دور البيداغوجيا الفارقيّة في تعزيز التعليم الشامل: "من وحي الفصل الدراسيّ"
دور البيداغوجيا الفارقيّة في تعزيز التعليم الشامل: "من وحي الفصل الدراسيّ"
الصديق أروهان | مدرّس مادّة الفلسفة بالتعليم الثانويّ التأهيليّ - المغرب

لقد أضحت الأنظمة التربويّة المعاصرة تولي أهمّيّة قصوى لتعليم شامل ودامج، يمكّن المتعلّمين جميعهم من الاستفادة من الخيرات التعليميّة، من دون تمييز بينهم على أيّ أساس كيفما كان نوعه. والحال أنّ كلّ مدرّس لا يمكن أن تخفى عليه الاختلافات والفوارق الحاصلة بين المتعلّمين داخل الفصل الدراسيّ. لذلك تأتي هذه المقالة لتسلّط الضوء على دور البيداغوجيا الفارقيّة، بوصفها طريقة بيداغوجيّة فعّالة في التدريس، في تأمين العدالة التعليميّة لمتعلّمين مختلفين. ولتحقيق الهدف من هذه الورقة، فإنّنا سنتوقّف بداية عند مختلف المرجعيّات التربويّة المغربيّة، والتي راهنت على أهمّيّة تعليم دامج وشامل في مدرسة القرن الواحد والعشرين، بعدها سنتّخذ من تجربة فصليّة أساسًا لتبيان نجاعة البيداغوجيا الفارقيّة. 

 

أوّلًا: التعليم الشامل في التجربة المغربيّة 

يأتي الحديث عن التعليم الشامل أو الدامج في النظام التربويّ المغربيّ، في سياق الإصلاح الذي بدأت معالمه تتشكّل منذ الميثاق الوطنيّ للتربية والتكوين، مرورًا بالرؤية الاستراتيجيّة 2015-2030، وصولًا إلى القانون-الإطار 17-51 الذي دعا في ديباجته إلى ضرورة تعميم تعليم دامج وتضامنيّ، لفائدة جميع الأطفال من دون تمييز. ولتفعيل مقتضيات هذا القانون-الإطار، أصدرت الوزارة الوصيّة على القطاع "حافظة مشاريع" تضمّ ثمانية عشر مشروعًا، تتوزّع على ثلاثة مجالات استراتيجيّة، يتصدّرها مجال الإنصاف وتكافؤ الفرص. في هذا السياق، ضمّ المشروع الرابع تمكين الأطفال في وضعيّة إعاقة أو وضعيّات خاصّة (وضعيّة صعبة أو غير مستقرّة أو وضعيّة احتياج) من التمدرس. ويهدف المشروع في شقّه الإجرائيّ إلى تعبئة جميع الوسائل المتاحة، لضمان حقّ هؤلاء الأطفال في تعليم وتكوين جيّدَين، وذلك بتكييف المناهج الدراسيّة مع خصوصيّات هذه الفئة، فضلًا عن تكييف نظام التقويم والامتحانات وآليّات التوجيه، وتيسير ممارسة الأنشطة المتعلّقة بالحياة المدرسيّة، من دون إغفال أهمّيّة الانخراط في مشروع التربية الدامجة، بتبنّي المقاربة التشاركيّة مع جميع المتدخّلين. 

من الواضح إذًا، أنّ الأمر يتعلّق هنا بالحاجة إلى مدرسة دامجة وشاملة، تضمن العدالة التعليميّة، وتمكّن جميع المتعلّمين، على اختلافهم، من حقّهم في الاستفادة من الخيرات التعليميّة، من دون تمييز بسبب الاختلاف في القدرات الجسديّة أو النفسيّة أو العقليّة، أو غيرها. فمن غير المقبول أن يُترك متعلّم، بسبب اختلافه عن أقرانه، من دون تعلّم يناسبه. 

 

ثانيًا: البيداغوجيا الفارقيّة طريقة مُثلى لتحقيق تعليم شامل 

ظهرت البيداغوجيا الفارقيّة (Pédagogie Différencié) بوصفها ردّ فعل على البيداغوجيّات التقليديّة، والتي كانت تنظر إلى المتعلّمين بوصفهم كُتلًا متجانسة. وحسب لويس لوغراند، مؤسّس هذه البيداغوجيا، فإنّ البيداغوجيا الفارقيّة "طريقة تربويّة تستخدم مجموعة من الوسائل التعليميّة، قصد مساعدة المتعلّمين المختلفين في العمر والقدرات والسلوكيّات، والمنتمين إلى فصل واحد، على الوصول بطرق مختلفة إلى الأهداف نفسها" (شتواني، 2012). وغنيّ عن البيان أنّ جدّة هذا الإجراء التربويّ، تكمن في إقراره بوجود فروق فرديّة بين المتعلّمين: معرفيّة وسيكولوجيّة وسوسيو - ثقافيّة. إلّا أنّ ما تمكن ملاحظته في العديد من الحالات، وجود فوراق من طبيعة خاصّة، وهذا ما يظهر مثلًا في حالة الإعاقة الجسديّة أو الذهنيّة، بوصفها حالات تستوجب الكثير من الحيطة والحذر، ما دام أنّ جوهر التعليم الشامل يعني شمول التعليم جميع المتعلّمين في الفصل الدراسيّ على اختلافهم. وبناء على هذا المعطى المهمّ، يبقى من الواجب على المدرّس أن يعي الفوارق الفرديّة بين المتعلّمين، تبعًا لهويّاتهم واستعداداتهم وقدراتهم ومواقفهم، باعتبارها تؤثّر في كيفيّة تعلّمهم، وفي أسلوبهم في التعلّم. 

ومن بين الأساليب التي أراها ملائمة لتحقيق تعليم شامل، وانطلاقًا من تجربتنا المتواضعة في التدريس بالتعليم الثانويّ التأهيليّ، أن يعمل المدرّس على تنويع طرقه البيداغوجيّة (مثل البيداغوجيا الفارقيّة، وبيداغوجيا الخطأ، وبيداغوجيا المشروع، وبيداغوجيا اللعب)، وذلك بغاية الأخذ في الاعتبار إيقاع التعلّم بكلّ تلميذ وأشكاله الخاصّة، على الأقلّ من أجل أن نقدّم له الوسائل المناسبة لتحسينها. ولكي تتحقّق الأهداف المرجوّة، فالمدرّس مطالب بتنويع طرق إعداد الدرس وإنجازه، حتّى لا نعمل على تحسين مستوى تلاميذ بعينهم على حساب آخرين. وهكذا، فإنّ تنويع أنماط الاشتغال، وأنشطة التلاميذ، وحجم المجموعات، ودور المدّرس، ودرجة التوجيه، وإعداد فضاء القاعة – أي تنويع الإجراءات داخل الفصل الدراسيّ – جميعها تساعد كلّ تلميذ، بين الفينة والأخرى، في أن يجد من بين هذه الإجراءات ما يساعده في تجاوز الصعوبات التي يمكن أن تعترضه.

 

تأسيسًا على ما تقدّم، يظهر أنّ تحقيق تعليم شامل لجميع المتعلّمين، يفرض على المدرّس أن يأخذ في اعتباره الوعي بخصائص البيداغوجيا الفارقيّة، وأشكال توظيفها داخل الفصل الدراسيّ. لذا، فإنّنا نقترح الانطلاق ممّا يأتي: 

  • - تحديد الأهداف الإجرائيّة للتعلّم بشكل عامّ.  
  • - اعتماد روائز واختبارات لتشخيص مكتسبات المتعلّمين، وجعلها تتناسب مع وضعيّاتهم وتتلاءم مع إيقاع تعلّمهم. 
  • - تفييء المتعلّمين إلى فئات متجانسة وفق درجة تحقّق الأهداف، إلى متفوّقين ومتوسّطين وضعفاء، بناء على النتائج المحقّقة. 
  • - بناء وضعيّات تعليميّة، وانتقاء محتويات ووسائل مناسبة لكلّ صنف من المتعلّمين. 
  • - تنويع طرائق التدريس وآليّات تدبير الفصل الدراسيّ، لتلائم التنوّع الحاصل في فئات المتعلّمين. 
  • - تقييم إنجازات كلّ فئة على حدة، تزامنًا مع تسطير برنامج للدعم والمعالجة. 

في إطار تفعيل البيداغوجيا الفارقيّة، وعلى المستويين الديداكتيكيّ والبيداغوجيّ داخل الفصل الدراسيّ، قمتُ بتحديد الهدف العامّ من الدرس، والمتمثّل في ضبط منهجيّة الكتابة الفلسفيّة. تلا ذلك توزيع روائز مختلفة على المتعلّمين، قصد إجراء تقويم تشخيصيّ يمكّن من كشف مواطن القوّة والضعف، وكذا مختلف التعثّرات الحاصلة.  

ولأنّ التمكّن من الهدف العامّ للدرس ينبغي أن يشمل الجميع، فقد لجأتُ إلى أسلوب العمل بالمجموعات، حيث قمتُ بتقسيم المتعلّمين إلى ثلاثة أصناف: متمكّنين ومتوسّطين وضعفاء. وقد وضعتُ نصوصًا متفاوتة الصعوبة لكلّ مجموعة حسب درجة تمكّنها. وبعد تقييم إنجازاتهم، خلصتُ إلى ضرورة تنويع برامج الدعم والمعالجة، توزّعت بين ما هو فرديّ وثنائيّ وجماعيّ. 

 

ثالثًا: صعوبات وحلول 

يُعدّ التعليم الشامل⁄ الدامج أحد ركائز العدالة التعليميّة التي تروم دمقرطة، ليس فقط الولوج إلى، الفضاءات التربويّة، ولكن أيضًا الفعل التعليميّ التعلّميّ، بجعله مفتوحًا ومتاحًا أمام الجميع، ومن دون استثناء. إلّا أنّ هذا المسعى المهمّ تواجهه مجموعة من التحدّيات التي يمكن أن تحول دون الاستفادة من الخيرات التعليميّة، ونذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر: 

  • - غياب الفضاءات الملائمة، خصوصًا أمام التلاميذ في وضعيّة إعاقة جسديّة. فانعدام ولوجيّات المرور إلى الفضاءات التربويّة، يمكن أن يؤثّر سلبًا في نسبة تحقّق تعليم شامل للجميع. 
  • - ضعف التكوين المستمرّ والتطوير المهنيّ للمدرّسين في شأن التعليم الشامل، ورهانات التربية الدامجة. فالتطوير المهنيّ الذي يقوم به المشرفون التربويّون لفائدة المدرّسين، سيسهم، بلا شكّ، في تعزيز المقاربة الحقوقيّة ذات الصلة بالعمليّة التعليميّة التعلّميّة. 

*** 

تأسيسًا على ما سبق، يمكن التفكير في عدّة اقتراحات لتجاوز المعيقات التي يمكن أن تحول دون تحقيق عدالة تعليميّة منصفة، وذلك بإعادة هيكلة القاعات الدراسيّة، وجعلها ملائمة للمتعلّمين بجميع أصنافهم، مع الحرص على أن يواكب المشرفون التربويّون مدى استفادة الجميع من تعليم شامل. كما لا يفوتنا التذكير بأهمّيّة الانخراط في مسلسل التطوير المهنيّ والتكوين المستمرّ للمدرّسين، بما يكفل للجميع المشاركة في تنزيل رؤية المدرسة الجديدة، القائمة على أساس الإنصاف وتكافؤ الفرص. 

 

المراجع 

شتواني، حياة. (2012). البيداغوجيا الفارقيّة أداة لتحسين جودة التعلّمات. مجلّة علوم التربية، (52)، 104.