لم تعد تكنولوجيا التعليم مجرّد وسيلة مساندة لعرض المحتوى، بل أصبحت ركيزة أساسيّة لإعادة تشكيل مفهوم التعليم ذاته. فالتقدّم التقنيّ أتاح فرصًا جديدة لتخصيص التعلّم، وتيسير الوصول إلى المعرفة، وتمكين المتعلّمين على اختلاف قدراتهم واحتياجاتهم. وفي هذا الإطار، يبرز مفهوم التعليم الشامل بوصفه فلسفة قائمة على العدالة التعليميّة وعدم الإقصاء، فيما تمثّل تكنولوجيا التعليم الأداة التي تجعل هذه الفلسفة واقعًا ملموسًا في المدرسة والمجتمع.
التعليم الشامل: عدالة في الفرص وتنوّع في الأساليب
يقوم التعليم الشامل على مبدأ أنّ لكلّ متعلّم الحقّ في تعليم يراعي قدراته الفرديّة، من دون تمييز بسبب الإعاقة أو الخلفيّة الثقافيّة أو الظروف الاجتماعيّة. ولتحقيق ذلك، ينبغي توفير بيئة تعليميّة مرنة، تتكيّف مع احتياجات جميع الطلبة. وهنا يتجلّى دور تكنولوجيا التعليم، إذ تتيح الأدوات الرقميّة والوسائط المتعدّدة، تصميم أنشطة تفاعليّة تراعي الفروق الفرديّة، وتفتح المجال أمام المشاركة المتكافئة بين جميع المتعلّمين.
وقد أكّدت دراسات حديثة في مجال التصميم الشامل للتعلّم (Universal Design for Learning)، أهمّيّة دمج التكنولوجيا منذ مرحلة تصميم المناهج، بحيث تُبنى بيئات التعلّم الرقميّة على مبادئ الشمول والمرونة. فقد أظهرت دراسة عبد الحميد (2025) أنّ تطبيق مبادئ UDL في تصميم الدروس الإلكترونيّة، يسهم في رفع معدّلات المشاركة والتفاعل بين الطلبة، خصوصًا ذوي الاحتياجات الخاصّة، بإتاحة خيارات متعدّدة للتعبير والفهم والمشاركة. هذه النتائج تؤكّد أنّ التعليم الشامل لا يتحقّق إلّا بتكامل فلسفة المنهج مع التكنولوجيا الداعمة له.
دور تكنولوجيا التعليم في تعزيز التعليم الشامل
تبرز أهمّيّة تكنولوجيا التعليم في قدرتها على تحويل الصفّ التقليديّ إلى بيئة تعلّم ديناميكيّة ودامجة، وذلك عن طريق:
- 1. التقنيّات المساندة (Assistive Technologies): مثل البرامج الناطقة وقارئات الشاشة، والتي تمكّن الطلبة ذوي الإعاقات البصريّة أو السمعيّة من المشاركة الكاملة في التعلّم.
- 2. الوسائط المتعدّدة: الدمج بين النصّ والصوت والصورة والفيديو، يساعد المتعلّمين ذوي أنماط التعلّم المختلفة في الفهم العميق والمشاركة الفاعلة.
- 3. المنصّات التعليميّة الرقميّة: مثل منصّة "نور" في سلطنة عمان، والتي توفّر محتوى تعليميًّا متنوّعًا، وتتيح التعلّم الذاتيّ وفق وتيرة كلّ متعلّم، بما يضمن تكافؤ فرص الوصول إلى المعرفة.
- 4. الذكاء الاصطناعيّ والتعلّم التكيّفيّ: تتيح هذه الأدوات تخصيص المحتوى بحسب مستوى المتعلّم وسرعته في التعلّم، ما يدعم مبدأ الإنصاف التعليميّ.
- 5. الشاشات التفاعليّة والفصول الذكيّة: تخلق فرصًا أكبر للتفاعل والتعاون، وتطبيق استراتيجيّات التعلّم النشط التي تشجّع مشاركة الجميع.
المعلّم في قلب العلاقة بين التكنولوجيا والشمول
على الرغم من وفرة الأدوات الرقميّة، يبقى المعلّم المحرّك الرئيس لنجاح التعليم الشامل. فدوره لا يقتصر على توظيف التكنولوجيا، بل على توجيهها لتحقيق العدالة التعليميّة. ومن هنا تأتي أهمّيّة تأهيل المعلّمين في مجال تكنولوجيا التعليم، ليتمكّنوا من:
- - تصميم أنشطة رقميّة تراعي اختلاف أنماط التعلّم.
- - إدارة الصفّ التفاعليّ بأساليب دامجة، تشجّع التعاون والمشاركة.
- - استخدام البيانات الرقميّة لتحليل تقدّم الطلبة، وتقديم الدعم الفرديّ المناسب.
وفي هذا السياق، توصي دراسة الزهرانيّ (2025) بضرورة إدماج التدريب على الابتكارات الرقميّة في برامج التطوير المهنيّ للمعلّمين، مؤكّدة أنّ المعلّمين الذين تلقّوا تدريبًا متقدّمًا في أدوات الذكاء الاصطناعيّ، أظهروا قدرة أعلى على تعديل الأنشطة الصفّيّة لتناسب جميع أنماط التعلّم. هذا يؤكّد أنّ تمكين المعلّم رقميًّا مفتاح تحقيق التعليم الشامل في البيئات الحديثة.
الابتكار الرقميّ وجودة التعلّم
تتجاوز تكنولوجيا التعليم دورها بوصفها أداة مساعدة، إلى كونها محرّكًا رئيسًا لتحسين جودة التعلّم. فوفقًا لأبحاث نُشرت في مجلة Arab Journal for Quality in Higher Education (2025)، أسهمت التقنيّات التفاعليّة والذكاء الاصطناعيّ في رفع جودة المخرجات التعليميّة، عن طريق تعزيز التفكير النقديّ، والتعلّم القائم على المشكلات، وتحليل البيانات التعليميّة. كما بيّنت النتائج أنّ المنصّات الرقميّة التي تطبّق مبادئ التصميم الشامل، تسهم في تقليل الفجوة بين المتعلّمين، بتمكينهم من التعلّم بالسرعة والطريقة التي تناسبهم.
ينسجم هذا التوجّه مع التجربة العُمانيّة في إدخال الشاشات التفاعليّة ومنصّة "نور" التعليميّة، إذ أصبحت البيئة الصفّيّة فضاءً رقميًّا حيًّا، يتيح للطلبة التعبير بطرائق متعدّدة. هذه الممارسات لا تعكس مجرّد تحديث تقنيّ، بل تحوّلًا تربويًّا نحو تعليم أكثر عدالة وإنصافًا.
نموذج صفّيّ تطبيقيّ: توظيف الشاشات التفاعليّة ومنصّة "نور" في دعم التعليم الشامل: الصفّ الثالث الأساسيّ
يُعدّ توظيف التقنيّات التعليميّة الحديثة أحد المداخل الفاعلة لتحقيق مبادئ التعليم الشامل، إذ تسهم في تيسير التعلّم لجميع الطلبة، بمن فيهم أولئك الذين تختلف قدراتهم أو أنماط تعلّمهم. ويقدّم هذا النموذج تجربة صفّيّة من مدرسة الوادي الأبيض للتعليم الأساسيّ، حيث وظّفت معلّمة مجال أوّل للصفّ الثالث الأساسيّ، الشاشات التفاعليّة داخل الصفّ، إلى جانب منصّة "نور" التعليميّة أداة مكمّلة للتعلّم المنزليّ، بهدف تحقيق التكامل بين بيئتَي المدرسة والمنزل في إطار التعليم الشامل.
1. الإعداد والتخطيط التربويّ
اعتمدت المعلّمة في تخطيطها على مبدأ التنوّع في الأنشطة، بما يتناسب مع الفروق الفرديّة بين المتعلّمين. فقد صمّمت درسًا في مادّة "ديني حياتي"، استند إلى توظيف الوسائط المتعدّدة والأنشطة التفاعليّة، باستخدام الشاشة التفاعليّة داخل الصفّ، مع تخصيص أنشطة إثرائيّة من منصّة "نور"، ليؤدّيها الطلبة في المنزل.
تنوّعت أهداف الدرس بين المعرفيّة والوجدانيّة والمهاريّة، فشملت أن يقرأ الطالب الحديث النبويّ الشريف قراءة صحيحة، ويوضّح معاني المفردات الواردة فيه توضيحًا دقيقًا، ويستنتج الحكمة من الفترة الزمنيّة بين الأمر بالصلاة والتأديب عليها، ويحرص على أداء الصلاة في وقتها أداء صحيحًا. كما تنوّع التخطيط بين تنمية مهارات التعلّم الرقميّ، بالإجابة عن الأسئلة الواردة في الكتاب المدرسيّ، وتوظيف الكتاب التفاعليّ ضمن خطّة الوزارة في رقمنة المناهج، وبين تعزيز التعلّم الذاتيّ والمستقلّ لدى المتعلّمين، بتكليفهم بالبحث عن المفردات الصعبة في الدرس، واستنتاج الحكمة من جعل الفترة بين الأمر بالصلاة والتأديب عليها ثلاث سنوات كاملة.
2. التنفيذ داخل الصفّ
بدأت الحصّة بعرض فيديو قصير يوضّح أهمّيّة الصلاة على الشاشة التفاعليّة، ثمّ فعّلت المعلّمة خصائص الكتابة وتسليط الضوء باستخدام "نور تيتش"، لتوضيح المفاهيم بصريًّا.
أتاحت هذه التقنيّة فرصًا متعدّدة للمشاركة، إذ مكّنت الطلبة من التفاعل المباشر مع النصوص والصور، ما عزّز انتباههم ودافعيّتهم، ولا سيّما لدى الطلبة الذين يواجهون صعوبة في القراءة أو ضعفًا في الذاكرة السمعيّة. قرأ الطلّاب الحديث من الشاشة التفاعليّة باستخدام البرنامج الصوتيّ، ثمّ طُلب إليهم قراءته بأنفسهم وتسجيل أصواتهم في "نور تيتش"، بينما استخدمت المعلّمة المؤشّر الزمنيّ الموجود داخل الشاشة، لتنظيم القراءة وضبط الأداء. أبدى المتعلّمون استعدادًا واضحًا لحفظ الحديث داخل الغرفة الصفّيّة، عندما قامت المعلّمة بتعليمهم إيّاه بالاعتماد على صور مرتبطة بمضمونه. حرصت المعلّمة على تفريد التعلّم وتحقيق التجانس بين الطلبة، فوظّفت مهارات التعلّم التعاونيّ، ووزّعت المجموعات بطريقة متجانسة تتيح لكلّ طالب دورًا محدّدًا، مستخدمة استراتيجيّة الرؤوس المرقّمة، لضمان تفاعل فعّال ومسؤوليّة مشتركة داخل المجموعة.
كما وزّعت المعلّمة المهامّ الصفّيّة وفق مستويات متدرّجة:
المستوى الأوّل (الداعم): أنشطة بصريّة ومسابقة تفاعليّة باستخدام الشاشة، تتناول السلوكيّات الصحيحة والسلوكيّات الخطأ المتعلّقة بموضوع الدرس.
المستوى الثاني (المتوسّط): لعبة تفاعليّة في تطبيق Word Wall، تتضمّن تلاوة آيات وأحاديث عن الأمر بالصلاة، وتوضيحها بأسلوب ميسّر.
المستوى الثالث (المتقدّم): مناقشة الحكمة من الفترة بين الأمر بالصلاة والتأديب عليها، بحيث يقدّم المتعلّمون استنتاجات أمام الزملاء، على الشاشة بطريقة منظّمة. إضافة إلى طرح السؤال الآتي في مستوى التقويم والتركيب: زميلك في الصفّ الرابع يسمع صوت الأذان، ولا يذهب إلى المسجد بحجّة أنّه لا يزال صغيرًا.
ترى أنّ تصرّفه..............؛ لأنّه........................
قدّم إليه نصيحة في ضوء دراستك درس الأمر بالصلاة.
أظهر هذا التنويع أثرًا إيجابيًّا في تعزيز الشعور بالإنجاز والمشاركة لدى مختلف فئات المتعلّمين.
3. امتداد التعلّم إلى المنزل باستخدام منصّة "نور"
بعد انتهاء الحصّة، وجّهت المعلّمة الطلبة إلى أداء نشاط إثرائيّ منزليّ باستخدام منصّة "نور"، يتضمّن تمرينًا بصريًّا عن لعبة تفاعليّة في تطبيق Word Wall، باستخدام خاصّيّة رفع الملفّات. كما رُفع فيديو تعليميّ في مرفقات المادّة عن أهمّيّة الصلاة، وعرض تقديميّ باستخدام برنامج PowerPoint عن الأمر بالصلاة.
يُعدّ هذا الاستخدام امتدادًا للتعلّم المدمج، إذ تحوّلت المنصّة إلى بيئة تعلّم داعمة، تتيح للطلبة مراجعة المحتوى في منازلهم ضمن إيقاعهم الخاصّ، مع إشراك أولياء الأمور في المتابعة.
وقد مكّنت تقارير المنصّة المعلّمة من متابعة أداء الطلبة بدقّة، إذ أظهرت مؤشّرات منصّة "نور" تفوّق الصفّ الثالث على مستوى المدرسة، بعد أن حصد مجموع نقاط بلغ 2853 نقطة مقارنة ببقيّة الصفوف، ليحقّق المركز الأوّل في تفعيل المنصّة التفاعليّة. أتاحت هذه البيانات للمعلّمة تحديد الطلبة الذين يحتاجون إلى دعم إضافيّ، فاختتمت الدرس بنشاط حصاد الأسبوع، والذي شمل تكريم المتعلّمين الذين أظهروا تميّزًا في مختلف المستويات، باستخدام قصاصة تحفيزيّة تحمل عنوان "خبر عاجل"، تشجيعًا لهم وتحفيزًا لبقيّة زملائهم. وأسهمت نتائج المنصّة كذلك في تطوير خطط الدعم الفرديّ، إذ جرى توجيه أولياء الأمور إلى متابعة أداء أبنائهم في الصلوات الخمس يوميًّا وفق جدول خاصّ، إضافة إلى تفعيل مشروع التلاوة المنزليّة، وتقديم التغذية الراجعة الملائمة لتعزيز تقدّم الطلبة.
تحدّيات التكامل بين التكنولوجيا والتعليم الشامل
تواجه عمليّة دمج التكنولوجيا في التعليم الشامل عددًا من التحدّيات، من أبرزها:
- - الفجوة الرقميّة بين المدارس والمناطق المختلفة، ما يحدّ من تكافؤ فرص التعلّم.
- - ضعف البنية التحتيّة التقنيّة في بعض المؤسّسات التعليميّة، ما ينعكس على فاعليّة تطبيق الأدوات الرقميّة.
- - نقص الكفاءات التربويّة المتخصّصة في توظيف التكنولوجيا بطريقة تراعي التنوّع بين المتعلّمين.
- - الحاجة إلى تطوير المناهج، لتشمل موارد رقميّة مصمّمة وفق مبادئ التصميم الشامل للتعلّم (UDL).
وتشير نتائج عبد الحميد (2025) إلى أنّ التغلّب على هذه التحدّيات يتطلّب تعاونًا مؤسّسيًّا متكاملًا، يشمل المعلّمين والمشرفين التربويّين وصنّاع القرار، لضمان أن تظلّ التكنولوجيا أداة تمكين لا تمييز.
نحو رؤية متكاملة لتكنولوجيا التعليم الشامل
لتحقيق أقصى استفادة من تكنولوجيا التعليم في دعم التعليم الشامل، لا بدّ من رؤية تربويّة متكاملة تستند إلى:
- - التصميم الشامل للتعلّم (Universal Design for Learning): والذي يهدف إلى إعداد محتوى متاح لجميع المتعلّمين منذ البداية، من دون الحاجة إلى تعديلات لاحقة.
- - الشراكة بين صانعي القرار والمعلّمين والمجتمع المحلّيّ: لتطوير حلول رقميّة تراعي العدالة التعليميّة، وتستجيب لحاجات البيئات المختلفة.
- - تعزيز البحث التربويّ التطبيقيّ: لتقييم أثر الأدوات الرقميّة في تحسين نواتج التعلّم لدى فئات الطلبة المختلفة.
***
تكنولوجيا التعليم ليست غاية في حدّ ذاتها، بل وسيلة لتحقيق تعليم أكثر عدالة وإنسانيّة. فكلّما أصبحت التقنيّات أكثر شمولًا وذكاءً، اقتربنا من مدرسة لا تُقصي أحدًا، يتعلّم فيها الجميع وفق قدراتهم وإيقاعهم الخاصّ. وهكذا تتكامل التكنولوجيا مع فلسفة التعليم الشامل، لتصنعا معًا مستقبلًا يضمن أن يكون التعليم حقًّا للجميع، في بيئة رقميّة منصفة ومتجدّدة.
المراجع
- - عبد الحميد، ممدوح إبراهيم. (2025). تقييم بيئات التعلّم الإلكترونيّة المنتجة بمركز التعلّم الإلكترونيّ في ضوء مبادئ التصميم الشامل للتعلّم. مجلّة البحث في التربية وعلم النفس, 40(1), 39-109.
- - الزهرانيّ، إبراهيم. (2025). أثر الابتكارات التقنيّة في جودة البحث الأكاديميّ. Arab Journal for Quality in Higher Education، 8(2) ، 2871.
- - العزريّة، عزاء. (2025). تجربة توظيف الشاشات التفاعليّة، ومنصّة "نور"، ورقمنة المناهج في التعليم الشامل بمدرسة الوادي الأبيض للتعليم الأساسيّ (1–4) – الصفّ الثالث الأساسيّ [مقابلة شخصيّة غير منشورة]. وزارة التربية والتعليم، سلطنة عُمان.
- - وزارة التربية والتعليم. (2024). مشروع الشاشات التفاعليّة في المدارس العُمانيّة. البوابة التعليميّة.
- - وكالة الأنباء العُمانيّة. (2024). رقمنة المناهج الدراسيّة لتعزيز جودة التعلّم في سلطنة عُمان.
- - وكالة الأنباء العُمانيّة. (2024). منصّة نور التعليميّة تدعم التحوّل الرقميّ في التعليم العُمانيّ.




نشر في عدد (23) شتاء 2026