التعليم عن قرب
التعليم عن قرب
رانيا الصوالحي | اختصاصية تدريب ميداني في كلية التربية-قطر

منذ بداية جائحة كوفيد 19، لاحظنا التركيز على المصطلحات، بدءًا من انتشار مصطلح "جائحة" للتعبير عن حجم أثر انتشار الفيروس.  ثم رأينا استخدام مصطلحات تلهث وسائل الإعلام لنشرها، دون التقاط أنفاسها للتأمّل ومعرفة أبعاد تلك المصطلحات. من ذلك مثلًا، استخدام مصطلح التباعد الاجتماعيّ Social Distancing ، ثمّ تصحيحه إلى التباعد الجسديّ Physical Distancing.

تهدف هذه المقالة إلى لفت النظر لأهمّيّة تعاملنا مع المستجدّات من حولنا، سواءً في وقت الأزمات، أو عند تطبيق أنظمة جديدة، مع شرط مراعاة قيم المجتمع والمؤسّسة للاستثمار في رسالتنا التربويّة. ينبغي أيضًا التركيز على التفكير المستقبليّ واستغلال الفرص التي تكمن في الأزمات، إذ إنّ في كلّ أزمة فرصًا يمكن توظيفها بصورة فعّالة لتخدم الرؤى المستقبليّة.

 

"بطريق في الصحراء"

يواجه التربويّون تحدّياتٍ تتعلّق بتطبيق النظريّات والاتّجاهات الحديثة، خاصّة عند استيراد السياسات التعليميّة كي تُطبّق في سياق مختلف عن ذاك الذي نشأت فيه، فتغدو، كما يسميها الدكتور خليفة السويدي، وكأنّها بطريق في الصحراء (Romanowski et al., 2020). التحدّيات تتعلّق بتعقيد العمليّة التعليميّة، والتغيّرات التي يمرّ بها العالم ككلّ، وخاصّة تلك المتّصلة بالنظام المدرسيّ الذي يعتمد على عوامل اقتصاديّة واجتماعيّة عدّة وفقَ كلّ دولة (Bowen & Inkpen, 2009; Goksoy, 2016). من التحدّيات التي ينبّه إليها عدد من الباحثين ضرورة مراعاة اللّغة المستخدمة وأثرها على الممارسات، خاصّة أن معظم المصطلحات المستخدمة في العلوم التربويّة آتية من الغرب، ونلاحظ استخدام مصطلحات جديدة أو مترجمة دون توضيحها ونادرًا ما يُراعى البعد الثقافيّ للمجتمع (Sellami et al., 2019) .

 

ما يواجهنا حاليًّا في التربية والتعليم مثال آخر على هذا، فقد ازداد استخدام المصطلحين: "التعلّم الإلكترونيّ"، و"التعلّم عن بعد"، لوصف خيارات الحكومات التي قرّرت متابعة تدريس الطلبة وسط تحدّيات تختلف من مجتمع لآخر، ثمّ تعديل ذلك المصطلح إلى "تعليم طوارئ أو أزمات".

بيّن عدد من الباحثين، مثل:  Andy Hargreaves, Michael Fullan, Alma Harris والدكتورة أسماء الفضالة، في محاضراتهم وما ينشرون في وسائل التواصل الاجتماعيّ أنّ التعليم أثناء كورونا لا يصحّ أن يسمّى تعليما إلكترونيًّا؛ لأنّه لم يراعِ أسس تصميم المحتوى المناسب، ولا استراتيجيّات التدريس المناسبة... إلخ.

اخترت مصطلح "التعليم عن قرب" لأصف التعليم الذي يحاول الاقتراب من اهتمامات المتعلّمين وحاجاتهم، والاقتراب من قيم المؤسّسة أو الدولة أو المجتمع، وتمكين شبكات دعم اجتماعيّ ومهنيّ من أجل مراعاة الصحّة النفسية للعاملين في قطاع التعليم، والابتكار في توفير فرص متنوّعة

إلكترونيّ أم "عن بعد"؟

"التعليم عن بعد" يعرّف بكونه عمليّةً تعليميّةً رسميّة يحدث فيها غالبية التدريس عندما لا يكون الطلبة والمعلمون في المكان نفسه. قد يكون التعليم هنا متزامنًا أو غير متزامن، وقد يستخدم شبكة الإنترنت والتطبيقات الخاصّة بذلك، وأيًّا من الوسائط المعينة على الاتّصال والتواصل. أمّا التعليم الإلكترونيّ، فقد يحدث بحضور كل من المعلّم والمتعلّم. بل إنّ دمج تكنولوجيا التعليم في ممارسات المعلّمين وبرامج تأهيلهم وتدريبهم بات ضرورةً.

 

"التعليم الإلكترونيّ" مصطلح يطلق على عمليّة التعليم التي توظّف تكنولوجيا التعليم لتحقيق أهداف التعلّم سواءً كانت من خلال شبكة الإنترنت أو أجهزة وتطبيقات تستخدم دون اتصال بالشبكة، وسواءً كانت عمليّة متزامنة أو غير متزامنة (Valtonen et al., 2020).

 

انتشر مصطلح "التعليم عن بعد" دون مراعاة أنّ التعليم في وقت الأزمات له معايير خاصّة من أهمّها: مراعاة الصحة النفسيّة للمعلّمين والطلبة وأولياء الأمور، وهي أمر يجب مراعاته في الأحوال جميعها، لكنّه هنا بؤرة تركيز. الفرق هنا هو بين بعض قادة المدارس الذين انطلقوا لتطبيق تعليمات وزارات التعليم دون تأمّل، ودون مراعاة خصوصيّة طلبته وبيئته المدرسيّة، وبين قادة مدارس آخرين تصرّفوا ضمن خطط تقوم على رؤية واضحة، وكوّنوا فرقًا لتطبيق التعليمات بصورة فعاّلة تراعي متطلبات مجتمعاتهم المدرسيّة وحاجاتها.

 

خيار جديد

أمام الحاجة لاختيار مصطلحات تناسب بيئاتنا وقيمنا وثراء لغتنا العربيّة، اخترت مصطلح "التعليم عن قرب" لأصف التعليم الذي يحاول الاقتراب من اهتمامات المتعلّمين وحاجاتهم، والاقتراب من قيم المؤسّسة أو الدولة أو المجتمع، وتمكين شبكات دعم اجتماعيّ ومهنيّ من أجل مراعاة الصحّة النفسية للعاملين في قطاع التعليم، والابتكار في توفير فرص متنوّعة. لقد أطلقت بعض المدارس أنديةً إلكترونيّة لاستثمار طاقات الطلبة، وأولياء الأمور. شملت هذه النوادي الجانب الرياضيّ، وكانت تعلّم الطلبة أنشطةً وتمارين رياضيّة يمكن أن يطبّقوها في منازلهم مهما كانت المساحات المتاحة. وكانت مديرة إحدى مدارس قطر تعقد لقاءات أسبوعيّةً مع أولياء الأمور للاستماع إلى ملاحظاتهم، وأحيانًا لمجرّد التواصل حول موضوعات عامّة حتّى لا يشعروا بالوحدة، خاصّةً أنّ عددًا منهم يفتقد أهله ووطنه.

التعليم عن قرب

 

التعليم عن قرب يعمد إلى توفير فرص دعم لأولياء الأمور، خصوصًا الذين لا يستطيعون البقاء مع أطفالهم تبعًا لطبيعة عملهم مثل العاملين في القطاع الصحيّ وغيرهم، إذ إنّ الأطفال غالبًا ما يفهمون ما يحيط بهم بناء على ردود فعل من حولهم. وإنّ توفير هذا الدعم قد يكون من خلال عقد لقاءات افتراضيّة معهم، أو التواصل لتوفير مستلزمات مثل أجهزة أو أطعمة أو غير ذلك وفق كلّ بيئة ومجتمع. وفي بعض الدول، فُتحت بعض المدارس دعمًا لأطفال العاملين في القطاع الصحيّ، أو القطاعات التي لا يستطيع العاملون فيها توفير رعاية لأطفالهم.

 

قد يكون التعليم عن قرب بأن نقترب بطرحنا من الطلبة باختيار أنشطة جاذبة مطمئنة، وإعادة تصميم المحتوى ليناسب طبيعة الأزمة، وما ينبغي أن يتعلّمه الطلبة خلالها. إذ إنّ عددًا من المدارس حوّلت محتوى درس رياضيّات مثلًا، ليكون باحتساب وزن مكوّنات الطعام، وطهي وصفات بسيطة يمكن تطبيقها مع الحفاظ على سلامة المتعلّمين. أو حصص زراعة منزليّة ليعتنوا بالنباتات، ويكتبوا عن تطوّر نموّها.

 

التعليم عن قرب يعني كذلك أنسنة نظام التقييم، ومراعاة فرديّة التعليم، لا سيّما تسهيلات الدّمج لذوي الاحتياجات الخاصّة، وغيرهم ممّن يواجهون تحدّيات مختلفة، فاختيار آليّة تقييم مناسبة للمرحلة العمريّة ونتاجات تعلّمها كان تحدّيًا كبيرا سواءً في مرحلة الطفولة المبكّرة، أو المرحلة الثانويّة التي كان طلبتها يستعدون للالتحاق بالجامعات في ظلّ تغيير كثير من القرارات المتعلّقة بقبول الجامعات، ونوعيّة المهارات التي يطلبها سوق العمل.

يسعى التعليم عن قرب إلى أن نقترب من المعلّمين، وأن نوفّر الدعم لهم سواءً نفسيًّا أو مهنيًّا أو ماديًّا، فالجهد الذي بذلوه لتعلّم مهارات جديدة في مدّة قياسيّة يستحقّ التقدير

التعليم عن قرب يبيّن أهمية أن نُعيد تصوّر دور التربية والتعليم في حياتنا بدءًا من تصميم السياسات والخطط التعليميّة، مرورًا بتصميم المباني لنعتمد مبانيَ ذكيّةً، وإعادة بناء المحتوى وتصميمه، وتوفير مصادر التعلّم والأنشطة والتقييم بالتأكيد. كما أنّ التعلّم عن قرب يتيح لنا تفعيل دور أولياء الأمور في تعليم أطفالهم، وكيفيّة تقييم التحصيل والإنجاز في تلك البيئة بما يطبّق منذ سنوات تحت عنوان التعليم المنزليّ، أو ربما ابتكار نظام جديد. في النهاية، التعليم عن بعد قد يوصل معلومة، لكنّ التحدّي يكمن في التربية، وغرس القيم، والانضباط الذاتيّ، والابتعاد عن الغش والتنمّر الإلكترونيّ.

 

يسعى التعليم عن قرب إلى أن نقترب من المعلّمين، وأن نوفّر الدعم لهم سواءً نفسيًّا أو مهنيًّا أو ماديًّا، فالجهد الذي بذلوه لتعلّم مهارات جديدة في مدّة قياسيّة يستحقّ التقدير. كذلك تعاملهم مع قرارات مختلفة، والتغيّر المستمرّ، بالإضافة لالتزاماتهم الأسريّة والظروف النفسيّة والصحيّة يبيّن أنّ دور القائد التربويّ يتطلّب تسليط الضوء عليه ولو كان ذلك من خلف الشاشات. هكذا يكون قدوة ونموذجًا في التعلّم المستمرّ، واتخاذ قرارات إنسانيّة، والأهمّ أن تطبّق هذه القرارات برحمةٍ، وأن تُبنى على علم ودراسة توظّف البيانات والمعلومات بصورة فعّالة.

 

كل نقطة من هذه المقترحات تحتاج إلى الكثير من التفصيل، والدراسة، والبحث، والتجربة، والابتعاد عن مجرّد تقليد أنظمة دول أخرى. وبالتأكيد لن يكون الأمر سهلًا، خاصّةً ونحن نستعدّ لإعادة فتح المدارس والجامعات تحت ما يسمّى الوضع الطبيعيّ الجديد New normal.  

 

خلاصة

علينا أن نعيَ أنّه لا توجد وصفة سحريّةٌ صالحة لكلّ زمان ومكان ونظام تعليميّ، وهذا جمال عملية التربية والتعليم التي تتيح المجال لإطلاق طاقات الإنسان. ومن الحلول المقترحة اللجوء إلى شبكات التعلّم للتواصل بين القادة التربويّين والمعلّمين وأولياء الأمور، وتبادل الخبرات، والتعلّم المستمرّ. شبكات التعلّم لا بدّ أن تعزّز المرونة النفسيّة، لا سيّما وأنّ العالم يتوقّع موجةً جديدةً من الفايروس أو ربما تغييرات أخرى مهما كان سببها. وهنا يكمن الفرق بين الاستعداد للتغيير من جهة، وإدارة التغيير من جهة أخرى. علينا أن نتقن المبادرة والمبادأة لاستثمار كلّ فرصة، بل ولصناعة الفرص أيضًا.

 

المراجع:

- Bowen, D. E., & Inkpen, A. C. (2009). Exploring the Role of “Global Mindset” in Leading Change in International Contexts. The Journal of Applied Behavioral Science, 2 (45), 239–260. https://doi.org/10.1177/0021886309334149

- Goksoy, S. (2016). Analysis of the Relationship between Shared Leadership and Distributed Leadership. Eurasian Journal of Educational Research, 65 (65), 295–312. https://doi.org/10.14689/ejer.2016.65.17

- Romanowski, M. H., Alkhateeb, H., & Nasser, R. (2018). Policy borrowing in the gulf cooperation council countries: Cultural scripts and epistemological conflicts. International Journal of Educational Development, 60, 19–24. https://doi.org/10.1016/j.ijedudev.2017.10.021

- Sellami, A. L., Sawalhi, R., Romanowski, M. H., & Amatullah, T. (2019). Definitions of educational leadership–Arab educators’ perspectives. International Journal of Leadership in Education, 1-20. https://doi.org/10.1080/13603124.2019.1690701

- Valtonen, T., Leppänen, U., Hyypiä, M., Sointu, E., Smits, A., & Tondeur, J. (2020). Fresh perspectives on TPACK: pre-service teachers’ own appraisal of their challenging and confident TPACK areas. Education and Information Technologies, 25 (4), 2823–2842. https://doi.org/10.1007/s10639-019-10092-4