تعلّم كيفيّة التعلّم: المهارة الجوهريّة لعصر الذكاء الاصطناعيّ
وفقًا لتقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصاديّ العالميّ، سيشهد سوق العمل العالميّ حتّى سنة 2030 تحوّلات متسارعة، بحيث تختفي وظائف قائمة وتظهر أخرى جديدة بوتيرة متزايدة، نتيجة التحوّل الرقميّ والتغيّرات الاقتصاديّة والتكنولوجيّة (World Econo
تعلّم كيفيّة التعلّم: المهارة الجوهريّة لعصر الذكاء الاصطناعيّ
وفقًا لتقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصاديّ العالميّ، سيشهد سوق العمل العالميّ حتّى سنة 2030 تحوّلات متسارعة، بحيث تختفي وظائف قائمة وتظهر أخرى جديدة بوتيرة متزايدة، نتيجة التحوّل الرقميّ والتغيّرات الاقتصاديّة والتكنولوجيّة (World Econo
علي محمد عيسى | استاذ رياضيات-لبنان

يشهد العالم في العقود الأخيرة تحوّلات جذريّة بفعل الثورة التكنولوجيّة، خصوصًا مع الانتشار السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعيّ، والتي باتت تتغلغل في مختلف مجالات الحياة، من التعليم إلى الطبّ، ومن الاقتصاد إلى الثقافة. هذه التحوّلات غيّرت طبيعة المعرفة ومصادرها، فلم تعد المدرسة المصدر الوحيد، ولا المعلّم الناقل الحصريّ للمعلومة، بل أصبح المتعلّم قادرًا بضغطة زرّ على الوصول إلى مكتبات ومختبرات رقميّة عالميّة. غير أنّ وفرة المعرفة لم تجعل التعلّم أسهل دائمًا، بل جعلت السؤال أعمق:

 

ما المهارة الأهمّ التي يجب أن نمنحها للطلّاب في هذا العصر؟

يبدو أنّ الإجابة التي يتّفق عليها كثير من الأبحاث التربويّة والاجتماعيّة الحديثة، تتمثّل في أنّ المهارة الجوهريّة ليست في حفظ المعارف، ولا حتّى في امتلاك مهارات تقنيّة ضيّقة، بل في إتقان "تعلّم كيفيّة التعلّم" (Learning how to learn). إنّها المهارة التي تتيح للمتعلّم أن يظلّ قادرًا على التكيّف مع أيّ جديد، وأن يطوّر ذاته باستمرار، وأن يتعامل بمرونة مع عالم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة.

ما معنى "تعلّم كيفيّة التعلّم"؟

 يُقصد بهذه المهارة امتلاك المتعلّم مجموعة من القدرات الذهنيّة والوجدانيّة التي تمكّنه من:

  1. 2. الوعي بطرائق التعلّم الخاصّة به: أي أن يعرف كيف يتعلّم بشكل أفضل، سواء بالملاحظة، أو النقاش، أو التجربة، أو القراءة الفرديّة.
  2. 3. تنظيم عمليّة التعلّم: عن طريق وضع أهداف واضحة، وإدارة الوقت، وتقييم التقدّم، والبحث عن مصادر موثوقة.
  3. 4. استخدام استراتيجيّات متنوّعة: مثل التلخيص، والربط بالمفاهيم السابقة، وطرح الأسئلة، والتعلّم التعاونيّ، والاستعانة بالتقنيّات الرقميّة.
  4. 5. القدرة على النقد والتفكير المرن: أي أن يتعامل مع المعرفة باعتبارها قابلة للنقاش والتطوير، لا باعتبارها حقائق جامدة.
  5. 6. الدافعيّة الداخليّة: وهي المحرّك الأساس الذي يجعل الطالب مستمرًّا في التعلّم، حتّى خارج إطار المدرسة.

 

جدول

 

وهنا ويبرز سؤال: لماذا هذه المهارة الأهمّ اليوم؟

وفقًا لتقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصاديّ العالميّ، سيشهد سوق العمل العالميّ حتّى سنة 2030 تحوّلات متسارعة، بحيث تختفي وظائف قائمة وتظهر أخرى جديدة بوتيرة متزايدة، نتيجة التحوّل الرقميّ والتغيّرات الاقتصاديّة والتكنولوجيّة (World Economic Forum, 2025). وفي سياق مكمّل، تؤكّد دراسة جائزة اليونسكو لمدينة التعلّم لسنة 2024، الصادرة عن معهد اليونسكو للتعلّم مدى الحياة، أهمّيّة ترسيخ ثقافة التعلّم مدى الحياة وبناء بيئات محلّيّة داعمة للتعلّم، بما يعزّز قدرة الأفراد على التكيّف مع التحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة (UNESCO Institute for Lifelong Learning, 2024). لذلك، لا يمكن للمدرسة أن تجهّز الطالب لكلّ وظيفة مستقبليّة بشكل مباشر، لكن يمكنها أن تمنحه الأداة الجوهريّة: كيف يتعلّم أيّ مهارة جديدة عند الحاجة.

كما إنّ الاعتماد على الذكاء الاصطناعيّ جعل الوصول إلى المعلومة أمرًا سهلًا، بينما بقيت القدرة على توظيف المعلومة وتحويلها إلى معرفة نافعة، مرتبطة بمهارة "تعلّم كيفيّة التعلّم". فالمتعلّم الذي يتقن هذه المهارة، لن يكون مجرّد مستهلك سلبيّ للتطبيقات الرقميّة، بل مستخدمًا ذكيًّا قادرًا على توجيه التكنولوجيا لخدمة حاجاته التعليميّة والإبداعيّة.

 

كيف يمكن للمدارس والثانويّات أن توظّف هذه المهارة؟

لا تُرسّخ مهارة "تعلّم كيفيّة التعلّم" في درس منفصل أو مادّة إضافيّة، بل بتعزيز ثقافة تربويّة شاملة، تدمج هذه المهارة في مختلف الممارسات التعليميّة. ومن بين الخطوات العمليّة:

 

خطوات

1. تعليم استراتيجيّات التعلّم الصريح (Explicit Learning Strategies)

ينبغي للمعلّمين أن يخصّصوا وقتًا لتعريف الطلّاب باستراتيجيّات فعّالة، مثل تدوين الملاحظات الذكيّة، والخرائط الذهنيّة، وتقنيّات الاسترجاع النشط، وأساليب القراءة النقديّة. هذه الممارسات تمنح الطالب أدوات ملموسة، تساعده في إدراك أنّ التعلّم عمليّة تمكن إدارتها.

2. استخدام المشاريع وحلّ المشكلات

عندما يُطلب إلى المتعلّم العمل على مشروع حقيقيّ أو مواجهة مشكلة معقّدة، فإنّه يكتسب خبرة في البحث، وتنظيم الوقت، والتعاون، وتقييم المصادر. هذه الخبرة تترجم مباشرة إلى مهارات تعلّم كيفيّة التعلّم، لأنّها تضع الطالب في موقع "المتعلّم المستقلّ"، بدلًا من المتلقّي السلبيّ.

3. تشجيع التعلّم الذاتيّ باستخدام التكنولوجيا

يمكن للمدرسة أن تفتح أمام المتعلّم منصّات رقميّة، ودورات مفتوحة (MOOCs)، وأدوات ذكاء اصطناعيّ تعليميّة، مع تدريبه على كيفيّة الاستفادة منها. الفكرة ليست فقط في استخدام التكنولوجيا، بل في جعل الطالب قادرًا على اختيار ما يناسبه وتوظيفه بشكل هادف.

4. تنمية مهارات ما وراء المعرفة (Metacognition)

أي مساعدة الطالب في التفكير في تفكيره: كيف تعلّمت اليوم؟ ما الذي نجح؟ ما الذي يمكن أن أغيّره؟ هذا الوعي بالعمليّة التعليميّة يمثّل جوهر "تعلّم كيفيّة التعلّم"، ويمنح الطالب قدرة على التحسين المستمرّ.

5. ثقافة الخطأ بوصفها فرصة للتعلّم

في كثير من الأنظمة التقليديّة، يُعامل الخطأ باعتباره فشلًا، لكنّ المدارس الحديثة تجعل منه فرصة للتفكير وإعادة المحاولة. عندما يتعلّم الطالب أنّ الفشل جزء من التعلّم، يكتسب مرونة ذهنيّة تشجّعه على خوض تجارب جديدة من دون خوف.

6. دور المعلّم بوصفه مرشدًا لا ناقل معرفة

يتحوّل المعلّم في هذا السياق إلى "مدرّب تعلّم"، يساعد الطالب في اكتشاف ذاته بوصفه متعلّمًا، ويدعمه في رحلته لاكتساب المعارف الجديدة. فالعلاقة لم تعد رأسيّة (معلّم يلقّن/ طالب يحفظ)، بل أفقيّة تفاعليّة.

 

تحدّيات متوقّعة

يواجه إدماج مهارة "تعلّم كيفيّة التعلّم" في العمليّة التعليميّة التعلّميّة تحدّيات عديدة، من أبرزها:

جدول 2

  • - المناهج التقليديّة التي تركّز على الحفظ والاختبارات.
  • - النقص في تدريب المعلّمين على استراتيجيّات تعليم مهارات التعلّم.
  • - الفجوة الرقميّة التي قد تحدّ من وصول بعض الطلّاب إلى موارد متنوّعة.

 

لكنّ مواجهة هذه التحدّيات ممكنة عن طريق إصلاح المناهج، وتدريب المعلّمين، وتبنّي سياسات تعليميّة تشجّع الابتكار. ومن الممكن وضع تصوّر لخطّة صفّيّة لتنمية "مهارة تعلّم كيفيّة التعلّم" في حصص درس الرياضيّات، في خمس خطوات أسبوعيًّا وفق الآتي: 

الهدف العامّ:

مساعدة الطلّاب في امتلاك استراتيجيّات عمليّة، ليصبحوا أكثر وعيًا بكيفيّة تعلّمهم، وأكثر استقلاليّة ومرونة في مواجهة مسائل الرياضيّات.

الخطوة 1: التفكير في طرق التعلّم (ما وراء المعرفة) – 5 دقائق

  1. 1. اطلب إلى الطلّاب أن يكتبوا بسرعة عن رأيهم في أفضل طريقة لتعلّم الرياضيّات، وأعطِهم بعض الاستراتيجيّات، مثل النقاش، والمحاولة والخطأ، وحلّ مسائل تدريجيّة. 
  2. 2. بعد دقيقة، اطلب إليهم أن يناقشوا مع زميل واحد ويقارنوا.
  3. 3. الهدف: جعل الطالب واعيًا بطرائق تعلّمه الخاصّة.

 

الخطوة 2: تحديد هدف تعلّم واضح 

  1. 1. في بداية كلّ حصّة، ساعد الطلّاب في صياغة هدف شخصيّ صغير، مثلًا: اليوم أريد أن أتعلّم (يضع الطالب عنوان الموضوع الذي سيتعلّم عنه من المعلّم هذا اليوم). 
  2. 2. يكتب هذا الهدف على دفتر أو بطاقة صغيرة.
  3. 3. الهدف: تدريب الطلّاب على وضع أهداف واضحة لإدارة عمليّة التعلّم.

 

الخطوة 3: حلّ مسألة باستخدام استراتيجيّات متنوّعة 

  1. 1. قدّم مسألة رياضيّة مفتوحة لعطلة نهاية الأسبوع.
  2. 2. اطلب إلى الطلّاب العمل في مجموعات صغيرة أو بشكل فرديّ، مع الحرّيّة في اختيار الاستراتيجيّة: استخدام الرسم - البحث في الكتاب/ الإنترنت - تجربة خطوات رياضيّة مختلفة.
  3. 3. الهدف: تنويع استراتيجيّات التعلّم، بدل الاقتصار على أسلوب واحد.

 

الخطوة 4: نقاش نقديّ للطرق والحلول في مطلع الأسبوع، ومع بداية الحصّة الأولى في الرياضيّات 

  1. 1. تعرض كلّ مجموعة طريقتها أمام الصفّ.
  2. 2. يشجّع الطلّاب على طرح أسئلة، مثل: لماذا اخترتم هذه الطريقة؟ ما الصعوبات التي واجهتموها؟ هل هناك طرق بديلة؟
  3. 3. الهدف: تنمية التفكير النقديّ والمرونة.

 

الخطوة 5: التقييم الذاتيّ والتغذية الراجعة 

  1. 1. في نهاية النشاط، يجيب الطلّاب عن سؤالَين كتابيًّا: ما الذي نجح معي اليوم؟ ما الذي سأحاول تغييره في المرّة المقبلة؟
  2. 2. يمكنك جمع البطاقات، أو الاكتفاء بالمناقشة السريعة.
  3. 3. الهدف: تعزيز الدافعيّة الداخليّة والوعي بعمليّة التعلّم.

 

ملاحظات للمعلّم:

  1. 1. كرّر هذه الخطّة مع تعديلات بسيطة في كلّ درس (مسألة مختلفة – هدف جديد).
  2. 2. ركّز على دورك بوصفك مرشدًا وميسّرًا، أكثر من كونك ناقلًا للمعلومة.
  3. 3. اجعل الأخطاء فرصًا للتعلّم، لا سببًا للعقاب.

 

***

 

في عالم يتغيّر بوتيرة مذهلة، لا يمكن أن نراهن على تعليم الطلّاب "كلّ شيء" وهم على مقاعد الدراسة، لكن يمكننا أن نمنحهم القدرة على أن يتعلّموا أيّ شيء يحتاجون إليه في أيّ وقت: أن نعلّمهم كيف يتعلّمون. هذه المهارة الجوهريّة التي تصنع الفارق بين جيل يتأقلم مع تحدّيات المستقبل، وجيل يتجاوزه الزمن. إذا تبنّت المدارس والثانويّات هذه الرؤية، ستتحوّل من أماكن لتلقين المعارف، إلى فضاءات لبناء العقول المرنة، والقادرة على مواصلة التعلّم مدى الحياة.

 

المراجع

- World Economic Forum. (2025). The future of jobs report 2025.

- UNESCO Institute for Lifelong Learning. (2024). UNESCO learning city award 2024.