الذكاء الانفعاليّ في يوميّات الطلبة: كيف يُحدث الإرشاد النفسيّ فرقًا حقيقيًّ
الذكاء الانفعاليّ في يوميّات الطلبة: كيف يُحدث الإرشاد النفسيّ فرقًا حقيقيًّ
فرح رزق | اختصاصيّة نفسيّة ومنسّقة الرفاه النفسيّ – قطر/ لبنان

كان الذكاء محطّ اهتمام العلماء لسنوات طويلة، وقد ارتبط حسب مفهومه التقليديّ بقياس "نسبة الذكاء العقليّ - IQ"،  باعتباره مؤشّرًا أساسًا إلى النجاح والتفوّق. لكن في الحياة الواقعيّة، نجد أنّ هناك الكثير من ذوي الذكاء العقليّ المرتفع، والذين كانوا متفوّقين في دراستهم، ارتطموا بضغوطات الحياة العمليّة، ولم يتمكّنوا من تحقيق النجاح في وظائفهم، أو التعامل مع مشاعرهم والتفاعل بديناميكيّة مع الآخرين، في الوقت الذي يحظى فيه بعض الأفراد الذين لم يتميّزوا بذكاء عقليّ بارز، أو تميّز على المستوى الأكاديميّ، بوظائف ومواقع قياديّة، وهم أكثر قدرة على إدراك مشاعرهم وتسييرها، وعلى مواجهة المواقف اليوميّة الضاغطة والتعامل معها بحكمة.

هذا الواقع يؤكّد على أنّ الذكاء العقليّ لا يكفي وحده لتحقيق النجاح والسعادة في الحياة، والتغلّب على التحدّيات اليوميّة، فالسرّ يكمن في نوع آخر من الذكاء الذي لا يقلّ أهمّيّة عن الذكاء العقليّ، وهو الذكاء الانفعاليّ.

 

فما الذكاء الانفعاليّ؟

الذكاء الانفعاليّ مجموعة من المهارات التي تمكّن الفرد من إدراك مشاعره والتحكّم بها، والتعرّف إلى مشاعر الآخرين والتعاطف معهم، بالإضافة إلى تسيير هذه المشاعر لبناء سبل التواصل مع المحيط والتأثير فيه، وخلق فرص النجاح في مجالات الحياة المختلفة.

من هنا، أنطلق في عملي بوصفي مرشدة نفسيّة مدرسيّة، تؤمن أنّ فهم الطالب محيطَه يبدأ من فهمه نفسَه. لذلك أسعى لتقديم الدعم للطلبة بتمكينهم من التعرّف إلى مشاعرهم ومخاوفهم، ومساعدتهم في فهم محيطهم الاجتماعيّ، وبالتالي التأسيس لبناء علاقة إيجابيّة قائمة على الاحترام والتعاطف والتواصل الفعّال. وهنا، تُعدّ القصص الواقعيّة انعكاسًا صادقًا للتحدّيات والنجاحات التي يعيشها الطلبة. من هنا، أستعرض معكم بعض الحالات التي تُبرز كيف يمكن للإرشاد النفسيّ أن يُحدث تحوّلًا إيجابيًّا في حياة الطلبة، عن طريق تعزيز مهارات الذكاء الانفعاليّ تحديدًا.

 

من الألم إلى الأمل: كيف ساعد الإرشاد النفسيّ "سارة" على استعادة توازنها

أُحيلت سارة، الطالبة الجديدة في الصفّ السادس، إلى الإرشاد النفسيّ بعد ملاحظة أنّها تعاني صعوبة في التفاعل مع زميلاتها في الصفّ، وبناء صداقات معهنّ، إلى جانب تعاطيها بانفعاليّة شديدة مع المواقف اليوميّة، وضعف واضح في الدافعيّة، الأمر الذي بدأ ينعكس على أدائها الأكاديميّ.

بعد كسر الحواجز مع الطالبة وبناء علاقة ثقة بيننا، وإجراء عدد من الجلسات الإرشاديّة الفرديّة لتحديد المشكلة وفهمها، تبيّن أنّ الطالبة قد انتقلت حديثًا إلى منطقة جديدة بعد أن تغيّر عمل والدها فجأة، وهي تحاول التكيّف ضمن بيئة اجتماعيّة مختلفة، في منزل جديد ومدرسة ذات منهج ومحيط اجتماعيّ جديدين بالنسبة إليها.

هذا الانتقال الفجائيّ أدّى إلى شعور سارة بالاغتراب النفسيّ، وعجزها عن بناء علاقات اجتماعيّة مع زميلاتها، نتج عنه ظهور سلوك الانسحاب الاجتماعيّ. فهي لا تشعر بالانتماء لهذا المجتمع المدرسيّ الجديد، ما أثّر بشكل سلبيّ في تحصيلها الدراسيّ لضعف الدافعيّة لديها. هذه العوامل مجتمعة شكّلت أساسًا قويًّا، أدّى إلى شعورها بالعجز والضعف، وإلى ظهور نوبات انفعاليّة واستثارة عصبيّة سريعة.

تضمّنت خطّة العمل مع سارة تطوير عدد من مهارات الذكاء الانفعاليّ، مثل التعرّف إلى المشاعر الذاتيّة، والتحكّم في الانفعالات السلبيّة بممارسة التأمّل وتمارين التنفّس، وإيجاد نقاط التقاء وهوايات مشتركة مع زميلاتها في الصفّ، وتعزيز التواصل معهنّ عن طريق الاستماع الفعّال، وتقبّل الاختلاف وفهم احتياجاتهنّ النفسيّة، بالإضافة إلى مساعدتها في اكتشاف نقاط القوّة لديها، وكيفيّة الاستفادة منها.

كما عملتُ على تزويد أهل الطالبة بإرشادات تمكّنهما من تأمين الدعم والإحاطة النفسيّة لابنتهما، وتشجيعها على الانخراط في البيئة المحيطة، بالمشاركة في أنشطة تطوعيّة أو كشفيّة.

ومع مرور الوقت، بدأت الطالبة تلاحظ تحسّنًا في قدرتها على فهم مشاعرها والتعامل معها بإيجابيّة، وأصبحت أكثر ثقة بنفسها، وأكثر قدرة على تحقيق توازن نفسيّ، انعكس بصورة مباشرة على تحصيلها الأكاديميّ وتفاعلها الاجتماعيّ..

 

حينما يكون الإرشاد النفسيّ مفتاح النجاح: تجربة "خالد" الملهمة

أُحيل الطالب خالد من الصفّ التاسع إلى الإرشاد النفسيّ، بعد ملاحظة تكرار ردود فعله العدوانيّة، وظهور تقلّبات مزاجيّة حادّة لديه.

بعد القيام بالإجراءات الروتينيّة وتطبيق عدد من الجلسات الفرديّة، تبيّن أنّ الطالب يمرّ بوضع أسريّ صعب ناجم عن انفصال والديه واحتدام المشاكل بينهما، ما سبّب له الكثير من الضغوط النفسيّة. فهو يشعر بالحزن والقلق نتيجة فقدان الاستقرار الأسريّ، كما يعتقد أنّ مشاكله المرتبطة بمرحلة المراهقة كانت من الأسباب التي أدّت إلى الانفصال، ما ولّد لديه إحساسًا عميقًا بالذنب.

هذا التشتّت العاطفيّ الذي اختبره خالد، أدّى إلى عجزه عن فهم مشاعره وإدراكها، ومن هنا ظهر سلوكه العدوانيّ، ولجوؤه المتكرّر إلى افتعال المشاكل، في محاولة للتعبير عن غضبه أو جذب الانتباه. كما تسبّب ذلك في تقلّبات مزاجيّة حادّة أثّرت في تركيزه، وأدّت إلى تراجع مستواه الأكاديميّ.

 

من جهة أخرى، لاحظتُ أنّ خالد يمتلك العديد من صفات القائد، مثل الجرأة والمبادرة؛ فهو يندفع لتجربة ما هو جديد من دون الخوف من الفشل، ويتحمّل مسؤوليّة قراراته ونتائجها بالكامل. كما يُظهر قدرة متميّزة على تحليل المعلومات وتقييمها، وفحص الأدلّة وتحديد الفرضيّات، ما يعكس مهارات تفكير نقديّة لافتة لديه. وهو يُبدي اهتمامًا كبيرًا باستكشاف العالم من حوله وفهم العلاقات، ويطرح الكثير من الأسئلة، ويسعى دائمًا للحصول على إجابات مقنعة.

تشير هذه الصفات مجتمعة إلى امتلاك خالد بعض سمات الشخصيّة القياديّة، لذلك تضمّنت خطّة العمل الإرشاديّة عددًا من الأهداف، أذكر منها: تعزيز مهارات الذكاء الانفعاليّ، وبالتحديد مهارة المرونة النفسيّة، عن طريق تدريبه على اتّباع استراتيجيّات تساعده في التعامل مع التحدّيات الأكاديميّة والاجتماعيّة والأسريّة، ومواجهة الضغوط التي يختبرها من دون اللجوء إلى السلوك العدوانيّ أو افتعال المشاكل، وتُعينه على فهم مشاعره وتسييرها. كما شملت الخطّة تطوير مهارة حلّ المشكلات عن طريق تنمية التفكير الإبداعيّ (للنظر إلى المشكلات من زوايا مختلفة)، وتحسين القدرة على تحليل المواقف واتّخاذ القرارات، استنادًا إلى فهم مشاعر الآخرين واحتياجاتهم النفسيّة.

أُجريت أيضًا عدّة جلسات للإرشاد الأسريّ مع أسرة خالد، قُدّمت فيها توصيات حول كيفيّة التعامل مع هذه المرحلة ودعم الأبناء، وتوفير مساحة آمنة للتعبير الحرّ من دون إطلاق الأحكام، إضافة إلى إعادة بناء الثقة بين أفراد الأسرة.

بعد فترة وجيزة، بدأ خالد يستبدل السلوك العدوانيّ بالحوار والمشاركة الفاعلة في النقاشات، ويُبدي استعدادًا أكبر لتقبّل وجهات النظر المختلفة. كما لاحظنا أنّه أصبح قادرًا على تحفيز أقرانه وتشجيعهم، والتأثير فيهم بصورة إيجابيّة.

 

تُعدّ النماذج المطروحة جزءًا من المشكلات والتحدّيات التي يواجهها الطلبة، والتي تُحال إلى قسم الإرشاد المدرسيّ. وتختلف هذه المشكلات في طبيعتها وحدّتها، وتتباين في طريقة علاجها، ما يتطلّب من المرشد النفسيّ القيام بعدد من الإجراءات المنهجيّة، لتحديد نوع المشكلة واستراتيجيّة التدخّل المناسبة لعلاجها. فبعض المشكلات تمكن معالجتها بخطّة علاجيّة متكاملة يضعها المرشد النفسيّ المدرسيّ، بينما تتطلّب الاضطرابات الأكثر تعقيدًا الإحالة إلى طبيب نفسيّ مختصّ لتشخيصها وعلاجها.

وتمكن الإشارة في هذا السياق إلى مجموعة من العلامات الشائعة، والتي تدلّ على ضرورة إحالة الطالب إلى قسم الإرشاد النفسيّ، منها:

1- مشكلات سلوكيّة، مثل ظهور سلوك عدوانيّ أو تخريبيّ، أو سلوك ذي دلالة جنسيّة، أو تعمّد السرقة، أو امتلاك أدوات حادّة.

2- مشكلات نفسيّة أو انفعاليّة، مثل الاضطرابات النفسيّة أو التقلّبات المزاجيّة الحادّة.

3- مشكلات أكاديميّة، مثل التأخّر الدراسيّ، أو التراجع الأكاديميّ، أو فقدان القدرة على التركيز وسرعة التشتّت.

أمّا الحالات الشائعة التي تستدعي من المرشد الإحالة إلى معالج أو طبيب نفسيّ، فهي:

1- ظهور اضطرابات سلوكيّة أو ذهنيّة، مثل أعراض القلق المرضيّ، أو الوسواس القهريّ، أو الأوهام، أو العدوانيّة المفرطة.

2- التفكير في إيذاء الذات أو الآخرين.

3- اضطرابات النوم.

 

***

الذكاء الانفعاليّ ليس مجرّد مهارة إضافيّة، بل ركيزة أساسيّة تسهم في تعزيز الرفاه النفسيّ للطلبة، وتطوير قدرتهم على مواجهة التحدّيات اليوميّة. يؤدّي المرشد النفسيّ دورًا محوريًّا في تنمية هذا النوع من الذكاء لدى الطلبة، بتقديم الدعم والإرشاد اللذين يساعدانهم في فهم مشاعرهم وإدارتها بفعّاليّة، وفهم مشاعر الآخرين، ما ينعكس إيجابًا على أدائهم الأكاديميّ وتفاعلهم الاجتماعيّ.

الاستثمار في تعزيز الذكاء الانفعاليّ عبر برامج إرشاديّة متخصّصة، لا يسهم فقط في تحسين جودة حياة الطلبة، بل يُعدّهم أيضًا لمستقبل واعد مليء بالفرص. ومن هنا، أطرح دعوة مفتوحة إلى التفكير:

كيف يمكن للمدرسة أن تدمج مهارات الذكاء الانفعاليّ في برامجها التعليميّة، لدعم الطلبة الذين يعانون تحدّيات سلوكيّة وانفعاليّة؟ وما الخطوات العمليّة التي يمكن اتّخاذها لتحقيق ذلك؟