قد تبدو مسؤوليّة تهيئة الطفل للروضة ممتعة في ظاهرها، لكنّها في كثير من الأحيان تمثّل حملًا ثقيلًا على كاهل الآباء والأطفال على حدّ سواء. إذ يُعتبر هذا الانتقال للطفل بمثابة بداية فصل جديد غامض، مليء بالتعلّم والنموّ والتجارب الاجتماعيّة الجديدة التي سيتعرّض إليها لأوّل مرّة. لكن، وعلى رغم ذلك، يمكن أن يؤدّي هذا الانتقال إلى قلق وتوتّر من اندماج الطفل مع بيئة جديدة بعيدًا عن المنزل، إلّا أنّ التحضير المناسب سيساعد في تخفيف هذه المخاوف، ويحفّز على تهيئة الطريق نحو بداية إيجابيّة لرحلته التعليميّة. في هذه المقالة، سنستكشف أكثر الاستراتيجيّات فعّاليّة لتهيئة الطفل للروضة، ومعالجة التحدّيات الشائعة، مثل قلق انفصال الطفل عن أهله، والخوف ممّا يجهله الطفل في المكان الجديد، وتقديم نصائح عمليّة لجعل هذه الخطوة الكبيرة أكثر سلاسة ومتعة.
ما معنى أن يكون الطفل مستعدًّا للروضة؟
يتضمّن فهم مدى استعداد طفلك للروضة، تقييم مجموعة من المهارات الاجتماعيّة والعاطفيّة والإدراكيّة والجسديّة، والتي تعدّ ضروريّة لتسجيل بداية رائعة في المدرسة. إذ لا يقتصر الاستعداد لمرحلة الروضة على المعرفة الأكاديميّة، من حروف وأرقام فحسب؛ بل يشمل أيضًا قدرة الطفل على اتّباع التعليمات، وإدراك المشاعر وإدارتها والتفاعل بشكل إيجابيّ مع زملائه. فالأطفال فضوليّون بطبيعتهم، ودائمًا ما تراهم متحمّسين للتعلّم والتكيّف مع البيئات الجديدة. لذلك، فتشجيع طفلك على المشاركة في الأنشطة الجماعيّة، وممارسة مهارات الاعتماد على الذات، مثل ارتداء الملابس أو استخدام الحمّام بشكل مستقلّ، واتّباع نوع معيّن من الروتين، يمكن أن يعزّز بشكل كبير من استعداده.
لكن من المهمّ أن تتذكّر أنّ الاستعداد يمكن أن يختلف على نطاق واسع بين الأطفال، ولا توجد قائمة مرجعيّة واحدة تناسب الجميع. يمكن أن يساعدك التواصل مع معلّمي الروضة، والتفكير في العوامل التنمويّة، وتوفير أدوات التعلّم القائم على اللعب وفرصه، في قياس استعداده ودعم انتقال أكثر سلاسة إلى مرحلة الروضة.
ما أساليب التهيئة المناسبة لطفل الروضة؟
لا تقتصر عمليّة تهيئة الطفل للروضة على شراء القرطاسيّة واللوازم المدرسيّة واختيار الملابس المناسبة لليوم الأوّل، بل يتعلّق الأمر أكثر بتجهيزه على المستوى العاطفيّ والأكاديميّ والاجتماعيّ للرحلة المقبلة. وفي الآتي بعض أساليب الإعداد الرئيسيّة:
- 1. تعزيز الاستقلاليّة: شجّع طفلك على أداء مهامّ بسيطة بمفرده، مثل ارتداء الملابس وتناول الطعام واستخدام الحمّام. هذه الخطوات الصغيرة تبني الثقة والاعتماد على الذات، وهي أمور بالغة الأهمّيّة في بيئة رياض الأطفال.
- 2. بناء روتين يوميّ: يوفّر الروتين للأطفال شعورًا بالأمان والقدرة على توقّع الأحداث اليوميّة. ابدأ مع طفلك في تنفيذ جدول زمنيّ يشبه المدرسة، قبل بضعة أسابيع من بدء الروضة. قد يشمل ذلك تنظيم أوقات النوم والاستيقاظ، وأوقاتًا محدّدة للوجبات، وفترات محدّدة للعب والأنشطة.
- 3. إذا كان طفلك يذهب إلى الفراش في وقت متأخّر قليلًا أثناء عطلة الصيف، فإنّ تبكير موعد النوم بدءًا من ١٥ دقيقة، وزيادتها تدريجيًّا في الأيّام التي تسبق المدرسة، سيساعده في تحسين موعد نومه بسهولة في أيّام الروضة.
- 4. تنمية المهارات الاجتماعيّة: تعتبر رياض الأطفال بيئة اجتماعيّة يتفاعل فيها الأطفال مع أقرانهم ومعلّميهم. يمكن أن تساعد ممارسة اللعب والأنشطة الجماعيّة، وتشجيع المشاركة وتبادل الأدوار مع طفلك في المنزل، في الشعور بالراحة في المواقف الاجتماعيّة.
- 5. ممارسة الأساسيّات الأكاديميّة: في حين لا يتوقّع معلّمو رياض الأطفال أن يعرف الأطفال كلّ شيء، فإنّ الإلمام بالأساسيّات، مثل التعرّف إلى الحروف والأرقام والأشكال والألوان، يمكن أن يمنح طفلك بداية جيّدة. ولكي تساعد طفلك في الإقبال أكثر على التعلّم، اجعل الأمر ممتعًا باستخدام الألعاب والأغاني والقصص.
- 6. زيارة المدرسة: سيساعد التعرّف إلى البيئة الجديدة برفقة الوالدين، في تقليل القلق والخوف من المجهول، وإزالة الغموض والرهبة تجاه المكان الجديد لدى الطفل. لذلك، اصطحب طفلك في زيارة إلى المدرسة، واستكشف ساحة اللعب، بل وحتّى قابل المعلّم معه أيضًا إن أمكن.
- 7. التحدّث بإيجابيّة عن المدرسة: حافظ على الإيجابيّة والطمأنينة عند تحدّثك عن المدرسة مع طفلك؛ أخبره مثلًا عن الوقت الممتع الذي سيقضيه مع أقرانه، والصداقات الرائعة التي سيشكّلها في الروضة، ولا تنسَ ذكر المعلّم الذي سيكون برفقته طوال الوقت. سيساعده ذلك في تشكيل تصوّراته ومواقفه تجاه هذه التجربة الجديدة.
حديثك عن المدرسة بأسلوب إيجابيّ، سيخلق عنده شعورًا بالإثارة والترقّب. كما أنّ تسليط الضوء على الأنشطة الممتعة والأصدقاء الجدد وفرص التعلّم الممكنة، تجعل طفلك يتطلّع إلى الذهاب إلى المدرسة شاعرًا بالأمان والثقة في قدرته على التعامل مع البيئة الجديدة.
أسباب خوف الطفل من الروضة
يعدّ شعور الخوف بين الأطفال عند بدء مرحلة رياض الأطفال أمرًا شائعًا، لكنّ فهم الأسباب وراء هذه المشاعر يمكن أن يساعد الآباء في التعامل معها بشكل أكثر فعّاليّة، ويجعل مرحلة تهيئة الطفل للروضة ممتعة. تشمل بعض الأسباب الشائعة ما يأتي:
- - الخوف من الانفصال: يشعر العديد من الأطفال بالقلق بسبب ابتعادهم عن والديهم لفترات طويلة، وهذا شعور طبيعيّ، إلّا أنّه قد يكون أمرًا صعبًا، خصوصًا لو كان الطفل شديد التعلّق بوالديه. ولكن، هناك استراتيجيّات لتخفيف هذا التعلّق، منها:
- 1. ممارسة الانفصال القصير: ابدأ مع طفلك بفترات قصيرة من الانفصال قبل بدء الروضة بأسابيع قليلة، واترك طفلك مع شخص قريب موثوق، وزِد مدّة الانفصال تدريجيًّا مع الأيّام، لمساعدة طفلك في التكيّف.
- 2. تشجيع التفاعلات الاجتماعيّة: أشرك طفلك في أنشطة تمكّنه من التفاعل مع أقرانه من دون مشاركتك المباشرة. مع تكرار هذه الطريقة، سيتعلّم طفلك الاستمتاع بصحبة الآخرين والتفاعل معهم، والاعتماد بشكل أقلّ على وجودك.
- 3. تعزيز الانفصال الإيجابيّ: في كلّ مرّة ينجح فيها طفلك في تجاوز مدّة الانفصال من دون مشاكل، امدحه على شجاعته واستقلاليّته، فالتعزيز الإيجابيّ يشجّعه على تكرار السلوك.
- 4. البقاء على اتّصال: الانفصال لفترة لا يعني انعدام التواصل. قدّم لطفلك عنصرًا صغيرًا مألوفًا، مثل صورة عائليّة أو لعبة خاصّة يمكنه اصطحابها إلى المدرسة. يوفّر هذا الأمر شعورًا بالطمأنينة للطفل.
- - الخوف من المجهول: يشكّل بدء الروضة مرحلة انتقاليّة كبرى في حياة الطفل، ومن أكثر الأسباب شيوعًا للقلق في هذه الفترة الخوف من المجهول. إذ يدخل الأطفال عالمًا جديدًا مليئًا بمحيط غير مألوف، ووجوه جديدة، وروتين يختلف بشكل كبير عمّا اعتادوا عليه في المنزل. ويمكن أن يتجلّى هذا الخوف بطرق مختلفة، مثل الإحجام عن الذهاب إلى الروضة، والتشبّث بالوالدين، والبكاء، أو حتّى الأعراض الجسديّة مثل آلام المعدة.
- - الخوف من الفشل أو عدم الانسجام: مع استعداد الأطفال لدخول الروضة، فإنّ أحد المخاوف الحسّاسة والمهمّة التي قد يواجهونها، هو الخوف من الفشل أو عدم الانسجام. يتجاوز هذا الخوف مجرّد القلق العامّ بشأن المجهول؛ فهو يمسّ احترام الطفل لذاته وشعوره بالانتماء. فقد يقلق بشأن قدرته على تلبية متطلّبات المدرسة، أو مواكبة أقرانه، أو تكوين صداقات. وغالبًا ما ينبع هذا الخوف من الافتقار إلى الثقة في قدراته، أو القلق بشأن حكم الآخرين عليه. سيشكّل فهم هذه المخاوف ومعالجتها فارقًا في تهيئة الطفل للروضة.
دعم الطفل خلال الأسابيع الأولى
تمثّل الأسابيع القليلة الأولى من مرحلة الروضة فترة تكيّف ليس فقط للطفل، بل وللأسرة بأكملها. لذلك، من المهمّ توفير بيئة داعمة في المنزل تُشعر طفلك بأنّه مسموع ومفهوم. تحدّث معه يوميًّا، واطرح عليه أسئلة مفتوحة حول يومه، مثل "ما أفضل شيء فعلته اليوم؟" أو "هل كوّنت أيّ أصدقاء جدد؟" هذا يشجّع طفلك على التعبير عن مشاعره ومشاركة تجاربه.
إذا استمرّ طفلك في الخوف ومقاومة الذهاب إلى الروضة، كن صبورًا وحافظ على التواصل المفتوح مع معلّمه. يمكن للمعلّمين تقديم حلول مجدية حول كيفيّة التعامل مع طفلك، وتوفير استراتيجيّات للمساعدة في تسهيل تكيّفه.
من المهمّ أن تتذكّر أنّ كلّ طفل يختلف عن الآخر؛ في حين قد يتكيّف البعض في غضون أيّام، قد يستغرق البعض الآخر بضعة أسابيع ليشعر بالراحة.


