم يعد مقبولًا أن يظلّ المدرّس مهيمنًا على العمليّة التعليميّة التعلّميّة داخل الفصل الدراسيّ، بل أصبح معنيًّا بفكرة التنشيط بتوزيع الأدوار بين المتعلّمين، بما يتجاوز التلقّي السلبيّ، ويعتمد على التعلّم الذاتيّ والمشاركة في الاجتهاد الجماعيّ 2015-2030 (المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2015)، أملًا في خلق التجانس بين مكوّنات المنهاج والمقرّر الدراسيّ من جهة، والفكر التعليميّ للمتمدرس من جهة ثانية.
***
ما أحوجنا في اللحظة الراهنة إلى التسلّح بالواقعيّة والنجاعة، أملًا في أن يتحوّل النموذج البيداغوجيّ، بالمواصفات التي أعلنتها الرؤية الاستراتيجيّة للإصلاح، وبإجراءات التفعيل التي حدّدتها المذكّرة الإطار الخاصّة بالتدبير ذي الأولويّة، إلى إطار عامّ يُسترشد به في مختلف الممارسات التعليميّة والتكوينيّة، وأن يصبح مرجعًا معتمدًا لدى الفاعلين والممارسين. ويقتضي ذلك توفير الإضاءات والتوضيحات والتكوينات الأساسيّة والمستمرّة، مع ترسيخ القدرة على المراجعة والمساءلة الدوريّة لتقريب المسافة، ما أمكن، بين التنظير والتطبيق (الصديقيّ، 2011).
ومن ثمّ، تجدر الإشارة إلى أنّ التأسيس لأيّ منظور إصلاحيّ مستقبليّ للمدرسة، لا يمكن أن يقفز على تشخيصات الأعطاب والإكراهات، بل يتطلّب نوعًا من الترصيد والتطوير عن طريق استيعاب التعثّرات التي رُصدت في الواقع وتجاوزها، حتّى يتاح للمتعلّم اكتساب قدر مناسب من الكفاءة والاقتدار والقدرة على الاختيار، وتعزيز مهاراته الحياتيّة، وتوسيع خبراته، في ظلّ المقاربة التداوليّة ومتطلّبات العولمة، وما يستلزمه ذلك من انخراط في مجتمع المعرفة.
المراجع
- وزارة التربية الوطنيّة. (2017). التوجيهات التربويّة والبرامج الخاصّة بتدريس مادّة اللغة العربيّة بسلك التعليم الثانويّ التأهيليّ.
- المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلميّ. (2015). الرؤية الاستراتيجيّة للإصلاح 2015-2030، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء.
- زوهريّ، رضوان. (2017). النموذج البيداغوجيّ في منظومة قيد التحوّل. مجلّة دفاتر التربية والتكوين، (12)، 13.
- وزارة التربية الوطنيّة. (2015). الرؤية الاستراتيجيّة للإصلاح، 2015-2030.
- الكلمونيّ، عبد الرحيم. (2006). مدخل إلى القراءة المنهجيّة للنصوص. مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
- الصديقيّ، عبد الوهّاب. (2011). اللسانيّات وتدريس اللغة العربيّة من منظور لسانيّ وظيفيّ حديث. مجلّة الدراسات اللغويّة والأدبيّة، 64.




نشر في عدد (24) ربيع 2026