الدمج الشامل: نحو تعليم يحتضن جميع المتعلّمين
الدمج الشامل: نحو تعليم يحتضن جميع المتعلّمين
دينا حسنين | أخصّائيّة اضطرابات اللغة والكلام- مصر/قطر

يُعدّ نهج الدمج الشامل في التعليم أحد الركائز الرئيسة لتحقيق التنمية البشريّة المستدامة، إذ يقوم هذا النهج على بناء مجتمع متماسك ومنتج، يوفّر فرصًا تعليميّة متكافئة لجميع أفراده من دون تمييز. ويعكس هذا التوجّه إيمان التربويّين العميق بأنّ التعليم حقّ أساسيّ لكلّ إنسان، وأنّ الاختلافات الفرديّة بين المتعلّمين تمثّل مصدر ثراء للتجربة التعليميّة، لا عائقًا أمامها. وانطلاقًا من هذه الرؤية، تعمل المؤسّسات التربويّة على تطوير سياسات وبرامج تعليميّة دامجة، تعزّز مشاركة جميع الطلبة، بمن فيهم ذوي الاحتياجات التعليميّة الخاصّة، في بيئات تعليميّة مرنة ومحفّزة. كما تركّز هذه الجهود على تمكين المتعلّمين من تحقيق أقصى إمكاناتهم، وترسيخ قيم المساواة والتنوّع والرفاه، بما ينسجم مع طموحات الدول في بناء نظام تعليميّ شامل وعادل، يواكب تطلّعات المجتمعات نحو المستقبل. 

 

كيف جعل المعلّم الدمج حقيقيًّا داخل الصفّ الدراسيّ؟ 

لم يكن دمج طلبة ذوي صعوبات التعلّم أمرًا هيّنًا، لأنّه يتطلّب أكثر من مجرّد جلوسهم في الصفوف العاديّة؛ فهو يحتاج إلى وعي عميق، وتخطيط تربويّ دقيق، وجهود متكاملة من المعلّم والإدارة والأسرة. فهؤلاء الطلبة يواجهون تحدّيات خاصّة في الفهم أو الانتباه أو التعبير، ما يستدعي تكييف المناهج وتعديلها، وابتكار استراتيجيّات تدريس تراعي احتياجاتهم الفرديّة. كما إنّ بعض المعلّمين قد يفتقرون إلى التدريب الكافي في مجال الدمج، ما يجعل التعامل مع الفروق الفرديّة مهمّة معقّدة. يُضاف إلى ذلك محدوديّة الموارد والدعم المتخصّص، وضغط الأعداد في الصفوف، وكلّها عوامل تجعل تحقيق الدمج الحقيقيّ مسيرة صبر ومثابرة، لا خطوة عابرة.  

وعلى الرغم من ذلك، نودّ تسليط الضوء على قصص ملهمة، نجح فيها المعلّم في أن يجعل الدمج حقيقة ملموسة، لا شعارًا يُرفع. فقد هيّأ بيئة صفّيّة داعمة يشعر فيها كلّ طالب بالعدالة والانتماء، ورتّب المقاعد بحيث تفتح المجال للتفاعل والتعاون، بتشكيل مجموعات غير متجانسة تشمل جميع مستويات الطلبة، وابتعد عن مفهوم العزل الذي يعتمد على جمع طلبة المستوى الواحد على طاولة واحدة. لم يقتصر على طريقة تدريس واحدة، بل نوّع أساليبه لتناسب جميع أنماط التعلّم، فكان الدرس مزيجًا من الحسّ والحركة والصوت والصورة. كما عدّل الأنشطة والمهامّ بما يراعي قدرات كلّ طالب، فكان لكلّ منهم فرصة للتميّز والمشاركة. وبذلك نجح في تحويل غرفة الصفّ إلى لوحة من التنوّع الجميل، عنوانها أنّ الجميع متساوون في حقّهم في التعلّم، ولكنّهم مختلفون في طريقته. 

 

ما المصادر التي لجأ المعلّم إليها لإعانته في مهمّته؟ 

يُعدّ تنوّع المصادر والأدوات التعليميّة مفتاحًا حقيقيًّا لنجاح دمج طلبة ذوي صعوبات التعلّم في الصفوف الدراسيّة، إذ يمنح المعلّم القدرة على الوصول إلى كلّ طالب بالطريقة التي تناسبه. فالتعليم لم يعد مقيّدًا بالكتاب المدرسيّ، بل أصبح تجربة حيّة تجمع بين الوسائط الرقميّة، ومقاطع الفيديو، والبطاقات المصوّرة، والألعاب التفاعليّة التي تجعل التعلّم رحلة ممتعة ومليئة بالاكتشاف. تسهم الأدوات المساندة، مثل البرامج الصوتيّة، وتطبيقات القراءة والكتابة، وأوراق العمل المبسّطة، في تحويل الصعوبة إلى فرصة للتقدّم. ولا يمكن أن نغفل أهمّيّة المصادر الحسّيّة، مثل غرف المثيرات الحسّيّة التي تدعم مفهوم التكامل الحسّيّ، وتعزّز تفاعل الطلبة مع بيئتهم التعليميّة. ومع كلّ ذلك، يظلّ العنصر البشريّ القلب النابض وحجر الأساس للعمليّة التعليميّة، فوجود فريق تربويّ متكامل مؤمن بالقدرات الكامنة في طلّابه، يصنع فارقًا حقيقيًّا في حياة هؤلاء الطلبة. 

 

من الرسم إلى اللفظ 

ومن بين التجارب الملهمة التي جسّدت مفهوم الدمج الحقيقيّ، قصّة طفلة صغيرة تُدعى (س-ح) في مدرستنا، لم تكن قادرة على التعبير اللفظيّ، ما جعلها عاجزة عن فهم اللغة العربيّة الفصحى أو اللغة الإنجليزيّة، فكان الصمت والبكاء وسيلتيها الوحيدتين للتواصل، خصوصًا أنّها تعيش في بيت يضمّ أختين من ذوي التوحّد غير الناطق. أُحيلت الطفلة إلى مختصّة تخاطب تشترك معها في الجنسيّة واللهجة المصريّة، فكان ذلك أوّل جسر تواصل حقيقيّ كسر الحاجز اللغويّ. بدأت الطفلة تتحدّث بلهجتها، وخلال جلسات التخاطب اكتُشفت موهبتها في الرسم، وتميّزها بذاكرة قويّة تمكّنها من التعلّم السريع واسترجاع المعلومات والمفاهيم.

في هذه المرحلة برز دور معلّمة الصفّ التي أظهرت دعمًا كبيرًا وتعاونًا مثمرًا مع المختصّة، مدفوعة بإيمانها بقدرة الطفلة على التعلّم والتميّز. سمحت للطفلة أن تعبّر بلهجتها العامّيّة المصريّة أمام زملائها، وأحيانًا كانت تتحدّث معها باللهجة نفسها، على الرغم من أنّها سوريّة الجنسيّة ولا تجيدها بطبيعتها. هذه المرونة التي تحلّت بها المعلّمة، شكّلت عاملًا حاسمًا في تطوير اللغة التعبيريّة لدى الطفلة.

عزّزت المعلّمة أيضًا موهبة الطفلة الفنّيّة داخل الصفّ، فتعاونت مع المختصّة على تكييف الأنشطة والمهامّ، بحيث يُسمح لها بالتعبير عن أفكارها بالرسم بدلًا من الكتابة أو الكلام. ومع تقدّمها في التعبير اللفظيّ بما يتناسب مع مرحلتها العمريّة، ركّزتا على تطوير جانبها الأكاديميّ. وكما أبدعت الطفلة في الرسم، أظهرت موهبة مميّزة في الخطّ، فكانت كتابتها جميلة ومنظّمة، فدعمتها المعلّمة وشجّعتها، بمكافأتها أمام زملائها تقديرًا لتقدّمها وتميّزها.

وجاءت لحظة الفخر حين وقفت تلك الطفلة في حفل تخرّج الروضة الثالثة، تُلقي كلمتها بصوت عالٍ وواضح أمام الجميع. لقد استطاعت أن تكسر حاجز الخجل والخوف من مواجهة الأشخاص غير المألوفين لديها. كانت تلك لحظة صادقة، اختزلت رحلة طويلة من الصبر والإيمان بالقدرات. تجربة تجاوزت مفهوم الدمج داخل الصفوف الدراسيّة، لتجسّد الدمج الشامل في جميع أنشطة المجتمع المدرسيّ. والآن، وقد أصبحت الطفلة في الصفّ الثالث الابتدائيّ، لم تعد بحاجة إلى أيّ نوع من أنواع الدعم.

 

"شكو ماكو" غيّرت الحال 

يسعدني أن أشارك القارئ تجربة واقعيّة أخرى قريبة جدًّا إلى قلبي، كانت محور بحث إجرائيّ أعددتُه بنفسي. فقد واجهتُ فيها العديد من التحدّيات والصعوبات. كان الطفل (أ-ن) طفلًا وحيدًا لأسرة عراقيّة مقيمة في قطر، وكان يعاني تأخّرًا لغويًّا شديدًا في كلّ من اللغة التعبيريّة والاستقباليّة. كان شديد العصبيّة، ويعبّر عن رغباته ومشاعره بالصراخ بدلًا من الكلمات، نظرًا إلى عدم قدرته على التواصل اللفظيّ بشكل فعّال. لم يكن الطفل قادرًا على فهم المعلّمين أو الزملاء، وكان جميع المعلّمين يواجهون صعوبة بالغة في فهمه. وأشارت والدة الطفل إلى أنّ محاولاتهم السابقة في برامج العلاج لم تُثمر عن أيّ تحسّن يُذكر، الأمر الذي زاد من قلق الأسرة وإحباطها. كان عمر الطفل آنذاك ستّ سنوات، وهو عمر يجعل التدخّل العلاجيّ أكثر تحدّيًا مقارنة بالتدخّل المبكّر، إذ تكون فرص التطوّر أسرع في المراحل العمريّة الأولى. إضافة إلى وجود عيوب في بعض أعضاء جهاز النطق والكلام لديه.  
 

من المتعارف عليه أنّ الأطفال الذكور يكتسبون اللغة بوتيرة أبطأ من الإناث. كلّ هذه العوامل جعلت حالة الطفل تحدّيًا كبيرًا بالنسبة إليّ بوصفي مختصّة تخاطب، وفي الوقت نفسه حافزًا قويًّا لبذل مزيد من الجهد، لإيجاد أساليب فعّالة تساعده في التواصل والتعبير بثقة. بدأتُ بتعلّم بعض المفردات العراقيّة الدارجة لبناء جسر تواصل فعّال معه، ثمّ أجرينا تدريبات مكثّفة لعضلات النطق والكلام. وبناءً على رغبة الأهل، ركّزنا على اللغة العربيّة لغة أساسيّة للتخاطب، فخُصّصت جلسات التخاطب في أوقات حصص اللغة الفرنسيّة وأحيانًا الإنجليزيّة، لضمان تركيز الطفل على لغة واحدة في تلك المرحلة. وخلال الجلسات الأولى، لاحظتُ أنّه يكرّر كلمتين هما (أوتي) و(استيوس)، وتبيّن أنّ الأولى تعني "أوكي" والثانية "ستيكرز" (الملصقات). ولأنّ الكلمتين محبّبتان إليه، وتحتويان على صوت الكاف المشترك، بدأت التدريبات بتصحيح نطق هذا الحرف. كما درّبته على استخدام عبارة (شكو ماكو) بمعنى "كيف الحال" باللهجة العراقيّة، ما جعله يشعر بسعادة كبيرة لتمكّنه من التعبير بكلمات مألوفة من لهجته. ولضمان ترسيخ المفردات الجديدة، تابعتُ يوميًّا مع معلّمي الطفل، وأطلعتهم على الكلمات التي تعلّمها ليستخدموها معه داخل الصفّ، وكان لتعاونهم المستمرّ وتشجيعهم اليوميّ أثر كبير في تحقيق اندماجه داخل البيئة المدرسيّة.

 

وأثناء جلسات التخاطب، اكتشفنا أنّ الطفل يمتلك موهبة مميّزة في الرسم، فطلبتُ إليه أن يُعدّ قاموسًا مصوّرًا للكلمات التي تعلّمها، وأن يرسمها ويعرضها أمام زملائه في الصفّ، وكانت جميعها مأخوذة من الوحدات البحثيّة. وقد شعر الطفل بالفخر الكبير عندما بدأ يستخدم العبارات الصحيحة، قائلًا: "أنا أريد ستيكرز، بدلًا من استيوس".   

كما تعاونتُ مع معلّم الصفّ لدمج أهداف خطّة التخاطب مع مفاهيم الوحدات البحثيّة، بحيث يُدرّب الطفل على المفردات والمفاهيم التي سيناقشها الصفّ لاحقًا، ما ساعده في فهمها والتعبير عنها بثقة أمام الجميع. ومع مرور الأيّام، ازدادت دافعيّته إلى التعلّم، وجمع أكبر عدد من الستيكرز (الوجوه الضاحكة)، وأصبح يشعر بسعادة غامرة كلّما نجح في التعبير بوضوح. 

كانت تجربة مليئة بالتحدّيات، لكنّها في الوقت نفسه شيّقة ومليئة بالإنجازات، تُوّجت بلحظة فخر عندما شارك الطفل في الإذاعة المدرسيّة إلى جانب زملائه، مقدّمًا فقرة عن الحواسّ الخمس. كانت سعادته وسعادة أسرته لا توصف، خصوصًا بعد أن انعكس هذا التقدم إيجابيًّا على أدائه الأكاديميّ. ومع الوقت، انخفضت حاجة الطفل إلى جلسات التخاطب، وبدأ يستمتع بتعلّم اللغة الإنجليزيّة بثقة واستقلاليّة. وعندما غادرت الأسرة قطر عائدة إلى وطنها، أكّدت والدته أنّه لم يعد بحاجة إلى دعم إضافيّ في مجال النطق واللغة. كانت هذه التجربة بالنسبة إليّ رحلة إنسانيّة ومهنيّة عميقة الأثر، منحتني فهمًا أعمق لقوّة الكلمة في تغيير حياة إنسان صغير.  

ولم تكن هاتان القصّتان الوحيدتان، فمدرستنا امتلأت بنماذج أخرى لطلبة صعوبات التعلّم، والذين تألّقوا في المسرحيّات المدرسيّة، وشاركوا في الفقرات الموسيقيّة والعروض الفنّيّة، ليثبتوا أنّ الدمج ليس مجرّد وجود في الصفّ، بل مشاركة حقيقيّة، وصوت مسموع، ونجاح مشترك يضيء القلوب قبل القاعات. ولم يكن التعاون بين فريق المدرسة السبب الوحيد في الوصول بهؤلاء الأطفال إلى هذا المستوى من الدمج، بل أيضًا تعاون الأهل الذي كان محطّ إعجاب، فقد كانوا نموذجًا يحتذى في المعنى الحقيقيّ للتعاون. 

 

ما دور المدرسة والمشرفين والتربويّين في العمليّة؟ 

لدور المدرسة والمشرفين وفريق الدعم أثر محوريّ في جعل الدمج رحلة نجاح حقيقيّة، لا مجرّد خطّة تُرفق مع سياسات المدرسة. فالمدرسة تمثّل البيئة التي تحتضن الفروق الفرديّة، وتمنح كلّ طالب مساحة لينمو بطريقته الخاصّة، بتوفيرها الموارد والمصادر اللازمة لدعم عمليّة التعليم والتعلّم. فكلّما وفّرت المدرسة موارد متنوّعة ودعمت فريقها المتخصّص، تمكّن الفريق من تلبية احتياجات الطلبة على نحو أفضل. أمّا فريق الدعم من مختصّين ومعالجين تربويّين، فهو القلب النابض الذي ينسّق الجهود ويحوّل التحدّيات إلى فرص، عن طريق الحملات التوعويّة التي ترفع وعي المجتمع المدرسيّ بأهمّيّة الدمج الشامل، واحترام القدرات المختلفة. لم تكن هذه الحملات شعارات نظريّة، بل مبادرات عمليّة قدّم فيها قسم الدعم نماذج حقيقيّة ملهمة، لأبطال تميّزوا في مجالات رياضيّة على الرغم من إعاقتهم الحركيّة أو البصريّة، إلى جانب الزيارات التوعويّة إلى مراكز التأهيل المهنيّ، والتي شاهد فيها الطلبة أنّ هذه الفئة قادرة على العمل والإنتاج. وقد غيّرت هذه المبادرات نظرة الطلبة تمامًا، فحلّ محلّ السخرية فخر، ومكان التنمّر تقدير واحترام. 

*** 

تشبه عمليّة الدمج الشامل اللوحة الفنّيّة، فهي تحتاج إلى تناغم جميع العناصر بحيث تكمّل بعضها بعضًا. كلّ طالب يمثّل لونًا فريدًا، وكلّ معلّم ومختصّ ووليّ أمر يشكّل خطًّا وبُعدًا يضيف إلى البيئة الصفّيّة دعمًا وإثراء. وعندما تتناغم الجهود، ويعمل الجميع بروح الفريق الواحد، تتحوّل الفروق الفرديّة إلى لوحة متكاملة. فلولا مرونة معلّم الصفّ، ما تحقّقت الأهداف الفرديّة التي وضعها مختصّ الدعم، ولولا دعم الأهل ما استطاعت الطفلة الوقوف على المسرح، ولا الطفل المشاركة في الإذاعة المدرسيّة.  

ونختم بالقول إنّ تكاتف الأدوار يجعل كلّ طالب مرئيًّا ومسموعًا ومقدّرًا، وتصبح تجربة التعلّم رحلة إبداعيّة وملهمة، تتجاوز حدود الكتب والصفوف، لتصبح قصّة نجاح حقيقيّة يفتخر بها الجميع.