عندما أسترجع طفولتي في مدينة سيدي بوزيد، في الوسط الغربيّ لتونس، لا أرى سبّورة ولا صفوفًا ولا دفاتر، بل أرى أرضًا، وأشجار زيتون، وسماءً صافية، وأطفالًا يصنعون عالمهم بأيديهم. أتذكّر كيف كنّا نلعب بالتراب كأنّه كنز، وبالحصى كأنّها أدوات سحريّة، وبأعواد الشجر كأنّها مفاتيح لقصص لا تنتهي. لم تكن لدينا ألعاب جاهزة ولا وسائل تعليميّة حديثة، لكن كان لدينا شيء أغلى: الحرّيّة.
كنّا نتعلّم من دون أن نلاحظ أنّنا نتعلّم. عندما نختلف نتفاوض، نخطئ ثمّ نُصلح، نبني ثمّ نهدم ثمّ نبني من جديد. تعلّمنا الصبر ونحن ننتظر دورنا، واللغة ونحن نختلف ثمّ نتصالح، والحساب ونحن نعدّ ما جمعناه من ثمار أو حجارة. وباستكشافنا العالم بأنفسنا، نمّينا مهارات التواصل وإدارة المشاعر، قبل أن نعرف أنّ لها تسميات علميّة، وهو ما تؤكّده الدراسات التي تشير إلى أنّ السنوات الأولى من عمر الطفل، تُعدّ الأساس في بناء المهارات الاجتماعيّة والانفعاليّة والمعرفيّة (Shonkoff & Phillips, 2000).
وهنا يبرز تساؤل ملحّ: إلى أيّ مدى تسمح السياسات التربويّة الحاليّة للأطفال بخوض هذا النوع من التعلّم الحرّ؟ أم إنّها تقيّده باسم التنظيم وتحقيق النتائج المبكّرة؟
كبرتُ واخترتُ المسار الجامعيّ، فدرستُ اللغة الإنجليزيّة وآدابها، وحصلتُ على شهادة تؤهّلني لتدريس المرحلة الثانويّة، وهي المرحلة التي يُنظر إليها في مجتمعاتنا على أنّها أعلى مراتب التعليم. كان من المفترض أن أشعر أنّني وصلت، لكنّ شيئًا داخلي كان يهمس بأنّ النجاح الحقيقيّ يبدأ في السنوات الأولى، إذ يكون الطفل هشًّا مثل غصن صغير قادر على النموّ في أيّ اتّجاه.
وعلى الرغم من هذا الوعي الفطريّ بقيمة هذه المرحلة، يواجه معلّمو الطفولة المبكّرة في كثير من السياقات العربيّة نوعًا من التهميش الصامت. فبينما يُعلَن عن أهمّيّة هذه المرحلة في الخطاب التربويّ، لا ينعكس ذلك دائمًا في الواقع المهنيّ، سواء من حيث التقدير، أو فرص التطوير، أو المكانة داخل المنظومة التعليميّة. وهنا يبرز سؤال جوهريّ: كيف يمكن لمهنة تُشكّل أساس بناء الإنسان أن تبقى على هامش الاعتراف الحقيقيّ؟
من يصنع الإنسان؟
أسأل نفسي كثيرًا: من يصنع الطالب الواثق؟ ومن يصنع الطالب المرتبك؟ من يزرع الشجاعة؟ ومن يزرع الخوف؟ من يعلّم الطفل أنّ صوته يُسمع؟ ومن يعلّمه أنّ الصمت أكثر أمانًا؟
الجواب بسيط وعميق في آن واحد: معلّم الطفولة المبكّرة.
تجربة واقعيّة من الصفّ
في سنتي الأولى في تدريس الطفولة المبكّرة، التقيت طفلًا كان يحمل تناقضًا لافتًا. كان متميّزًا في الألعاب الفكريّة، سريعًا في إيجاد الحلول، ويُظهر مهارات واضحة في التفكير. ومع ذلك، كان يواجه صعوبة في اتّخاذ أبسط القرارات اليوميّة داخل الصفّ. كان يتردّد كثيرًا، ويخشى الخطأ، وينتظر دائمًا من يحدّد له ماذا يفعل.
هذا التناقض دفعني إلى إعادة النظر في دوري بوصفي معلّمة. بدأتُ أغيّر أسلوبي في طرح الأسئلة، فخفّفت من الأسئلة المغلقة، ووسّعت مساحة الاختيار أمامه. منحته أدوارًا صغيرة داخل الصفّ، وشجّعته على المحاولة من دون خوف، مع تعاون مستمرّ مع الأسرة.
تدريجيًّا، لم يعد ذلك الطفل نفسه. أصبح أكثر ثقة، وأكثر قدرة على اتّخاذ القرار. هذا التحوّل لم يكن صدفة، بل يعكس أثر الممارسات الصفّيّة المرتبطة بفلسفة تربويّة تمنح الطفل مساحة للنموّ. كما يرتبط أيضًا بالسياسات التربويّة التي تمنح المعلّم مرونة مهنيّة حقيقيّة، تمكّنه من اتّخاذ قرارات تعليميّة تستجيب لاحتياجات الطفل.
واقعنا العربيّ بين الاعتراف والتهميش
مع مرور السنوات، أدركتُ أنّ المشكلة لا تكمن في الأفراد، بل في نظرة المجتمع إلى المهنة. ويتجلّى هذا التهميش في عدّة أوجه، من بينها ضعف التقدير المجتمعيّ لدور معلّم الطفولة المبكّرة، إذ يُنظر إلى عمله أحيانًا على أنّه رعاية أكثر من كونه تعليمًا متخصّصًا. كما يظهر في محدوديّة فرص التدريب النوعيّ المستمرّ، مقارنة بغيره من المراحل التعليميّة، إضافة إلى تفاوت في الرواتب والحوافز.
ولا يقتصر الأمر على الجانب المهنيّ، بل يمتدّ إلى الحضور المعرفيّ، إذ تعاني المكتبة التربويّة العربيّة نقصًا في الدراسات المتخصّصة في الطفولة المبكّرة ضمن سياق ثقافيّ محلّيّ، ما يعزّز الاعتماد على نماذج خارجيّة قد لا تنسجم دائمًا مع خصوصيّات مجتمعاتنا.
بين العالم العربيّ والغربيّ
عندما انتقلتُ إلى العمل في قطر، لاحظتُ تقدّمًا واضحًا في البنية التعليميّة وفرص التطوير المهنيّ، خصوصًا في المؤسّسة التي أنتمي إليها، وهي الأكاديميّة العربيّة الدوليّة، حيث انعكست سياساتها التربويّة الداعمة في تعزيز دور المعلّم، ومنحه مساحة مهنيّة حقيقيّة. وقد شكّلت هذه التجربة مشعل أمل أعاد إيماني بإمكانيّة النهوض بمستقبل الطفولة المبكّرة في العالم العربيّ.
ومع ذلك، بقي التحدّي قائمًا في مستوى أعمق: صراع بين رؤيتين؛ إحداهما تؤمن بطفولة يقودها اللعب والاكتشاف، وأخرى تختزل هذه المرحلة في نتائج سريعة وأرقام مبكّرة.
في المقابل، في كثير من السياقات الغربيّة، لا يُمنح معلّم الطفولة المبكّرة هذا الاعتراف من فراغ، بل نتيجة تراكم معرفيّ وبحثيّ طويل، جعل هذه المرحلة محورًا أساسيًّا في السياسات التربويّة، بحيث صار يُنظر إليه بوصفه متخصّصًا حقيقيًّا، يُدرَّب ويُحترَم ويُستشار.
حين تُعاد القيمة
تُظهر بعض التجارب التربويّة الحديثة أنّ إعادة الاعتبار إلى معلّم الطفولة المبكّرة ممكنة، عندما تتوفّر بيئة تعليميّة واعية بدوره، مثل بيئة مؤسّستي التي عشتُ في كنفها تجربة مختلفة. ففي نماذج تعتمد التعلّم القائم على الاستقصاء، يُنظر إلى الطفل على أنّه شريك فاعل في بناء تعلّمه، ويُمنح المعلّم مساحة حقيقيّة للملاحظة والتوجيه، وهي فلسفة تتقاطع مع ما طرحته ماريّا مونتيسوري في رؤيتها إلى الطفل بوصفه كائنًا فاعلًا، يبني تعلّمه بالتفاعل مع بيئته (Montessori, 1967). وهذه النظرة لا تنشأ عفويًّا، بل هي نتيجة تبنٍّ مؤسّسيّ واعٍ لفلسفات تربويّة حديثة، تضع الطفل والمعلّم في قلب العمليّة التعليميّة.
في هذه البيئات، لا يكون التعلّم مجرّد نقل معرفة، بل عمليّة بناء مستمرّة تنطلق من فضول الطفل، ويصبح الهدف بناء طفل مفكّر، لا مجرّد متلقٍّ للمعلومة.
نحو إعادة التوازن
لا تتطلّب معالجة هذا التفاوت حلولًا سطحيّة، بل مراجعة عميقة لمنظومة الطفولة المبكّرة. يبدأ ذلك بالاعتراف بمعلّم هذه المرحلة بوصفه متخصّصًا حقيقيًّا، يحتاج إلى إعداد أكاديميّ وتدريب مستمرّ. كما يستدعي الأمر تطوير سياسات تعليميّة تُنصف هذه الفئة مهنيًّا ومادّيًّا، إلى جانب دعم البحث العلميّ العربيّ في هذا المجال.
كما إنّ إشراك المعلّم في اتّخاذ القرار، وتعزيز الشراكة مع الأسرة، يسهمان في بناء بيئة تعليميّة أكثر اتّزانًا، يكون فيها الطفل محور العمليّة التعليميّة.
لا ينعكس الاستثمار في هذه الجوانب فقط على جودة التعليم في مراحله الأولى، بل يمتدّ أثره ليشكّل شخصيّة الطفل على المدى البعيد. فكلّ طفل يُمنح بيئة آمنة ومعلّمًا مؤهّلًا، هو مشروع إنسان قادر على التفكير والمشاركة في مجتمعه. وقد بيّنت دراسات اقتصاديّة أنّ الاستثمار في الطفولة المبكّرة، يُعدّ من أكثر الاستثمارات التعليميّة مردودًا على المدى الطويل، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع (Heckman, 2011).
***
في النهاية، لا يُقاس أثر معلّم الطفولة المبكّرة بعدد الدروس التي قدّمها، بل بعدد الأرواح التي آمنت بنفسها بسببه. نحن لا نعلّم الحروف والأرقام فحسب، بل نُعيد تشكيل علاقة الطفل بذاته وبالعالم من حوله.
قد لا يُرى أثرنا فورًا، لكنّ الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، هي أنّ كلّ مجتمع يبدأ من هنا، من تلك اللحظة الصغيرة التي يجلس فيها طفل أمام معلّم يؤمن به.
وكما تقول ماريا مونتيسوري:
"الطفل ليس إناءً نملؤه، بل إنسان نبنيه".
لهذا، إعادة الاعتبار إلى معلّم الطفولة المبكّرة ليست ترفًا تربويًّا، بل ضرورة أخلاقيّة. لأنّ من يُهمل البدايات، لا يملك الحقّ في أن يندهش من النهايات.
المراجع
- Shonkoff, J. P., & Phillips, D. A. (Eds.). (2000). From neurons to neighborhoods: The science of early childhood development. National Academy Press.
- Heckman, J. J. (2011). The economics of inequality: The value of early childhood education. American Educator, 35(1), 31–35, 47.
- Montessori, M. (1967). The absorbent mind. Holt, Rinehart and Winston.





نشر في عدد (25) صيف 2026