التسارع الرقميّ: من الفجوة إلى الإدماج
التسارع الرقميّ: من الفجوة إلى الإدماج
شباب برزوق | مديرة مدرسة - الجزائر

أصبح حقل التعليم تقليديًّا ومنفّرًا أمام جاذبيّة الوسائط المتعدّدة، والتي تستخدم أكثر من قناة واحدة في نقل الرسائل (الخياريّ، 2025)، بما فيها مقاطع الفيديو والرسوم المتحرّكة والمحاكاة التفاعليّة. فهي تساعد في تبسيط الموضوعات المعقّدة (Sabri & Ismail, 2025)، ما يُمكّن من تحقيق التواصل الناجز (الخياريّ، 2025). والتوظيف الاستراتيجيّ والهادف للأدوات والموارد والمنهجيّات الرقميّة، يتطلّب توافقًا مقصودًا بينها وبين الأهداف التعليميّة والاستراتيجيّات البيداغوجيّة (Sabri & Ismail, 2025). تزامن ذلك مع تراجع المدرسة، وتقلّص وظائفها وجاذبيّتها وأفقها المعرفيّ والتربويّ (الخياريّ، 2025).

حدثت الاستجابة قسرًا وطواعية بفعل العولمة، غير أنّ هناك عوائق تعترض التحوّل الصحّيّ، بحكم تمايز المجتمعات من حيث نوعيّة مواطنيها المنخرطين في تدبير الفعل التربويّ، المرتكز على مؤثّثات تكنولوجيّة أخرجته من الدائرة التقليديّة. غير أنّ عدم تكيّف الفاعلين فيه، من تلاميذ وأساتذة ومرافقين بوصفهم مجتمعًا، نتج عنه انقسام إلى فئة متحكّمة، وأخرى في طور التحكّم، وثالثة غير متحكّمة. إنّها إشكاليّة تستدعي الدراسة، وهي ما يُصطلح عليه بـ"الفجوة الرقميّة": كيف ظهرت؟ وما صورها؟ وما انعكاساتها على الجودة التعليميّة؟ ذلك ما سنحاول الإجابة عنه في هذه المقالة.

 

أوّلًا: ماهيّة الفجوة الرقميّة

قبل معالجة أسبابها وصورها، يتحتّم علينا تقديم تعريف واحد يكون منطلقًا توجيهيًّا للموضوع، فالفجوة في اللغة الإنجليزيّة تُترجَم إلى كلمة divide، وتعني "الانقسام" أو "النقطة الفاصلة". ويُستخدم هذا اللفظ تقنيًّا للدلالة على خطّ تقسيم جغرافيّ مثل خطّ تقسيم المياه (watershed). وفي الإسبانيّة (brecha)، وفي الألمانيّة (Kluft)، وفي الفرنسيّة (fracture numérique)، وكلّها تُحيل إلى معنى الانقسام أو الانفصال الاجتماعيّ بين أفراد مجتمع منقسم في الانتفاع من التكنولوجيا. وهنا تصبح المسألة مرتبطة مباشرة بالتفرقة بين نقيضين: الإدماج والإقصاء (Van Dijk, 2025). أمّا في اللغة العربيّة، فهي تعني "المتّسع بين الشيئين" (معجم المعاني، 2025)، فنقول "فجوة الجيل" للدلالة على ما يحدث من تناقض في الأفكار بين الأجيال (معجم المعاني، 2025).

 

صور الفجوة وأسباب حدوثها

نقف على أنّ من بين فئات العمليّة التعليميّة، فئة متحكّمة بحكم المعرفة وتوافر المعدّات، وأخرى في طريق التحكّم، أي إنّها فئة تعرف تحوّلًا من الجهل والأمّيّة الإلكترونيّة، نحو المعرفة والتحكّم. أمّا الفئة الثالثة فغير مؤهّلة معرفيًّا وتحكّمًا، ولا تتوافر على الإمكانيّات. قد يعود ذلك إلى ضعف مقدّرات الدولة، أو تباين تنمويّ داخل الدولة الواحدة، على غرار ضعف التدفّق في الإنترنت، وهو ما يُصطلح عليه في الفكر التربويّ والفلسفيّ بـ"أجيال التحوّل الرقميّ".

 

أسبابها:

تتباين أسباب ظهور الفجوة وتجلّيها، فهي ترجع إلى عوامل اقتصاديّة وجغرافيّة وثقافيّة وجيليّة وتعليميّة، إضافة إلى عوامل أخرى (Miras et al., 2025).

تُجمع مختلف الدراسات التي أُجريت في الدول النامية، على أنّ مشكلة البنية التحتيّة وصعوبة الوصول إلى التكنولوجيا مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا. كما بيّنت هذه الدراسات أنّ العائق الأكبر يتمثّل في "قابليّة الاستخدام" بنسبة (71%)، وهو ما يُعدّ المستوى الثاني من الفجوة الرقميّة، وقد ظهر [CE2] أيضًا في الدراسات التي أُجريت في الدول المتقدّمة. وإلى جانب ذلك، سجّلت الأبحاث عوائق أخرى ترتبط بطبيعة المنطقة، واصطُلح على تسميتها "عواقب الفوارق السياقيّة" بنسبة (59%)، كما لم تُستثنَ المعتقدات الثقافيّة من بين العوامل التي تعيق اعتماد التعلّم الافتراضيّ (Miras et al., 2025).

 

صورها:

من صور الفجوة عدم المساواة بين الدول والمؤسّسات والمجتمعات، والتفاوت بين الأفراد الذين يتحكّمون في التكنولوجيا ويستعملونها في حياتهم اليوميّة، وأولئك الذين لا يستطيعون الوصول إليها (Miras et al., 2025).

الفجوة نوعان: فجوة أفقيّة تتجلّى بين الدول نتيجة اختلاف مقدّراتها الماليّة والاقتصاديّة والبنية التحتيّة، سواء كانت غنيّة أم فقيرة. وفي هذه الأخيرة تتعمّق الهوّة داخليًّا بين المناطق والأفراد.

أمّا الفجوة الثانية فعموديّة، تحدث داخل المجتمع الواحد بين أفراده الأغنياء والفقراء، والمتعلّمين وغير المتعلّمين، من جهة، ومناطقه من بدو وحضر من جهة أخرى.

تؤثّر البنية التحتيّة للاتّصالات في هذا التفاوت بوضوح بين المناطق الحضريّة والريفيّة؛ ففي المدن تتوافر وسائل الاتّصال بشكل كبير، ما يسمح للسكّان بالوصول السهل إلى الخدمات الرقميّة. على خلاف ذلك، تعاني المناطق الريفيّة نقصًا شديدًا فيها، ما يؤدّي إلى نشوء "فجوة رقميّة"، تعمل الجهات المعنيّة بالاتّصالات والتنمية على تقليصها (الاتّحاد الدوليّ للاتّصالات، 2002).

 

ما نقف عليه:

  • - أنّ الفجوة تباين بين مختلف الأفراد وبين الدول في حدّ ذاتها.
  • - أنّ التفاوت يسجَّل في مدى التحكّم في التكنولوجيا.
  • - أنّ الفجوة تفاوت فئويّ/ طبقيّ.
  • - تتنوّع الفجوة وتتعدّد أسبابها، فقد تعود إلى أسباب اقتصاديّة أو اجتماعيّة أو جغرافيّة أو ثقافيّة.
  • - أنّ للفجوة تأثيرًا في التحوّل الرقميّ الذي أضحى اليوم حتميّة.

 

ثانيّا: الفجوة الرقميّة وثلاثيّة الأجيال

نظرًا إلى التمايز بين الدول من حيث المقدّرات، وتباين رؤاها الاستراتيجيّة في السياسات التعليميّة ونوعيّة الإنسان الذي تريده للمستقبل المنظور، فإنّ أثر هذه العوامل مجتمعة وأخرى، يُحدث شرخًا تكنولوجيًّا تحكّميًّا بين الأفراد والمناطق، تستتبعه آثار مستقبليّة على سيادة الدولة عمومًا، وعلى سيادتها الرقميّة خصوصًا، فضلًا عن انعكاسه على صحّتها التنمويّة.

 

الأجيال بين تعميق الفجوة وتقليصها

الجيل: مجموعة من الأفراد يتقاربون في العمر (15–20 سنة)، يعيشون في سياق اجتماعيّ وتاريخيّ واحد، الشيء الذي يؤثّر في قيمهم ووعيهم واستجابتهم للمواقف (عبد الحافظ، 2024). والأجيال أربعة:

أ. جيل X (1965-1980): عاصر الحرب الباردة والتقنيّات الرقميّة المبكّرة، وعُرف بقدرته على التكيّف مع التحوّلات التكنولوجيّة والاجتماعيّة، وبنزوعه إلى الاستقلاليّة والابتكار (عبد الحافظ، 2024؛ الدوليّة للتدريب، 2024).

ب. جيل Y (الألفيّة): وُلد بعد 1980، وشكّل البداية الرقميّة بفضل الإنترنت والهواتف المحمولة ووسائل التواصل، وتأثّر بأحداث كبرى مثل 11 سبتمبر والأزمة الماليّة لسنة 2008 (عبد الحافظ، 2024).

ج. جيل Z (1997–2012): جيل رقميّ نشأ مع الذكاء الاصطناعيّ والتكنولوجيا المتسارعة، يتميّز بمهارات رقميّة عالية، واهتمام بالقضايا الاجتماعيّة والبيئيّة، وبنزعة إلى التعلّم المستمرّ وريادة الأعمال (عبد الحافظ، 2024؛ Warren، 2024).

د. جيل ألفا (20102024): أكثر الأجيال تنوّعًا ورقمنة، لم يُعاصر المرحلة التقليديّة، وتجاوزت مدّة استخدامه الشاشات والإنترنت الأجيال السابقة. يمثّل نقطة تحوّل في تاريخ الأجيال، بحكم ارتباطه الكلّيّ بالتكنولوجيا (Farrell، 2024؛ عبد الجبّار، 2024).

يُعدّ التمايز والتفاوت بين المجتمعات أمرًا طبيعيًّا، غنيّة كانت أم فقيرة، بل وحتّى بين الأفراد بسبب عوامل متعدّدة. في هذا السياق، تبرز ضرورة حضور الإرادة السياسيّة لتحقيق التنمية المستدامة وتجاوز الأعطاب.

على الصعيد التعليميّ، سارعت عدّة دول، من بينها الجزائر، إلى رقمنة المدارس وتعزيز التعليم المقاولاتيّ، إذ بلغت نسبة تجهيز المؤسّسات التربويّة بالأجهزة التكنولوجيّة 50% سنة 2024، لترتفع إلى 100% سنة 2025/2026، حسب تصريحات السيّد وزير التربية الوطنيّة الحاليّ، مع استحداث تخصّصات جامعيّة جديدة، مثل الذكاء الاصطناعيّ والأمن السيبرانيّ والرياضيّات.

وللإشارة، فالتعليم المقاولاتيّ مجموعة من أساليب التعليم النظاميّ الذي يقوم على إعلام أيّ فرد يرغب بالمشاركة في التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة وتدريبه، في إطار مشروع يهدف إلى تعزيز الوعي المقاولاتيّ، وتأسيس مشاريع الأعمال أو تطوير مشاريع الأعمال الصغيرة (أبو حفص، 2019، ص. 7–8).

وعليه، فالتعليم المقاولاتيّ بوصفه فكرًا ومهارات نشأت ضمن البيئة الاقتصاديّة، نُقل إلى البيئة التعليميّة لتلبية حاجيّات المحيط، عن طريق مخرجات مناهج تعليميّة قادرة على التحديث وتحفيز الإبداع. 

 

إجراءات مواجهة الفجوة الرقميّة

لردم الفجوة أو تقليصها على الأقلّ، نقترح جملة من الحلول، قد تكون ناجعة إن فُعّلت واستمرّ تقييمها. ونختزلها في الآتي:

* تكوين الأساتذة والمرافقين لبلوغ أعلى درجات التحكّم.

* مباشرة إصلاحات سياسيّة ومؤسّساتيّة.

 * إعادة بعث البنى التحتيّة بما يتماشى والمدارس الذكيّة.

لا بدّ من الوقوف بعين ناقدة على آثار التكنولوجيا في ارتباط التلاميذ بالبيئة الصغرى، وبالوطن بوصفه بيئة كبرى، ترسيخًا للمواطنة، وتكريسًا لمبدأ المساواة والإنصاف في تعميم الإفادة من هذه الوسائل في الوسط التعليميّ (Miras et al., 2025).

يتطلّب ردم الفجوة أو تقليصها توافر عدّة معطيات، أهمّها الإرادة السياسيّة، وغرس أنماط جديدة للحَوكمة لتجسيد المشروع المجتمعيّ المُستشرَف.

التوصيات:

إنّ الإرباك الذي هزّ المجتمع التعليميّ رقميًّا، فرض عليه معالجة الاختلالات القائمة، في ظلّ التسارع في الانتقال من الجيل الأوّل للتعليم الذكيّ (E-Learning)، إلى الجيل الثاني للتعليم الذكيّ (M-Learning). وهنا نقترح جملة من التوصيات، نراها كفيلة بتقليص الهوّة بين الأجيال، منها:

  • - تحمّل الدول عبء تهيئة البنية التحتيّة لتحقيق التنمية المستدامة.
  • - صيانة الأجهزة التعليميّة ومراقبة تاريخ صلاحيّتها، لتكون مواكبة للتحوّل الرقميّ.
  • - غرس ثقافة التعليم المقاولاتيّ وسلوكه في النظام التعليميّ مبكّرًا.
  • - تعزيز المران البيداغوجيّ، لخلق حصانة ضدّ الاغتراب النفسيّ والذهنيّ عن الوطن.
  • - ربط الجامعات ومراكز البحث بالسياسة العامّة للدولة، للاستثمار في البنك العلميّ الذي تنتجه نُخبها.
  • - تبنّي استراتيجيّات تكوينيّة قصيرة ومتوسّطة المدى، للرفع من كفاءة التحكّم.
  • - تشجيع الابتكارات بتنظيم مسابقات، ودعمها مادّيًّا ومعنويًّا.
  • - تحيين النصوص القانونيّة، للتكفّل بالمبتكرين والمبدعين داخل الوطن وخارجه.

 

***

الفجوة الرقميّة واقع تفرضه جملة من المعطيات الميدانيّة والنظريّة، منها وجود ثلاثة مكوّنات بشريّة تتفاعل مع الدرس الرقميّ، متباينة من حيث التحكّم في هذه الأجهزة، ما ينعكس على أدائها وعلى مخرجات العمليّة التعليميّة، والتي تصبح هي الأخرى متمايزة بشكل يؤثّر في قدرتها على التكيّف مع محيطها المتعولم، ما أفرز جحافل من العاطلين، لافتقادهم الكفاءة المطلوبة في سوق العمل، فأصبحوا بالتالي عالة على المجتمع.

يعيش خرّيجو الجامعات وضعًا نفسيًّا واجتماعيًّا صعبًا، بحكم مآل حياتهم بعد سنوات طويلة من الدراسة، وهم بحاجة إلى تكوين نوعيّ يكون على حساب الدولة وحجم مقدّراتها.

أمّا الإطارات المرافقة والمراقبة، فهي الأخرى نموذج يقتضي المعالجة الفوريّة، لتدارك الوضع في زمن السيادة الرقميّة.

التعاطي الرقميّ الملحوظ لدى الأجيال المُدمنة، يخلّف متاعب اقتصاديّة جسيمة في الدول المتخلّفة والنامية، لا سيّما ذات البُعد الصحّيّ، إذ تشكّل الأضرار العصبيّة والذهنيّة والنفسيّة عبئًا إضافيًّا على هذه الدول.

 

المراجع

- أبو حفص، حبيبة. (2019). التعليم المقاولاتيّ: مجموعة من أساليب التعليم النظاميّ. مجلّة دراسات في الاقتصاد وإدارة الأعمال، 2(4)، 7–8.

- الخياريّ، عبد اللّه. (2007). التعليم وتحدّيات العولمة. أنفاس.

- معجم المعاني. (2025). ( فجوة، تعريف).

- الاتّحاد الدوليّ للاتّصالات. (2007). البنية التحتيّة للمعلومات والاتّصالات.

- Miras, S., Ruiz-Bañuls, M., et al. (2023). Implications of the digital divide: A systematic review of its impact in the educational field. Journal of Technology and Science Education, 13(3), 936–950.

- Sabri, S. M., & Ismail, I. (2024). A conceptual analysis of technology integration in classroom instruction towards enhancing student engagement and learning outcomes. International Journal of Education, Psychology &Counselling, 9(55), 750–769.

- Van Dijk, J. A. G. M. (2019). The Digital Divide. ResearchGate.