يُعدّ فهم أهمّيّة أسئلة أطفال مرحلة ما قبل المدرسة، مدخلًا أساسيًّا لتوجيه خبراتهم التعليميّة وتنمية روح الاستقصاء لديهم.
بقلم/ بيكا رايدر
سيخبرك أيُّ معلم لمرحلة ما قبل المدرسة، أنّ الأطفال الصغار يطرحون كمًّا هائلًا من الأسئلة. وهناك بيانات تؤكّد ذلك فعلًا؛ فقد كشفت دراسة أُجريت سنة 2007، أنّ تلاميذ ما قبل المدرسة، عند تفاعلهم مع مقدّمي الرعاية في بيئة محفّزة، يطرحون في المتوسّط ما يعادل 76 سؤالًا في الساعة الواحدة. يُعدّ طرح الأسئلة مهمًّا لتلاميذ مرحلة ما قبل المدرسة، فالأسئلة لا تسهم في تنمية المهارات الاجتماعيّة والانفعاليّة واللغويّة والمعرفيّة فحسب، بل تُعدّ كذلك الوسيلة الأساسيّة التي يفهم بها الأطفال العالم من حولهم. وقد تشجّع طريقة استجابة المعلّمين لفضول الطفل، في ترسيخ روح الاستقصاء لديه، أو – من دون قصد – في تقييدها.
وإذا كنّا ندرك أهمّيّة الأسئلة التي يطرحها الأطفال، فلماذا نعتمد كثيرًا على أدلّة ومناهج دراسيّة، لا تستند إلى نوعيّة الأسئلة التي يطرحها الأطفال أنفسهم؟ والسؤال الأجدر أن نطرحه على أنفسنا: كيف يمكننا توفير بيئة تعلّم يقودها الطفل، وفي الوقت ذاته ضمان تجربة تعليميّة متكاملة تستوفي معايير الدولة؟
هنا يأتي دور المنهج الناشئ (المتكوّن تدريجيًّا)، والذي تقوم فلسفته على فكرة مفادها أنّ توجيه خبرات التعلّم استنادًا إلى أسئلة الأطفال، يكرّس احترام دافعهم الذاتيّ إلى التعلّم، ويعلّمهم أنّ الفضول وسيلة ذات معنى لاكتشاف عالمهم. وغالبًا ما نلاحظ أيضًا أنّه عندما ينغمس الأطفال في تعلّمهم، تصبح الإجراءات الصفّيّة الروتينيّة أكثر سلاسة، ويغدو الصفّ أكثر حيويّة وحياة، مقارنة بصفّ يُدار وفق سيناريوهات جامدة ومحدّدة سلفًا.
المعلّم بوصفه باحثًا
يعتمد المنهج الناشئ بدرجة كبيرة على مفهوم المعلّم بوصفه باحثًا. ويعني ذلك أنّه أثناء لعب الأطفال، ينبغي علينا أن نكون واعين بأهمّيّة منحهم المساحة الكافية للاستكشاف وطرح الأسئلة، من دون توجيه مباشر من الكبار، وأن نلاحظ الأسئلة التي يطرحونها وندوّنها. فهذه الملاحظات ستوجّه خبرات التعلّم المقصودة التي سيقدّمها المعلّمون لاحقًا.
فعلى سبيل المثال، إذا توقّف الأطفال لطرح أسئلة حول تلٍّ مليء بالنمل، فمن المهمّ أن ندرك دلالة هذا الفضول، وأن نتيح لهم الفرصة لاستكشاف التلّ بأنفسهم. وأثناء متابعتنا لاستكشافهم، نقوم بتدوين الأسئلة المطروحة: هل تتكرّر بعض الأسئلة؟ ماذا يعرف الأطفال بالفعل عن النمل؟ كما يُعدّ هذا الوقت مناسبًا لالتقاط الصور ومقاطع الفيديو، للرجوع إليها لاحقًا عند تصميم أنشطة تعلّم مقصودة، تنطلق من اهتماماتهم الآخذة في التشكّل.
خلق فرص للتعلّم
في المنهج الناشئ، يستخدم المربّون ممارسة تُعرف باسم "الغرس"، بهدف غرس فرص تعلّم مقصودة بشكل طبيعيّ داخل لحظات الاكتشاف العفويّة. ويمكن أن يتّخذ الغرس شكل توفير أدوات تعلّم إضافيّة، أو طرح أسئلة داعمة تبني على ما يتعلّمه الأطفال بالفعل. فعلى سبيل المثال، إذا أبدى الأطفال اهتمامًا بسلوك النمل، يمكن تزويدهم بوعاء مخصّص للحشرات وعدسة مكبّرة. وإذا كانوا مهتمّين بعدد تلال النمل التي يمكنهم العثور عليها، يمكن تقديم دفتر صغير وقلم لتسجيل الأعداد. وإذا رغبوا في محاولة حفر تلّ نمل خاصّ بهم، يمكن توفير مجرفة يدويّة صغيرة، ومساعدتهم في تحديد مكان آمن للحفر. وإذا كان طفلان يقومان بعدّ النمل، يمكنك تقديم توجيهات أو أسئلة تبني على مهارات الرياضيّات، مثل: "لقد وجدتَ سبع نملات، ووجدت روزي أربعًا أخرى، تُرى كم نملة أصبح لدينا جميعًا؟"
كما يمكن أن تنعكس أسئلة الأطفال واهتماماتهم الناشئة في أنشطة اليوم التالي. فعلى سبيل المثال، بعد قضاء فترة الظهيرة في استكشاف عالم النمل، قد يأتي الأطفال في صباح اليوم التالي، ليجدوا دعوة إلى اللعب وبناء تلال نمل باستخدام الرمل السحريّ (الرمل القابل للتشكيل) ومجسّمات نمل صغيرة. وخلال فترة التجمّع الصباحيّ، يمكنك تقديم كتاب عن النمل وفتح نقاش قصير، مع الاستمرار في اتّباع توجيهات الأطفال.
وغالبًا ما أمزح قائلة إنّ المنهج الناشئ أسهل في الممارسة عن الشرح. وكما نردّد للأطفال دائمًا، فالطريقة الوحيدة لتعلّم شيء جديد تتمثّل المحاولة. لذلك، أقدّم إليك ثلاث خطوات بسيطة يمكنك تجربتها في صفّك.
ثلاث خطوات يمكنك تجربتها غدًا
1. خصّص 10 دقائق متواصلة من دون مقاطعة لمراقبة الأطفال يلعبون في الخارج، ولاحظ ما الذي يثير فضولهم. قد يكون شيئًا ملموسًا، مثل الريش أو الحشرات أو الطين، وقد يكون أمرًا أكثر تجريدًا، مثل موضوع متكرّر في لعبهم. ربما يستكشفون قوى خارقة، أو يبنون مدنًا في صندوق الرمل. يمكنك أيضًا تدوين بعض الملاحظات، أو تسجيل عبارات قالها الأطفال، أو التقاط بعض الصور إذا شعرت بالحماس.
2. استخدم "حقيبة الاكتشاف" لتعميق استكشاف الأطفال، وهي حقيبة صغيرة، تحتوي أدوات تساعد الأطفال في توسيع نطاق فضولهم، مثل المساطر، وأشرطة القياس، وعلب حفظ الحشرات، والخيوط، والأدّلة الميدانيّة المصغّرة، والمجارف اليدويّة الصغيرة، وأدوات العدّ، وأقلام الرصاص، والدفاتر، والمناظير، والعدسات المكبّرة، أو أيّ شيء يمكنهم استخدامه لتتبّع أسئلتهم واهتماماتهم.
تساعدنا حقيبة الاكتشاف في الاستجابة للأسئلة والملاحظات العفويّة. فعندما يطرح طفل سؤالًا مثل: "ما نوع هذه الحشرة؟" أو "ما عمق هذه البركة؟" لا نكتفي بالإجابة بالكلمات فقط. يمكننا منحه عدسة مكبّرة أو مسطرة ليتحقّق بنفسه. وهكذا نتحوّل من دور المفسّر إلى المرشد، بينما يصبح الأطفال علماء وباحثين ومستكشفين.
3. حاول استخدام المعلومات التي جمعتها من ملاحظاتك، لإنشاء نشاط تعلّم تفاعليّ يوسّع تعلّم الأطفال داخل الصفّ. وهنا يمكن إدخال أنشطة أكثر توجيهًا ومحدّدة المجال، من دون أنّ تفقد ارتباطها باهتمامات الأطفال. فإذا أبدى الأطفال اهتمامًا بأوراق الخريف في اليوم السابق، يمكنك إعداد نشاط سريع لمطابقة الأوراق أو فرزها حسب الألوان.
Originally published (January 15, 2026) on Edutopia.org. [Using Questions to Encourage Emergent Learning] was translated with the permission of Edutopia. While this translation has been prepared with the consent of Edutopia, it has not been approved by Edutopia and may therefore differ from the authentic text. In case of doubt the authentic text should be consulted and will prevail in the event of conflict.





نشر في عدد (24) ربيع 2026