المعلّم والذكاء الاصطناعيّ: أيّهما أحقّ بالصدارة؟
المعلّم والذكاء الاصطناعيّ: أيّهما أحقّ بالصدارة؟
Sun, 15 Mar 2026 - 14:12
هندة دجبي | معلّمة مرحلة متوسّطة، ومستشارة أسريّة وتربويّة- تونس

مع بداية كلّ سنة دراسيّة، لا يسعنا إلّا أن نتحدّث عن دور المعلّم ومكانته في زمن التكنولوجيا الحديثة، والأجهزة الإلكترونيّة المتطوّرة التي غزت كلّ البيوت واستحوذت على كلّ العقول. أجهزة ومحرّكات للبحث لم تترك معلومة إلّا وجعلتها في متناول الصغير قبل الكبير. ولم تهمل نوعًا من أنواع المعارف والعلوم إلّا وبحثت فيها، وتقصّت عبر الذكاء الاصطناعيّ. فطرحتها للعموم، ووفّرت عليهم جهدهم ووقتهم، ضاربة بذلك عرض الحائط بقيمة السعي والاجتهاد والابتكار، وبقدرات العقل البشريّ، ودوره في الارتقاء بالذّات، وتحقيق غاياتها النبيلة من أجل الحياة السعيدة باستحقاق إعمار الأرض وخلافة الله عليها. أيّ دور للمعلّم يبقى؟ وأيّ قيمة لمعارفه ومعلوماته في زمن المنافسة الشرسة مع الذكاء الاصطناعيّ؟

عندما نتحدّث عن منطق المنافسة في أيّ مجال من المجالات، فنحن نتحدّث دومًا عن الامتيازات التي يتمتّع بها المتنافسون. فتكون الغلبة لأحدهما على حساب الآخر. وفي نطاق حديثنا، سنعرض الامتيازات التي يتمتّع بها المعلّم، وليست في متناول منافسه، والتي تجعله يسحقه بالضربة القاضية، شريطة الوعي والإقرار بها من قِبَل من يتصدّر للتحكيم.

المعلّم الرّسول

المعلّم ليس موظّفًا لدى الدّولة ينتهي عمله بانتهاء دوامه، وإنّما هو سراج منير، يزداد نوره عند غروب كلّ شمس مع كلّ حرف يخطّه على كرّاس الدروس، ومع كلّ لحظة يبذلها في سبيل الاستعداد للحصّة القادمة. وهو بين عائلته وأبنائه، ذلك الحاضر الغائب.

 فضلًا عن أنّه ذلك القلب النابض بحبّ الآلاف ممّن درّسهم ويدرّسهم، وهم يتشاركون مع أبنائه الأصليين في فكره وقلبه ومحبّته ورأفته. معلّمنا (مهما تطاولت عليه الألسن والأيادي، ومهما شذّ البعض عنه)، هو ذلك السراج الذي يخفت نوره شيئًا فشيئًا في سبيل إنارة الطريق للآخرين. وهو ذلك الرسول الذي يحمل بين جنبيه إيمانًا راسخًا بأنّه يؤدّي رسالة مضمونها نحت كيان، وبناء أمّة. معلّمنا أعزل إلّا من سلاح الإخلاص في العمل والبذل والتضحية من أجل بناء غد مشرق لطلّابه. أين التكنولوجيا والذكاء الاصطناعيّ من الإيمان بهذه الرسالة، وتأديتها بكلّ أمانة لأصحابها؟

المعلّم الإنسان

ماذا يستفيد الفرد إن كان يتعامل مع جماد؟ وما نفع الإنسان إن كان خاليًا من المشاعر والأحاسيس والتعاطف؟ من الأكيد أنّ العلاقة الإنسانيّة التي تُبنى بين المعلّم وطلّابه، لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تُبنى بين الطالب وجهازه مهما كان متطوّرًا، وعلى أعلى طراز؛ لأنّ المعلّم وعبر سنوات من الخبرة والتفاعل مع الطلّاب، يصبح قادرًا على فهم شخصيّاتهم ومعرفة مشاعرهم الخفيّة، وله نظرة ثاقبة حول التحدّيّات التي يعانونها، حتّى داخل أسرهم ومع الأقربين منهم. فيعمل جاهدًا على احتوائهم واستيعاب مشاكلهم، مهما عَظُمت؛ فيتواصل معهم بوعي، ويستمع إليهم ناصحًا مرشدًا إيّاهم من غير لين في حين، ومعاقبًا حينًا آخر من غير قسوة . المعلّم، ذلك الجسر الذي يمتدّ بين الطالب وذاته، يرأب الصدع الحاصل داخله، ويشعره بأنّ ثمة من يصغي له ويصبر عليه، ويتحمّل نزقه. لا ينتظر منه إلّا تفوّقه وتميّزه وبناء مستقبل أفضل له. هل يمكن للذكاء الاصطناعيّ أن يمنح أبناءنا الإحساس بالأمان فينامون ملء جفونهم حالمين بالمستقبل المشرق؟

المعلّم الملهم

هل يمنح الذكاء الاصطناعيّ الطالب ثقة بنفسه أم ينزعها عنه؟ هل يسهم في إعلاء قدراته أم يعمل على طمسها والقضاء عليها؟ هذا ما يجب أن نفكّر فيه مليًّا، فنعطي لكلّ ذي حقّ حقّه.

 الذكاء الاصطناعيّ ما هو إلّا وسيلة ابتدعها عقل بشريّ مبدع تجاوز حدود المعرفة العاديّة، ولكن للسائل أن يسأل: من وضع حجر أساس هذه المعرفة والعلم في حياة هذا العبقريّ؟ أليس المعلّم الذي نسعى لأن ننزع منه سلطته المعرفيّة اليوم؟ ألم يكن هذا المعلّم هو من أنار طريق هذا العبقريّ حتّى يتجاوز حدوده الضيّقة؟

 سواء كان معلّمًا ذا طاقة إيجابيّة أو سلبيّة في حياة هذا العبقريّ، فقد كان ملهمًا له، محفّزًا للطاقة الكامنة في داخله، ومنيرًا لدرب الجهل والظلمة التي كان يعيشها، قبل أن تطأ قدمه أرض المدرسة منارة العلم والمعرفة، ويلتقيه فيبعث في داخله الأمل ويمنحه الثقة ويفتح أمامه أبوابًا كانت موصدة لم تكن لِتُفتح لولا إبداع هذا المعلّم وتضحياته، من أجل بناء المجتمعات وتطوّر الإنسانيّة.

 

***

كلّ إبداع بشريّ يظلّ هو الأرقى. وعبقريّة الإنسان تفوق كلّ توقّع.  ولا يمكن للأمم والمجتمعات أن ترتقي وتتطوّر، وهي تستهلك من دون جهد أو وعي ما يُصدَّر لها. وهنا يظلّ دور المعلّم رئيسيًّا  في نشر الوعي بين الطلّاب، راسخًا في تقديم الدعم المعنويّ والمادّي إليهم، متجاوزًا بهم كلّ حدود الجهل والظلاميّة أيًّا كان نوعها. وقد صدق من قال:

     قم للمعلّم وفِه التبجيلا          كاد المعلّم أن يكون رسولا