البحث الإجرائيّ منهجًا تطويريًّا نابعًا من المدرسة: تجربة مدرسة حكوميّة في لبنان
البحث الإجرائيّ منهجًا تطويريًّا نابعًا من المدرسة: تجربة مدرسة حكوميّة في لبنان
جمال عبد الحليم عبدو | منسّق وأستاذ لمادّتَيْ العلوم والتكنولوجيا- لبنان

مقدّمة

تعكس هذه المقالة جزءًا من تجربة مدرسة "متوسّطة كفررمّان الثانية" في مشروعها التطويريّ ضمن مشروع "تمام"، وتقدّم الكيفيّة التي حدّد بها فريق تمام القياديّ في المدرسة الحاجة التطويريّة متّبعًا منهجيّة البحث الإجرائيّ، وهو عبارة عن دورة تتألّف من خمس خطوات: تشكيل الأسئلة، وجمع البيانات، وتحليل البيانات، والاستنتاج، واتّخاذ القرار. تسمح هذه المنهجيّة بتكوين فهم معمّق لطبيعة الحاجات يشمل توصيف مظاهرها، وكشف أسبابها، وفهم ظروفها المحيطة بالاستناد إلى وجهة نظر المجتمع المدرسيّ (المعلّمين، أولياء الأمر، والمتعلّمين).

"كفّررمّان" مدرسة حكوميّة في لبنان انضمّت عام 2015 إلى مشروع تمام الذي يعتمد التدريب بالممارسة، والتجريب في سياق العمل من خلال الانخراط في "رحلة تطويريّة" لتنفيذ مشروعات تجديديّة مستندة إلى حاجات المدرسة، مجذّرة في سياقها.

شكّلت المدرسة فريق تمام القياديّ، إذ تكوّن من مدير المدرسة وعشرة معلّمين، خمسة منهم من منسّقي موادّ: اللغة العربيّة، واللغة الإنكليزيّة، والرياضيّات، والعلوم، والاجتماعيّات، بالإضافة إلى خمسة أعضاء آخرين هم معلّمون لموادّ تعليميّة مختلفة. قاد هذا الفريق إطلاق مبادرة تجديديّة مارًّا بمحطّات رحلة تمام. بدأ بتعريف الحاجة التطويريّة، وتحديد غايات التطوير، وانتقل إلى تصميم المبادرة التجديديّة، ووضع خطط لقيادة عمليّة التنفيذ والمتابعة، وصولًا إلى التنفيذ والمتابعة، وتقييم أثر المبادرة التجديديّة بهدف اتّخاذ قرارات لمأسسة المبادرة، خاتمًا بتوثيق التجربة لمشاركتها مع الآخرين.

بعد عدّة دورات بحث إجرائيّ، ووقفات تفكّريّة، حدّد الفريق الحاجة التطويريّة في المدرسة، فكانت "غياب آليّة واضحة منظّمة للإشراف التربويّ لمتابعة عمليّة التعلّم والتعليم، ولتمكين المعلّمين من التعلّم المستمرّ، والتطوير المهنيّ"، وتقصّى الفريق حول سبل تحسين ممارسات المعلّمين متّخذين قرارات مدعّمة بالأدلّة لتصميم مبادرات مبتكرة موائمة للسياق.

 

جمع المعلومات وتحليلها

وجّهت الأسئلة التالية عمليّة جمع المعلومات في دورات البحث الإجرائيّ التي قام بها الفريق القياديّ لتحديد الحاجة: ما هي المشكلة؟ ما هي المعلومات التي نملكها عنها؟ ما هو رأي من تمثّلهم المعلومات؟ ما هي المسبّبات الخلفيّة لهذه المشكلة؟ هل ما نقوم به حاليًّا يساهم في تعزيز المشكلة؟ كيف؟ ما هي الاعتقادات التي ساهمت في خلق هذه المشكلة؟

جُمعت المعلومات عبر ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى، استبانة تحديد الحاجة التطويريّة التي وضع الفريق القياديّ أسئلتها، ثمّ وُزّعت على أعضاء الهيئة التعليميّة جميعهم. تضمّنت الاستبانة إحدى عشرة حاجة تطويريّة محتملة تحتاج المدرسة وضع خطط تطويريّة لمعالجتها، وطُلب إلى أعضاء الهيئة التعليميّة اختيار الحاجة الأكثر إلحاحًا من وجهة نظرهم.

المرحلة الثانية، عقد مجموعات تركيز من المعلّمين، إذ كوّن الفريق أسئلةً تستقصي تعريف المعلّمين للمنسّق، أو المشرف التربويّ دوره في التوزيع السنويّ للموادّ التعليميّة، وتحديد طرائق التدريس والتقييم، وكيفيّة عقد الاجتماعات الشهريّة. عُقدت مجموعات التركيز بالتزامن، وشملت موادّ: اللغة العربيّة، واللغة الإنكليزيّة، والرياضيّات، والعلوم، والاجتماعيّات.

المرحلة الثالثة، مقابلات فرديّة مع لجنة أولياء أمر الطلبة إلى جانب عيّنة من المتعلّمين، إذ وضع الفريق القياديّ أسئلة المقابلات، وقد تمحورت حول الشخص الذي يلجؤون إليه في حال حدوث مشكلة تتعلّق بالتحصيل الأكاديميّ، ومن هم منسقو\مشرفو الموادّ في المدرسة، وما هي أدوارهم بالنسبة لهم، ومن هو الشخص الذي يلجأ الأهل والمتعلّم إليه في حال حدوث مشكلة أكاديميّة.

أمّا لتحليل المعلومات من الاستبانة، فقد استخدم الفريق القياديّ رسوم إكسل البيانيّة من أجل حساب النسب المئويّة لإجابات أعضاء الهيئة التعليميّة. أمّا في مجموعات التركيز والمقابلات، فقد قام الفريق القياديّ بتحليل نوعيّ لمحتوى التسجيلات الصوتيّة في جلسات تفكّريّة للوصول إلى فهم مشترك، واستنتاجات يتوافق عليها الجميع. جرى تحليل النتائج على مراحل. وبناءً على كلّ مرحلة، حُدّدت الأسئلة التي يجب التركيز عليها، أو إضافتها للوصول إلى المعلومات الكافية لتكوين فهم شامل للحاجة التطويريّة.

 

واقع الإشراف التربويّ

يُظهر التحليل الإحصائيّ في الشكل كيف توزّعت أصوات المعلّمين عند تحديدهم للمشكلة التي تحتاج معالجةً، فكانت على الصورة الآتية: 33 صوتًا (أي بنسبة 92% من أفراد الهيئة التعليميّة) اعتقدوا أنّ المشكلة تكمن في موضوع الإشراف التربويّ، وصوت واحد (3%) اعتقد أنّ المشكلة تكمن في تعليم اللغات في الحلقتين الأولى والثانية، وصوتان (6%) اعتقدا أنّ المشكلة متعلّقة بدور الطاقم الإداريّ، أي "النُظّار" ومهمّاتهم.

البحث الإجرائي

استنتج الفريق القياديّ وجود حاجة ملحّة في المدرسة، متعلّقة بأداء المشرفين التربويّين "المنسّقين" في متابعة عمليّتي التعلّم والتعليم. أمّا عن نتائج مرحلة مجموعات التركيز مع المعلّمين، فبعد تحليل محتوى التسجيلات الصوتيّة لها، استنتج الفريق القياديّ عدم وضوح دور المشرف التربويّ ومهمّاته لجميع أعضاء الهيئة التعليميّة، بما فيها تلك المنصوص عليها في المادّة (49) من النظام الداخليّ للمدارس الحكوميّة في لبنان، وهي التي تحدّد كيفيّة اختيار المشرف التربويّ في المدرسة، كما تبيّنت ضبابيّة مجالات الدور المنصوص عليه في هذه المادّة ومسؤوليّاته، وغياب الآليّات التي تنظّم عمليّة الإشراف التربويّ، لا سيّما تلك التي تتناول التقييم التنمويّ الذي يهدف إلى بناء قدرات المعلّم، الأمر الذي يؤثّر سلبًا على العلاقة بين المعلّم والمشرف التربويّ. أمّا عن تحليل محتوى التسجيلات الصوتيّة للمقابلات مع لجنة أولياء الأمر ومع المتعلّمين، أي المرحلة الثالثة، فقد استنتج الفريق القياديّ منها عدم وجود أدنى فكرة لدى لجنة أولياء الأمر والمتعلّمين عن وجود مشرفين تربويّين في المدرسة، وعن طبيعة دورهم ومهمّاتهم، إضافةً إلى الاعتقاد الراسخ لدى الطرفين بأنّ عمليّة الإشراف التربويّ متعلّقة حصريًّا بمدير المدرسة، ولا دور للمشرف التربويّ في المدرسة.

بناءً على كلّ ما تقدّم، توصّل الفريق القياديّ إلى ثلاثة استنتاجات: الأول، يتعلّق بعدم وجود آليّة عمل واضحة منظّمة لأداء المشرف التربويّ في متابعة عمليّتي التعلّم والتعليم. يتمحور الاستنتاج الثاني حول عدم وضوح العلاقة بين المشرف التربويّ والمعلّم، وغياب الدور الرعائيّ والتوجيهيّ للمشرف، الذي يهدف إلى بناء قدرات المعلّمين، ومساعدتهم على التعلّم الذاتيّ المستمرّ لتحسين أدائهم، والثالث يتعلّق بغياب تامّ لمعرفة أولياء الأمر والمتعلّمين بوجود المشرف التربويّ ودوره في المدرسة، ونتيجة لذلك عدم استثمار ما يمكن أن يقدّمه من دعم للعائلة حول مسيرة أبنائهم التعلّميّة.

بناءً على الاستنتاجات الثلاثة، حدّد الفريق القياديّ في المدرسة الحاجة التطويريّة كما يأتي: "عدم وجود آليّة إشراف تربويّ، ومتابعة واضحة منظّمة لعمليّتي التعلّم والتعليم تمكّن المعلّمين من التعلّم، والتطوّر المهنيّ".

 

اعتماد الإشراف التنمويّ

واكبَ فريق تمام الموجِّه الفريقَ القياديّ في المدرسة، وزوّده بمراجع وكتب ومقالات في مجال الإشراف التربويّ التنمويّ، إضافةً إلى حضور الفريق القياديّ ورشات تدريب على مفهوم الإشراف التربويّ التنمويّ. بموازاة ذلك، عقد عدد من المدرّبين المتخصّصين المنتدَبين من قِبل فريق تمام الموجِّه جلسات تدريبيّة للهدف نفسه. بناءً عليه، تبنّت المدرسة نموذج الإشراف التربويّ التنمويّ. هذا النوع من الإشراف يشكّل نموذجًا متطوّرًا للنهج التنمويّ الإنسانيّ، والذي يمزج بين النهج العياديّ Clinical والنمائيّ Developmental (Glickman et al, 2017).

 يهدف الإشراف التربويّ التنمويّ إلى مساعدة المعلّمين في تحديد الصعوبات التي يواجهونها، وحلّها من أجل التطوّر مهنيًّا، وإبقائهم في المهنة بدلًا من التلويح بفصلهم. كما يركّز على الاستجابة لاحتياجات المعلّمين، واحترام وجهات نظرهم، إضافةً إلى التركيز على ديناميّات العمل الجماعيّ، وكذلك خلق المناخ الإيجابيّ للعمل التعاونيّ. يتناول هذا النموذج أيضًا أهمّيّة علاقة الشراكة بين المنسّق أو المشرف التربويّ والمعلّمين، بالإضافة إلى خبرة المشرفين التربويّين التي أصبحت مهارات التعامل مع الآخرين مكوّنًا أساسيًّا فيها.

شكّل نموذج الإشراف التربويّ التنمويّ الخلفيّة الفكريّة التي قادت عمليّة تحديد غايات التطوير نزولًا إلى تصميم المبادرة التجديديّة بأهدافها التطويريّة والإجرائيّة. تناولت غايات التطوير الخاصّة بالمبادرة التجديديّة أربعة جوانب هي: كفاءات المشرّف التربويّ، ومهمّاته، وعلاقاته، وآليّة عمله. شكّلت هذه الغايات التطويريّة منطلَقًا نحو المحطّة التالية من رحلة تمام التطويريّة، وهي تصميم المبادرة التجديديّة، إذ وُضعت الأهداف التي تناولت تدريب المشرف التربويّ ليكون مرجعيّةً في المادّة، قادرًا على إيصال خبرته للمعلّمين والمتعلّمين سواءً من ناحية المعرفة العلميّة للمادّة التعليميّة، أو التخطيط للمادّة التعليميّة، أو طرائق التعليم النشط، أو طرائق التقييم، أو متابعة أداء المعلّمين، وتقييم هذا الأداء بهدف تحقيق تطوّرهم المهنيّ المستمرّ. كذلك تناولت الأهداف تنفيذ المشرف التربويّ للمهمّات المنوطة به وفقَ نموذج الإشراف التربويّ التنمويّ المدعَّم بتقنيّات التواصل الحديثة. كذلك، تناولت الأهداف علاقةَ المشرف التربويّ بالمجتمع المدرسيّ داخل المدرسة (إدارة، ونُظّار، ومعلّمين، وأولياء أمر، ومتعلّمين)، وخارج المدرسة (المركز التربويّ في لبنان، والإرشاد التربويّ، والتفتيش التربويّ، والمجتمع المحلّيّ).

 

أثر التجربة في الفريق والمؤسّسة

ظهرت آثار المشروع التطويريّ أواخر عام 2018، إذ اكتسب الفريق القياديّ في المدرسة خلال هذه التجربة نوعين من الكفايات: الأولى، كفايات لإدارة عمليّات التخطيط، والتنفيذ، والمتابعة، والتقييم للمبادرات التجديديّة. أمّا الثانية، فهي كفايات قياديّة للانخراط في عمليّة التطوير المتّصف بالاستدامة في المدرسة، وهذه جاءت بالممارسة، والتجريب لا سيّما في اجتماعات الفريق، وجلساته التفكّريّة في كلّ مراحل الرحلة، بالإضافة إلى الورشات التدريبيّة والتوجيه والمتابعة والدعم المستمرّ من فريق تمام الموجِّه. بالتوازي مع هذا، كانت عمليّة التوثيق المنظّم تجري على قدم وساق، إذ وثّق كلّ إجراء أحدثه الفريق القياديّ، وهو الأمر الذي سمح لأعضائه أن يتّخذوا قرارات مبنيّة على أدلّة سواءً من ناحية وضع غايات التطوير المتعلّقة بالإشراف التربويّ، أو وضع الأهداف التطويريّة والإجرائيّة، أو وضع المعايير لتقييم تنفيذ المبادرة التطويريّة.

على صعيد المؤسّسة، بات نموذج الإشراف التربويّ التنمويّ موثّقًا حاصلًا على اعتماد المدرسة رسميًّا، إذ وُضع دليل الإشراف التربويّ، الدليل الذي حدّد عمليّة الإشراف التربويّ ونظّمها، فصارت نابعةً من حاجات المدرسة متناغمةً مع سياقها. هذا الدليل يوضّح مقاربة هذا النموذج ومفاهيمه، وينظّم آليّة عمل المشرف التربويّ مع المعلّمين، وأولياء الأمر، والمتعلّمين من بداية العام الدراسيّ إلى نهايته، كما يحوي كلّ الملفّات المتعلّقة بعمل المشرف التربويّ من استمارات المشاهدة الصفّيّة إلى استمارات تقييم المعلّم المختلفة حسب الجهة المقيّمة.

 

خاتمة

لقد استطعنا بوصفنا ممارسين تربويّين أن نستثمر منهجيّة البحث الإجرائيّ خلال رحلة تمام التطويريّة في تحديد الحاجة التطويريّة للمدرسة بدقّة مع مراعاة الأولويّة، والتخطيط لها، وتنفيذها بطريقة علميّة منهجيّة. استثمرنا هذه المنهجيّة في بناء قدراتنا القياديّة، لنكون عناصر تغيير تقود التطوير المستند إلى المدرسة، وتشارك في صنع سياساتها، وتساهم في تحقيق رؤيتها. بذلك كلّه، تبيّن أنّه يمكن للممارس التربويّ أن يكون باحثًا يعتمد منهجيّة البحث الإجرائيّ بصفتها خلفيّةً فكريّةً تنتج معرفةً تربويّةً، تنبع من صلب ممارساته، وتُستثمر في خدمتها، مستنيرةً بالأدبيّات التربويّة من أجل إطلاق مبادرات تجديديّة، والتخطيط لها، وتنفيذها ومتابعتها، وصولًا إلى تقييمها. أخيرًا، أتساءل: إلى متى تبقى المنهجيّات البحثية حكرًا على الجامعات؟

 

 

المراجع

Glickman, C. D., Gordon, S. P., & Ross-Gordon, J. M. (2017). Supervision and instructional leadership (10th ed.). Allyn & Bacon/Longman Publishing.