الصفّ المعكوس لاكتشاف إبداع الطلّاب
الصفّ المعكوس لاكتشاف إبداع الطلّاب
مجد مالك خضر | كاتب ومدوّن- الأُردن

عندما بدأت رحلتي في العمل مُعلّمًا، بحثت عن الوسائل والطرق التي تطوّر مهاراتي وأسلوبي في التدريس، ولا أنسى اليوم الذي زرتُ فيه أحد زملائي المعلّمين، وشاهدته يقدّم حصّته بطريقة مميّزة، فقلب الأدوار بينه وبين الطلّاب، وتفاعلوا معه بطريقة رائعة، تحوّلت الحصّة من مجرّد تلقين إلى حصّة تفاعليّة. بعد انتهاء الحصّة شكرته على جهده المتميّز في التعليم، فأخبرني بأنّه نفّذ استراتيجيّة تعليميّة اسمها "الصفّ المعكوس" (Flipped Classroom)، والتي تعدّ من أكثر الأساليب ابتكارًا وتأثيرًا في تعزيز التعليم. تهدف هذه الاستراتيجيّة إلى تحويل الطالب من متلقٍّ إلى مشارك نشط في عملية التعلّم. وفي هذه المقالة، سأتحدّث عن مفهوم الصفّ المعكوس وفوائده وتحدّياته وكيفيّة تطبيقه، مع تقديم مثال من واقع تجربتي.

ما مفهوم الصفّ المعكوس؟

الصفّ المعكوس نموذج تعليميّ معاكس للطريقة التقليديّة في التدريس. فتقليديًّا، يُدرّس المعلّم الدرس في الصفّ، بينما يترك للطلّاب حلّ الواجبات أو مراجعة المادّة في المنزل. أمّا في الصفّ المعكوس، فيتعرّف الطلّاب إلى المحتوى التعليميّ خارج الصفّ (غالبًا من مقاطع فيديو أو البحث في الإنترنت أو القراءة الذاتيّة)، ويُخصّص وقت الحصّة لمناقشة ما توصّل إليه الطلّاب، وتنفيذ الأنشطة، وحلّ أسئلة الدرس بمساعدة المعلّم.

بمعنى آخر، تُعكس الأدوار: فالتعلّم النظريّ يحدث في المنزل، بينما يصبح الصفّ مكانًا للتعلّم النشط التفاعليّ، باستخدام وسائل تعليميّة مساندة، مثل مقاطع الفيديو التعليميّة، والاختبارات القصيرة، أو حتّى توظيف وسائل التواصل الاجتماعيّ للتواصل مع الطلّاب، وتزويدهم بما يحتاجون إليه من مراجع ووسائط تعلّم.

 

ما فوائد توظيف استراتيجيّة الصفّ المعكوس؟

أرى أنّ توظيف الصفّ المعكوس يحقّق فوائد متنوّعة، منها:

  1. 1.تحقيق التعلّم الذاتيّ للمحتوى التعليميّ، فيتمكّن الطلّاب من إعادة مشاهدة مقاطع الفيديو ومراجعة المادّة، لاستيعاب المفاهيم والمعلومات بشكل أفضل، ما يُقلّل من التوتّر والقلق في الصفّ.
  2. 2.استبدال وقت الحصّة من التلقين النظريّ، إلى التدريس بالمناقشات والعمل الجماعيّ وحلّ أوراق العمل والاختبارات القصيرة. يعزّز هذا كلّه التفكير الناقد، ومهارات التواصل لدى الطلّاب.
  3. 3.تعزيز الاعتماد على الذات، فالصفّ المعكوس يتطلّب من الطلّاب التحضير المسبق والجيّد للدرس، وتدوين المعلومات والأفكار المتعلّقة به، من أجل دراستها ثمّ مشاركتها مع زملائهم في الصفّ.
  4. 4.تنمية مهارة إدارة الوقت، إذ يصير الطلّاب أكثر قدرة على إدارة وقتهم، سواء أثناء الدراسة في المنزل أو في وقت الحصّة، ما يساعدهم في إدراك نتاجات التعلّم، والتوصّل إلى تحقيقها بأفضل الوسائل المتاحة.
  5. 5.استخدام التكنولوجيا بفعّاليّة، عن طريق دمج الصفّ المعكوس للتكنولوجيا ضمن التعلّم، بما يحاكي الحاجات التعليميّة العصريّة، ويجعل التعلّم أكثر ملاءمة للجيل الجديد من الطلّاب المتأثّرين بالأجهزة الرقميّة الحديثة.

 

تطبيق استراتيجيّة الصفّ المعكوس في التدريس

من واقع خبرتي في التدريس، أقترح مجموعة من الخطوات لتطبيق استراتيجيّة الصفّ المعكوس، يمكن للمعلّم اتّباعها، وهي:

  1. 1. إعداد المحتوى التعليميّ: يستعين المعلّم بالكتاب المدرسيّ لاختيار الدرس الذي سيطبّق في تدريسه استراتيجيّة الصفّ المعكوس، ثمّ يُلخّص الأفكار، ويدوّنها في نقاط موجزة ومباشرة، مع التركيز على المفاهيم الأساسيّة.
  2. 2. توزيع نتاجات التعلّم على الطلّاب: يوزّع المعلّم نتاجات التعلّم التي ستُشرح في الحصّة على الطلّاب، ويراعي في هذا التوزيع عددهم في الصفّ، فإذا كان العدد كبيرًا، يُفضّل توزيعهم في مجموعات تعلّم، بهدف تعزيز مشاركة الجميع.
  3. 3. تنفيذ الحصّة الصفّيّة باستراتيجيّة الصفّ المعكوس: يصمّم المعلّم أنشطة تفاعليّة، مثل حلّ المشكلات، والنقاشات الجماعيّة، وأوراق العمل، والبطاقات التعليميّة، ثمّ يُخصّص وقتًا للإجابة عن أسئلة الطلّاب وتوضيح المفاهيم الصعبة عليهم. وقد يتدخّل أحيانًا في شرح المادّة التعليميّة، إذا وجد أنّ بعض الطلّاب غير قادرين على توضيح المعلومات لزملائهم.
  4. 4. تقييم تعلّم الطلّاب: يستخدم المعلّم أدوات التقييم المتنوّعة، مثل الاختبارات القصيرة، والأسئلة السريعة، والأسئلة التأمّليّة، لقياس فهم الطلّاب. ويمكن استخدام منصّات تعلّم رقميّة، لإضفاء طابع تفاعليّ على التقييم، والتأكّد من أنّ الطلّاب قد تمكّنوا من فهم المحتوى التعليميّ. وهكذا يتمكّن من الحكم على مدى نجاح استراتيجيّة الصفّ المعكوس في تحقيق نتاجات التعلّم.

 

تحدّيات تنفيذ استراتيجيّة الصفّ المعكوس

لا يخلو تنفيذ استراتيجيّة الصفّ المعكوس من التحدّيات، ومن واقع تجربتي أرى أنّها تظهر في الآتي:

  1. 1. الوصول إلى التكنولوجيا: ليس لدى جميع الطلّاب إمكانيّة الوصول إلى الإنترنت في المنزل، والذي يعدُّ عائقًا يمكن أن تشارك المدرسة في التغلّب عليه، بأن توفّر أجهزة حاسوب متّصلة بالإنترنت ومتاحة للطلّاب، لتساعدهم في الدراسة.
  2. 2. التزام الطلّاب: قد لا يُحضّر بعض الطلّاب المادّة الدراسيّة المطلوبة منهم، أو لا يتفاعلون مع الحصّة الصفّيّة، ما يؤثّر في فعّاليّة تحقيق النتائج المطلوبة. ويمكن تجنّب ذلك بتشجيع المعلّم الطلّابَ على المشاركة، بتوزيع هدايا بسيطة أو إضافة علامات مشاركة مكافأة.
  3. 3. عبء العمل على المعلّم: بعض المعلّمين يتجنّبون تطبيق استراتيجيّات التعلّم والتعليم، بسبب العبء المترتّب عليها، فتصميم الأنشطة التفاعليّة يتطلّب وقتًا وجهدًا يحتاجان إلى مدّة زمنيّة طويلة. وتمكن معالجة هذا التحدّي بتعاون المعلّمين معًا، أو باستخدام موارد تعليميّة جاهزة ومتوافقة مع محتوى الدرس.
  4. 4. مقاومة التغيير: قد يعارض بعض الطلّاب أو أولياء الأمور تطبيق استراتيجيّات التعلّم والتعليم التفاعليّة، لأنّها غير مألوفة لديهم، ويفضّلون عليها التعليم التقليديّ، ما يصعّب من تنفيذها في الصفّ. ويمكن التغلّب على ذلك بشرح فوائد استراتيجيّة الصفّ المعكوس، وإشراك أولياء الأمور في تدريس الطلّاب.

 

نصائح لتطبيق استراتيجيّة الصفّ المعكوس بنجاح

بعد تجربتي في تطبيق استراتيجيّة الصفّ المعكوس، ومحاولة تطبيقها ضمن عدد من الدروس، أودّ توجيه هذه النصائح إلى المعلّمات والمعلّمين، من أجل تطبيق هذه الاستراتيجيّة بنجاح.

  • البدء بدرس واحد: فلا ضرورة أن تُدرّس جميع الدروس دفعة واحدة باستراتيجيّة الصفّ المعكوس، بل يمكن أن يعكس المعلّم درسًا واحدًا أو وحدة دراسيّة، ثمّ يقيّم نتائج تطبيق هذه الاستراتيجيّة ليحدّد مدى نجاحها، وإمكانيّة تطبيقها على باقي الدروس.
  • تصميم درس تفاعليّ: من أجل تشجيع الطلّاب على المشاركة، من المهمّ استخدام الرسوم المتحرّكة والقصص والفيديوهات، والتي تجذب انتباه الطلّاب للتفاعل مع الدرس.
  • تشجيع الطلّاب على التفاعل والمشاركة: باستخدام أنشطة تعاونيّة وتشاركيّة تعزّز العمل الجماعيّ، والتواصل بين الطلّاب أثناء الوقت المخصّص لها ضمن الحصّة الصفّيّة.
  • متابعة أداء الطلّاب وتدوين الملاحظات: باستخدام أدوات تقييم الأداء والسجلّات المتعلّقة بها، مثل قائمة الرصد وسلّم التقدير وغيرها، وربط نتاجات التعلّم معها، لقياس أداء كلّ طالب، ومدى تمكّنه من التفاعل مع المحتوى التعليميّ.

 

مثال على تطبيق استراتيجيّة الصفّ المعكوس

أطرحُ مثالًا تطبيقيًّا على استراتيجيّة الصفّ المعكوس، قد يساعد المعلّمات والمعلّمين في تصميم دروس باستخدام هذه الاستراتيجيّة.

  • - المثال: تطبيق استراتيجيّة الصفّ المعكوس في تدريس درس السلامة المروريّة للصفّ السابع.
  • - الهدف التعليميّ: تعريف الطلّاب إلى مفهوم السلامة المروريّة، وقواعد المرور، ودلالات الإشارة الضوئيّة.
  •  
  • - خطوات التطبيق:
  • - إعداد المادّة التعليميّة: أعددتُ المادّة التعليميّة باستخدام برنامج (PowerPoint)، إذ صمّمتُ شرائح حول نتاجات التعلّم الواردة في الدرس، كما أضفتُ إليها أنشطة تطبيقيّة، سواء تلك الواردة في الكتاب، أو تفاعليّة أعددتها لأشجّع الطلّاب على المشاركة والتفاعل.
  • - التواصل مع الطلّاب: زوّدتُ الطلّاب بنسخ إلكترونيّة وورقيّة من المادّة التعليميّة التي أعددتها، حتّى يتمكّنوا من دراستها والاطّلاع عليها، ثمّ وزّعت المهامّ بينهم، من أجل تشجيعهم على المشاركة والتفاعل معًا. كما طلبتُ منهم إثراء محتوى المادّة التعليميّة بمعلومات إضافيّة مفيدة ومتوافقة مع الدرس، وتدوين ملاحظاتهم وأسئلتهم للإجابة عنها في الحصّة الصفّيّة.
  • - أثناء الحصّة الصفّيّة: الترحيب بالطلّاب ثمّ تشجيعهم على المشاركة، بطرح سؤال عامّ حول الفكرة العامّة للدرس، ثمّ الانتقال إلى نتاجات التعلّم ومناقشتها، على أن يشرح الطلّاب ويتفاعلوا معًا. كان دوري مقتصرًا على توجيههم، ورصد العلامات على السجلّ الجانبيّ، مع طرح بعض الأسئلة السريعة، من أجل التأكّد من مدى فهمهم للدرس.
  • - بعد انتهاء الحصّة الصفّيّة (التقييم): قمتُ بتقييم مدى تحقيق استراتيجيّة الصفّ المعكوس الفائدة المطلوبة منها، عن طريق التغذية الراجعة، وذلك بسؤال مجموعة من الأسئلة السريعة حول الدرس. كما نفّذتُ اختبارًا قصيرًا، لقياس مدى تمكّن الطلّاب من نتاجات الدرس، ورصدتُ درجات الاختبار على السجلّ الجانبيّ.

 

***

ختامًا، استراتيجيّة الصفّ المعكوس ليست مجرّد طريقة تدريس، بل وسيلة تعليميّة تهدف إلى جعل التعلّم تجربة ممتعة ومفيدة. وعلى الرغم من التحدّيات التي قد تواجه المعلّمين أو الطلّاب أنفسهم، فإنّ فوائدها طويلة الأمد، بدءًا من زيادة التفاعل إلى تحسّن مهارات الطالب الشخصيّة، وصولًا إلى تعزيز المسؤوليّة الذاتيّة لدى الطلّاب، ما يجعل استراتيجيّة الصفّ المعكوس استثمارًا يستحقّ الجهد والمثابرة. فإذا كنت معلّمًا أو مُدّربًا، فإنّ الصفّ المعكوس يقدّم فرصة لإعادة تصوّر كيف يمكن للتعليم أن يكون أكثر إبداعًا.