التخطيط التربويّ بين التحدّيات والفرص
التخطيط التربويّ بين التحدّيات والفرص
دانية المغربي | معلّمة صفّ – قطر

لنحقّق أهدافنا الحياتيّة، طويلة كانت أم قصيرة الأمد، نحتاج بالتأكيد إلى التخطيط أداةً لضمان نجاحها، فماذا لو كنّا نتحدّث عن عمليّة تعليم وتعلّم؟ نال التخطيط في الآونة الأخيرة اهتمامًا كبيرًا، بل أصبح عنصرًا محوريًّا يرافق المعلّم مثل ظلّه منذ بداية عامه الأكاديميّ حتّى نهايته. من جهتي، أرى أنّ التخطيط بوصلة تحدّد لنا المسار، وتميّز لنا أبعاده، فكيف لنا أن نمضي قُدُمًا، بوصفنا معلّمين، من دون أن نعرف إلى أين نتّجه؟

ومع ذلك، فالتخطيط في عصرنا الحاليّ لم يعد مجرّد ورقة نكتب فيها مجريات الحصّة التدريسيّة بتفاصيلها، ونحاول تطبيقها من دون مراعاة للظروف أو مرونة أمام المتغيّرات، وكأنّنا نحاول إلزام جميع الطلبة بارتداء عباءة بالحجم واللون ذاتهما، متجاهلين الفروقات الفرديّة والاختلافات بين الطلبة والظروف المحيطة بنا وبهم.

 

لذلك، أعتقد أنّ التخطيط ليس مسؤوليّة فرديّة تقع على عاتق المعلّم وحده، بل يحتاج إلى منظومة تربويّة متكاملة الأركان لضمان الاطّلاع عليه من أكثر من منظور، ولما للمشاركة في عمليّة التخطيط من أثر إيجابيّ في تحسين عمليّة التعليم والتعلّم. فالإدارة المدرسيّة والمشرفون، وفي بعض الأحيان أولياء الأمور، وبالتأكيد الطلبة، عناصر تسهم في التخطيط والبناء عليه. ومع ذلك، يبقى المعلّم العنصر الأكثر تأثيرًا في هذه العمليّة؛ فالخطّة التدريسيّة، حتّى تُنفّذ وتُطبّق، تحتاج إلى معلّم مطّلع على استراتيجيّات التعلّم الحديث، وقادر على تلبية احتياجات الطلّاب الفرديّة، وتهيئة بيئة إيجابيّة داعمة. وأستطيع هنا القول: نعم، إنّ التخطيط الدرسيّ الفعّال يسهم، وبشكل كبير، في تحسين جوانب التعليم والتعلّم، شريطة أن يكون مرنًا وقابلًا للتكيّف مع الظروف والتحدّيات التي تواجه المعلّم والطلبة على حدّ سواء. 

 

في المفهوم: ما التخطيط؟  

خلال بحثي وقراءاتي المختلفة لمفهوم التخطيط، وجدت الكثير من التعريفات، فاستوقفني تعريف الهويديّ (2005) للتخطيط بأنّه "تصوّر مسبق لما سيقوم به المعلّم من أساليب وأنشطة وإجراءات، واستخدام أدوات أو أجهزة أو وسائل تعليميّة من أجل تحقيق الأهداف التربويّة المرغوبة". برأيي، هذا التعريف قد يكون حقيقيًّا وقريبًا إلى واقع ما أقوم به بوصفي معلّمة، ويعكس العمليّة التربويّة بشكل دقيق، لأنّه يشير إلى أهمّيّة التحضير المسبق للأهداف التي أريد تحقيقها باعتماد أنشطة متنوّعة، واستخدام مصادر ووسائل تعليميّة فعّالة. فالتصوّر المسبق يعكس أهمّيّة التخطيط والتفكير في كيفيّة تصميم الدرس.

وهنا تحضرني ممارسة أقوم بها مع زميلاتي المعلّمات قبل البدء بوحدة بحثيّة جديدة على مدار ثمانية أسابيع، وهي التخطيط العكسيّ. فهذه العمليّة تتطلّب منّا رؤية مجريات التعلّم، من الشكل العامّ، وصولًا إلى التفاصيل الصغيرة للدروس، فأقوم بتحضير الأهداف التعليميّة وتقسيمها على الفترة الزمنيّة المحدّدة، وأمضي قُدُمًا بها بشكل مترابط.

 

وفي هذا المجال، ذكرتُ عند إجابتي على أحد الأسئلة في مهامّ التخطيط أثناء ورشات العمل: في وحدة الكائنات الحيّة، والتي تتطلّب معرفة خصائص النبتة واحتياجاتها، يقودني هذا الهدف إلى اختيار الأنشطة المناسبة لتحقيقه، بحيث يبدأ الطالب بمشروع الزراعة ليعيش تجربة واقعيّة، ويتعرّف إلى احتياجات النبتة من تجربته الشخصيّة، ومن دون تلقين. كلّ هذا يتطلّب تحضيرًا مسبقًا كما ذكر الهويديّ، وتصورًا لما سنقوم به، وكيف سنقوم به، لنقدّم تجربة تعليميّة ذات جودة ومغزى. هذا باختصار يُسمّى تخطيطًا.

ومع ذلك، أرى أنّ تعريف الهويديّ للتخطيط قد لا ينسجم مع بعض ظروف التعلّم، كأن تكون البيئة المدرسيّة تفتقر إلى الوسائل أو المصادر التي تدعم عمليّة التعلّم؛ فهنا نحتاج إلى التفكير بطرق أخرى للتخطيط تناسب قدرات البيئة المحيطة. وفي مدرستنا، نحاول دومًا الرجوع إلى الطبيعة، تبعًا لفلسفة ريجيو إيميليا التي توصي باستخدام موادّ طبيعيّة مختلفة، مثل أوراق الشجر والطين والخشب، في دروس العلوم والرياضيّات على سبيل المثال. وهذه الفلسفة تحتاج إلى شرح مفصّل، ولكن أراها حلًّا عمليًّا لأيّ بيئة تفتقر إلى مصادر التعلّم أو وسائل التكنولوجيا الحديثة.

 

هل التخطيط مُلزِم دائمًا؟

منذ القدم وحتّى يومنا هذا، أثبت التخطيط أهمّيّته في تنظيم الإدارة الصفّيّة، ومرونة تحقيق الأهداف، وتوفير الوقت والجهد اللازمَين لتنفيذ آليّة الدرس.

فهل لنا أن نقارن بين معلّم يقدّم حصّة دراسيّة سبق التخطيط لها، ومعلّم يقدّم درسه من دون خطّة وبطريقة عشوائيّة؟ فأنا بوصفي معلّمة رياض أطفال، أرى أنّ التخطيط، بعيدًا عن الكلمات المنمّقة، يجعل من الحصّة التعليميّة مكانًا ممتعًا لاكتساب معرفة جديدة، فيستمتع الطالب بأساليب التعلّم النشط والاستراتيجيّات التي تقدّمها المعلّمة. وعندما يستمتع الطالب، يقدّم أفضل ما لديه لتحقيق نتائج تعلّم إيجابيّة، وهنا تكمن أهمّيّة التخطيط: المعلّم يخطّط لأجل الطالب ولأجله كذلك، فالطالب أثناء الحصص الدراسيّة يستمتع ويتعلّم ويستقصي ويبحث وينمّي مهاراته. والمعلّم يوثّق عمله ويجمع أدلّة تقدّم طلبته، ويصبح على اطّلاع بقدرات طلّابه واهتماماتهم، فتصبح الخطّة ملائمة لطلّاب الصفّ، قبل أن تكون ملائمة لطلّاب المرحلة الدراسيّة جميعًا.

 

وهنا وجب أن ننوّه إلى أهمّيّة التخطيط المتمايز، المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتحدّيات غير المتوقّعة التي يواجهها المعلّم أثناء عمليّة التخطيط. فتنوّع قدرات الطلبة أحد التحدّيات التي تعترض طريق المعلّم عند البدء بالتخطيط. واختلاف بيئات التعلّم وظروفه يجعل من عمليّة التخطيط تحدّيًا كبيرًا. فهل لنا أن ننسى ماذا حلّ بعالم التعليم أثناء جائحة كورونا؟ تغيّرت البيئة والظروف ووسائل التعليم، فاضطرّ الجميع، مجبرين غير مخيّرين، إلى دمج التكنولوجيا في عالم التخطيط، ليتمكّن الطالب والمعلّم من السير في عمليّة التعليم. ولكن ما الذي حلّ بنا نحن المعلّمين، عند اجتياز هذه الجائحة؟ أصبح استخدام التكنولوجيا في الحصص الدراسيّة أساسيًّا، بل أصبح من أساليب التعلّم الحديث. إذًا، التحدّيات تصقلنا دومًا وتجعل من الخطط أكثر مرونة، فأنا لا أكتب الخطّة ليكون لها مكان في ملفّات المدرسة، بل أوثّق تعلّمًا عظيمًا وتجربة إنسانيّة لإنسان، وليس لطالب فقط.

إذًا، أستطيع الجزم هنا أنّ أبرز التحدّيات التي تواجهني أثناء التخطيط هو إدارة الوقت داخل الحصّة، والتي قد تختلف وتتباين مع نشاط كلّ طالب وسرعة استيعابه. كما إنّ التعلّم القائم على البحث والاستقصاء قد يجد مقاومة من بعض الطلبة لتطبيقه، وعليه فإنّني أستطيع توظيف استراتيجيّات تستلزم وقتًا إضافيًّا للطلبة الذين يحتاجون إلى دعم، وإشراك الطلبة في استراتيجيّات التعلّم النشط تدريجيًّا. ويقول ديوي (1938) موضحًا نوعًا من التحدّيات التي تواجه المعلّم أثناء التخطيط: "التعليم ليس انتقالًا للمعلومات من المعلّم إلى الطالب، بل هو عمليّة تفاعليّة تحتاج إلى فهم عميق للطبيعة الإنسانيّة".

 

من يشارك في التخطيط؟

على المعلّم أن يكون قادرًا على التكيّف مع التحدّيات التي تطرأ من احتياجات الطلّاب المتغيّرة. ولأنّ صوت الطالب في عمليّة التعلّم يمثّل جوهر الحصّة، أرى أنّ إشراكه في التخطيط يكاد يكون من الممارسات الناجحة التي أقوم بها. فمنذ بداية العام، أوضح لهم كيف ستسير الحصّة، وما الأهداف التي أتوقّع أن يتعلّموها، حتّى يصبح الطالب على دراية بآليّة تنفيذ الحصّة، فيُقبِل على أن يكون له صوت فيها. أذكر مرّة أنّني قلت لطلّابي في حصّة تتناول البحث عن خصائص الحشرات: اليوم سنقرأ قصّة تتحدّث عن حياة النملة، فقاطعني طالب قائلًا: وماذا لو أحضرنا نملة من حديقة المدرسة قبل الشروع بقراءة القصّة؟ فوافقتُه الرأي، وإذ بي أفاجأ بحصّة دراسيّة قد تكاد تكون من أنجح الحصص التي قدّمتها، ويعود الفضل في ذلك إلى طالبي الذي قاد هذه الحصّة، وطرح الفكرة والطريقة. ومن وقتها، وأنا أخصّص يومًا كاملًا في الأسبوع، مخطّطًا حسب صوت الطالب، ذلك الصوت الذي يساعدني بشكل فعّال في تصميم خطّة باقي الأسبوع.

وهنا أربط ما ذكرته أعلاه بما قاله أحد علماء الفلسفة، روجرز كارل: "التعلّم يصبح أكثر فعّاليّة عندما يشارك المتعلّم في تحديد ما يحتاج إلى تعلّمه وكيفيّة تعلّمه. الطلّاب لا يجب أن يكونوا متلقّين سلبيّين للمعرفة، بل يجب أن يكونوا جزءًا من العمليّة التربويّة" (كارل روجرز، 1969).

 

إشراك الطلبة في عمليّة التخطيط للتعلّم أمر إيجابيّ ومحفّز لتحقيق النجاح، ومع ذلك لا يمكن في جميع الحالات أن يُترك للطلبة تحديد ما يريدون أن يتعلّموا؛ فقد يكون هذا عائقًا لتحقيق الأهداف المحدّدة من قبل إدارة المدرسة، وقد يكون عبئًا على المعلّم. علينا أن نكون متوازنين، ونتعامل مع مفهوم إشراك الطلبة في عمليّة التخطيط بذكاء، وذلك مثلًا عن طريق استخدام استراتيجيّة المحاكاة أو النمذجة، فأقوم باستخدام خرائط ذهنيّة، أو العمل ضمن جماعات، أو استخدام استراتيجيّة حلّ المشكلات، فأقترح على طلبتي تباعًا استخدام تلك الاستراتيجيّات، أو استخدام طرق مشابهة. بذلك يتدرّب الطالب ليصبح متمرّسًا لاحقًا في استخدام استراتيجيّة كان قد طوّر عليها سابقًا. فهنا أنوّه أنّني لا أريد أن أحيد عن الدرب، إذ تتنوّع أهداف الطالب، ويختلف تبعًا لذلك مسار تحقيق الأهداف المرجوّة، ولكنّ الطالب هنا يساعدني في تنويع الطرق لأصل معه، كما يرغب، إلى الهدف المرجوّ.

 

***

في ختام هذا المقال، يظهر أنّ التخطيط التربويّ ليس مجرّد أداة تنظيميّة، بل عنصر أساسيّ لتحسين جودة التعليم والتعلّم. يمكن أن يكون التخطيط فعّالًا عندما يكون مرنًا، ويتناسب مع الفروقات الفرديّة للطلّاب والظروف المتغيّرة في البيئة التعليميّة. نجاح خطّة التدريس يعتمد على قدرتها على التكيّف مع التحدّيات غير المتوقّعة، ما يتطلّب من المعلّم تحديث استراتيجيّاته باستمرار. بالتخطيط يمكن للمعلّم أن يرى في الطلّاب جيلًا قادرًا على تغيير طرق التعلّم وأساليبه. في النهاية، يعدّ التخطيط أداة مهمّة لتحسين العمليّة التعليميّة ورفع جودتها، ويجب أن يكون مرنًا في ظلّ عالم دائم التغيّر.

 

المراجع

- الهويديّ، زيد. (2005). مهارات التدريس الفعّال. دار الكتاب الجامعيّ.

- أكاديميّة الملكة رانيا لتدريب المعلّمين. (د.ت). معايير المعلّمين.

- Edwards, C. P., Gandini, L., & Forman, G. E. (Eds.). (2012). The hundred languages of children: The Reggio Emilia experience in transformation (3rd ed.). Praeger.

- Rogers, C. R. (1969). Freedom to learn. Charles E. Merrill Publishing Company.

- Dewey, J. (1938). Experience and education. The Macmillan Company