لا شكّ التعليم الشامل أحد سبل تحقيق العدالة الحقيقيّة في التعليم، إذ يسهم بشكل إيجابيّ وفعّال في تمكين جميع الطلّاب من الاستفادة من المعرفة، من دون إقصاء أو تمييز. كما إنّ آثاره تنعكس إيجابًا على الطرفين، إذ يحفّز المعلّمين والمتعلّمين على المزيد من البذل والعطاء. فتنمية قدرات الطلّاب ومهاراتهم تثمر حتمًا عن نتائج إيجابيّة، وبذلك يوفّر التعليم الشامل للمستفيدين منه فرصة رسم مسار دراسيّ ناجح، متى توفّرت له الظروف والوسائل والاستراتيجيّات الملائمة لتطبيقه.
المدرّس والتعليم الشامل
من المؤكّد أنّ التعليم الشامل يقتضي تجاوز الطرائق التقليديّة في التدريس، مثل المحاضرة والإلقاء والعرض، إذ تركّز هذه الأساليب على نقل المعارف إلى الطلّاب، من دون إيلاء الأهمّيّة لتفاعلاتهم ومشاركاتهم، فيتحوّل الطالب فيها إلى متلقٍّ سلبيّ. تبنّي المعلّم لمبادئ التعليم الشامل، يفرض عليه إشراك جميع الطلّاب في بناء الدرس، وخلق جوّ يسوده التفاعل الإيجابيّ، بإشعارهم بروح المسؤوليّة، وقدرته على توزيع الأدوار بينهم على قدم المساواة، ومدّ جسور التواصل داخل الصفّ، وتجنّب أساليب القمع أو المنع التي تحدّ من مشاركتهم. فالطلّاب يفضّلون المعلّم الذي يتيح الفرصة لأكبر عدد منهم للمشاركة والتفاعل، ويبذل قصارى جهده لتعمّ الفائدة على الجميع. وهكذا يتحوّل الصفّ الدراسيّ إلى فضاء للتعلّم الشامل وترسيخ القيم الاجتماعيّة والإنسانيّة النبيلة، مثل التعاون والتآزر والمساواة والوحدة.
أساليب واستراتيجيّات في السعي لتنزيل التعليم الشامل
أسلوب التعزيز والتثمين
تفاعل الطلّاب مع المعلّم بشكل مكثّف أثناء عرض المعارف أو تقويمها أو دعم المكتسبات، يدلّ على أهمّيّة ما يُقدَّم إليهم. غير أنّ هذا التفاعل قد يتراجع شيئًا فشيئًا، حين يشعر الطلّاب بأنّ مشاركتهم الصفّيّة لا جدوى منها، خصوصًا عند غياب ثمارها المختلفة. فكم من طالب تراجع عن المشاركة بسبب غياب التحفيز والثناء من المعلّم، وكم من آخر قرّر الصمت، لأنّ زملاءه أخبروه بأنّ ذلك المعلّم لا يُعير التفاعل الصفّيّ اهتمامًا يُذكر، أو لأنّه يردّ على أخطاء الطلّاب وتعثّراتهم بعبارات ساخرة أو محبطة. لذلك يجدر بالمعلّم أن يعزّز هذا التفاعل ويُثمّنه شفهيًّا أو كتابيًّا، مع تنويع أساليبه في ذلك، مثل استخدام عبارات تشجيعيّة من قبيل: "أحسنت، عمل ممتاز، جيّد جدًّا، واصل اجتهادك"، أو بمنح درجات إضافيّة للطلبة المتفاعلين، عملًا بالمثل القائل: "لكلّ مجتهد نصيب". فذلك من شأنه أن يعزّز انخراطهم الإيجابيّ في الفصل الدراسيّ، ويُنمّي روح المبادرة لديهم.
التعاقد البيداغوجيّ
لا يخفى علينا أنّ التعاقد البيداغوجيّ عبارة عن قوانين صفّيّة تحتلّ مكانة مهمّة في إدارة الفصل الدراسيّ وتدبيره. فهو ينظّم علاقة المعلّم بالطلّاب، ويحدّد حقوق كلّ طرف وواجباته. إنّه بمثابة ميثاق غليظ يجدر بالمعلّم عرضه على الطلّاب في بداية الموسم الدراسيّ، واستحضاره كلّما لاحظ تهاونًا في تطبيق أحد بنوده، والتذكير به باستمرار لضمان استيعابه بشكل تدريجيّ. ومن بين الواجبات التي ينبغي التركيز عليها في هذا السياق: المشاركة الفاعلة في بناء الدرس لضمان تفاعل إيجابيّ ومثمر، وبيان ثمار ذلك التفاعل بمنح الطلّاب المتفاعلين درجات تشجيعيّة، أو تثمين جهودهم بأساليب تحفيزيّة تتناسب مع مستواهم وسنّهم. فكلمة طيّبة قد تترك أثرًا عميقًا في نفس الطالب، وتكون دافعًا قويًّا له نحو المزيد من الاجتهاد والتفوّق. وعن تجربة شخصيّة، أطلب من المتعلّمين، عند تقديم ميثاق الفصل، أن يكتبوه في دفاتر الدروس للعودة إليه كلّما دعت الضرورة، بينما يفضّل بعض المعلّمين كتابته على ورقة كبيرة وتعليقه في مكان بارز داخل الصفّ، لتعزيز التواصل الإيجابيّ بين المعلّم وطلّابه.
العمل في مجموعات والتعليم التعاونيّ
يختلف المدرّسون في طريقة توزيع المقاعد والطاولات داخل الفصل الدراسيّ، بما يتيح لهم التنقّل بسلاسة بين الصفوف والمجموعات، ويُيسّر تموضعهم أمام المتعلّمين أو بينهم، ما يضمن رؤية بصريّة واضحة وشاملة لجميع الطلبة. ومن بين السبل الفاعلة لتحقيق هذه الغايات، اعتماد استراتيجيّة العمل في مجموعات، والتي تُعزّز التعلّم التعاونيّ والانخراط المشترك في معالجة الوضعيّات التعليميّة المطروحة. وتتطلّب هذه الاستراتيجيّة توزيعًا عادلًا للأدوار بين أفراد المجموعة، مثل اختيار الكاتب والمسيّر والمتحدّث باسمها. ومع ذلك، ينبغي على المدرّس أن يتنقّل بين المجموعات لمتابعة أدائها وتوجيهها، بحيث يشعر جميع الطلبة بأهمّيّة التآزر والعمل المشترك. اعتماد هذه الطريقة يجعل المتعلّمين في الصفّ أكثر تفاعلًا وابتكارًا، ويغرس فيهم روح المسؤوليّة والتعاون التي تقود إلى نتائج إيجابيّة وفعّالة.
التقييم البديل
أثبت هذا النمط من التقييم فعّاليّته في تحفيز الطلّاب على إنجاز مختلف المهامّ، وحلّ الوضعيّات التعليميّة المتنوّعة، إذ يتجاوز أساليب التقييم التقليديّة والمألوفة، ويفسح المجال أمام المتعلّم لتقييم أدائه أو أداء أقرانه. فبعد الانتهاء من إنجاز المهمّة التعلّميّة، يقوم المدرّس بتوزيع الإنجازات بين المتعلّمين عشوائيًّا، ثمّ يُجري تصويبًا جماعيًّا للتمرين، ويطلب من الطلّاب تحديد الدرجات المناسبة بعد عرض الإجابات الصحيحة. وبهذه الطريقة، يُمكّن المدرّس الطلّاب من اكتساب ممارسات إيجابيّة تُنمّي فيهم روح المسؤوليّة، وتُعزّز مشاركتهم الفاعلة في تصحيح أعمال زملائهم. وقد أظهرت التجربة أنّ انخراط الطلّاب في مثل هذه الأنشطة، يزيد من حماسهم وإقبالهم على إعداد المهامّ والأنشطة الصفّيّة المختلفة.
أسلوب اللعب
تؤكّد التجارب الصفّيّة أنّ التعلّم باللعب، من الاستراتيجيّات الفعّالة في تنشيط التفاعل داخل الصفّ، وتحفيز الطلّاب على المشاركة؛ إذ يُضفي جوًّا من المرح الإيجابيّ والبهجة على الحصّة الدراسيّة، ويجعلها أكثر تشويقًا ومتعة، خصوصًا حين تتوفّر الوسائل والدعامات التي تيسّر تطبيقه. وتجدر الإشارة إلى أنّ التعرّف إلى قوانين اللعبة وشروطها، يُعدّ من الأسس التي تساعد المدرّس في تفعيلها بالشكل الأمثل، لاسيّما بالنسبة إلى الطلّاب الذين يختبرونها لأوّل مرّة. كما إنّ حسن اختيار النشاط الملائم لمستوى المتعلّمين وسنّهم، يُعدّ شرطًا أساسيًّا لنجاح هذه الاستراتيجيّة واستمراريّتها. ومن جهة أخرى، تُغني الأدوات الرقميّة، مثل الحاسوب والمسلاط، عمل المدرّس، وتُتيح له تقديم أنشطة متنوّعة وممتعة، إذ تزخر الشبكة العنكبوتيّة بالألعاب التعليميّة المفيدة، والتي يمكن توظيفها بما يتناسب مع طبيعة الدرس واحتياجات الطلّاب، مثل ألعاب الذكاء والمنطق، وألعاب تمثيل الأدوار، وألعاب التجارب العلميّة.
معرفة أصناف المتعلّمين وسيلة فعّالة لإثارة تفاعل صفّيّ شامل
من تجربتي الطويلة في تدريس اللغة العربيّة، لمست عن قُرب تباين الطلّاب في شخصيّاتهم وتفاعلهم، فقد أجد طالبًا كان في وقت ما شديد الإقبال على التعلّم والانخراط الصفّيّ الفعّال، ثمّ لا يلبث أن يتحوّل إلى طالب منطوٍ على نفسه، أو العكس تمامًا. لذلك ينبغي على المدرّس الانتباه إلى مثل هذه الحالات، لأنّ إهمالها قد يؤدّي إلى تفشّي السلوكيّات السلبيّة بين الطلّاب، تمامًا كما تنتشر الأوبئة إن لم تُواجَه منذ بدايتها، فتتحوّل إلى ظواهر يصعب احتواؤها بعد ذلك. ومن بين هذه الحالات نجد:
- - الطالب المحتكر: والذي يسعى دائمًا للتفاعل الدائم مع الدرس، ويحتاج إلى تقدير وثناء دائمين.
- - الطالب الوسيط: المهتمّ بموضوع التعلّم، ويشعر بأنّه المقصود دائمًا.
- - الطالب الصامت: والذي يميل في أغلب الأحيان إلى الهدوء، ولا تردعه الأحكام.
- - الطالب العدوانيّ: والذي قد يضمر مشاكل نفسيّة واجتماعيّة تجعله يتصرّف بعدوانيّة، فيحاول إثارة الانتباه إليه، ويحبّ التمرّد على القوانين.
- - الطالب الشارد: والذي يهتمّ بمشاكله الخاصّة، ويحتاج إلى التعبير عن همومه ومشاكله.
- - الطالب المضحك والمرح: ليس المقصود هو الطالب المرح بالمعنى الإيجابيّ، والذي يخدم العمليّة التعليميّة التعلّمية، بل المقصود ذلك الطالب الذي يعتبر إضحاك الآخرين وسيلة لجذب الانتباه وإثبات الذات، وبالتالي فإنّ السماح له بإشاعة الدعابة والضحك في الفضاء الصفّيّ، يحول دون توفير جوّ إيجابيّ يشجّع على التعلّم والتفاعل.
ما الأصناف التي تتطلّب تدخّلًا عاجلًا ومثمرًا؟
يساعد هذا التصنيف المدرّس في التمييز بين الطلّاب، إذ يزوّده بمعطيات تشخيصيّة لحالاتهم، كما يمكّنه من تحليل متبصّر لأفعّالهم ومواقفهم وردود أفعالهم، فضلًا عن القيام بالمطلوب لانتشالهم من بوتقة الصمت والشرود والغفلة، وبالتالي ينجح في ضمان تعليم شامل، يجني ثماره العظيمة جميع الطلّاب:
فالصامت يجب إخراجه من قفص الوحدة والكتمان، بدعوته إلى التفاعل أو التعبير عن موقف ما، وعدم التركيز عليه دائمًا.
أمّا الشارد فيحتاج إلى وقفات لكبح شروده وإثارة انتباهه، وقد يعمد المدرّس إلى دعوته إلى تقديم حصيلة أو إجابة عن سؤال ما، أو إعادة جواب ما سبقت الإجابة عنه، على سبيل التحفيز والتشجيع.
سبقت الإشارة إلى أنّ الطالب العدوانيّ يعاني ضغوطات نفسيّة واجتماعيّة، لذلك فهو بحاجة ماسّة إلى التشجيع والتقدير، بدعوته إلى المشاركة وعدم الخوص معه في مواضيع هامشيّة.
الطالب المضحك بدوره يفتقر إلى تحفيز من لدن المدرّس، وقد يستثمر المدرّس ميله إلى الهزل والضحك الإيجابيّ، بعرض بعض القصص الطريفة، ودعوته إلى التعقيب أو التعليق عليها، أو التحدّث معه على انفراد لتنبيهه وإرشاده.
الإشارة إلى هذه الحالات الأربعة، لا يعني أنّ عمل المدرّس يجب أن يقتصر على هؤلاء من دون غيرهم، فالتشجيع والتحفيز على التعلّم، وتعزيز الانخراط الإيجابيّ، ودعم التفاعل، وبناء العلاقات الإنسانيّة النبيلة، وترسيخ قيم التآلف والتعاون والاحترام، كلّها تسهم لا محالة في إثاره اهتمام الطلّاب، وشحذ هممهم، وإذكاء عزائمهم على رغم اختلافهم.
على سبيل المثال
وهنا أقدّم إلى القارئ تجربة استقيتُها من ممارستي الشخصيّة في مهنة التدريس. فقد كان أحد الطلّاب يستغلّ أيّ فرصة، سواء أثناء تفاعل زملائه أو أثناء تواصلي معهم، ليتلفّظ بعبارات أو كلمات ساخرة، وكان همّه الوحيد إثارة جوّ من الضحك والسخرية داخل الصفّ. حاولتُ تجاهله مرارًا على أمل أن يعود إلى رشده، لكن بلا جدوى، إذ إنّ التجاهل في بعض الأحيان يصوّر للطالب أنّ سلوكه مقبول، أو أنّ الاستمرار فيه لا عواقب له.
وفي أحد الأيّام طلبتُ منه ألّا يغادر الفصل بعد انتهاء الحصّة، وأجريتُ معه جلسة حواريّة خالية من التوبيخ أو التهديد، انصبّت على التشخيص والتنبيه والتوجيه. عندها أدرك الطالب أخطاءه المتكرّرة، ومنذ ذلك الحين أصبح أكثر ميلًا إلى المشاركة والتفاعل الإيجابيّ.
فكم من مشكلة يمكن للمعلّم أن يحلّها بالحوار الهادئ والإصغاء البنّاء، من دون الحاجة إلى الاستعانة بطرف آخر، أو اللجوء إلى أساليب تُنفّر الطالب من المعلّم أو من الصفّ الدراسيّ.
***
صار التعليم الشامل مطلبًا ملحًّا في كلّ مؤسّسات التربية والتكوين، وبالتالي فجميع المتدخّلين والفاعلين التربويّين مطالبون بتوفير الظروف الكفيلة بتنزيله إلى أرض الواقع، واعتماد مختلف الأساليب والاستراتيجيّات التي تضمن تفعليه. ولا يتأتّى ذلك إلّا بتعاون جميع الأطراف، وبوجود إرادة صادقة للتغيير والتعلّم. وقد يصطدم الواقع ببعض التحدّيات والمعوّقات، لكنّ هذا لا ينبغي أن يمنع من تكثيف الجهود، ومدّ الجسور، وبذل الأسباب الكفيلة بتحقيق الأهداف المنشودة.




نشر في عدد (23) شتاء 2026