حين أقف في الصفّ كلّ صباح، أجد نفسي أمام السؤال ذاته: كيف يمكن لمعلّم واحد أن يوازن بين منهج ثابت لا يقبل كثيرًا من المرونة، وطالبات يختلفن في طرق فهمهنّ واهتماماتهنّ وسرعة تعلّمهنّ؟ وبينما تتحدّث الأدبيّات التربويّة بثقة عن التعليم الشامل بوصفه نهجًا يراعي التنوّع، يفرض الواقع المدرسيّ إيقاعه الخاصّ، ويكشف الفجوة بين النظريّ والتطبيقيّ. ومع مرور السنوات، أصبحت هذه الفجوة مساحة أتأمّل فيها ممارساتي، وأعيد فيها صياغة أدواري، وأقبل أنّ الطريق إلى تعليم شامل ليس طريقًا مستقيمًا.
في البداية، كنت أتعامل مع المصطلحات التربويّة بوصفها توصيفات جاهزة: "التعليم الشموليّ" يعتني بتنمية المتعلّمة في مختلف الجوانب، بينما "التعليم الشامل" يهدف إلى احتضان التنوّع منذ اللحظة الأولى (Tomlinson, 2017). لكنّني اكتشفت لاحقًا أنّ الفرق ليس لغويًّا فحسب، بل فلسفيًّا؛ إذ يطالبني التعليم الشامل أن أُعيد النظر في افتراضاتي حول الصفّ نفسه: من المتعلّم؟ ما معنى النجاح؟ وهل المنهج قابل للتعديل فعلًا على الرغم من صلابته على الورق؟ هذه الأسئلة بدأت تشكّل نقطة الانطلاق في كلّ درس تقريبًا، أكثر من أيّ استراتيجيّة مكتوبة.
من المفهوم إلى الممارسة: أين يبدأ التعليم الشامل؟
أتذكّر درس "الأقاليم" في الصفّ السادس، حين لاحظت التباين الكبير بين الطالبات في القدرة على الربط بين الخرائط والمفاهيم والأمثلة الحياتيّة. بعض الطالبات استوعبن الفكرة بسرعة، بينما احتاجت أخريات إلى وسائل بصريّة وأمثلة ملموسة. الاستمرار في أسلوب الشرح التقليديّ كان سيُقصي مجموعة منهنّ من دون قصد، ومع ذلك، كنت متردّدة: هل أملك الوقت الكافي لتغيير الخطّة؟ وهل الطالبات جاهزات لأسلوب تعلّم مختلف؟ قرّرت تقسيم الحصّة إلى محطّات تعلّم متنوّعة: الخرائط، والمقاطع المصوّرة، والأنشطة التطبيقيّة. على الرغم من أنّ اليونسكو توصي بتوفير وسائل متعدّدة للتمثيل (UNESCO, 2017)، إلّا أنّ الواقع أظهر أنّ الطالبات في البيئات الريفيّة لم يعتدن على حرّيّة التنقّل بين الأنشطة، واحتجن إلى توجيه مستمرّ، وهو ما يوضّح أنّ التعليم الشامل لا يتطلّب فقط تعدّد الأساليب، بل وقتًا لتغيير ثقافة الصفّ نفسه.
في الصفوف الثانويّة، عند تدريس "نظريّات التعلّم" للصفّ الثاني عشر، ظهرت الفروق الفرديّة بوضوح أكبر. تصميم حزم تعلّم مختلفة المستوى مكّن كلّ طالبة من التعامل مع المحتوى وفق قدرتها، لكنّه أيضًا كشف عن التحدّي النفسيّ والاجتماعيّ: هل سيفسّر هذا التمايز على أنّه تبسيط؟ أم إنّه تعزيز للعدالة التعليميّة؟ هذا القلق يعكس ما أشار إليه آينسكو (2024) حول ضرورة إعادة تعريف مفهوم الجودة عند تبنّي المدارس نهجًا شاملًا. ومع ذلك، كانت النتائج إيجابيّة: تفاعل الطالبات ازداد، وفهم المفاهيم تعمّق، بينما استمرّ التوتّر النفسيّ الناتج عن الاختلافات الفرديّة، مذكّرًا بأنّ التعليم الشامل ليس حلًّا فوريًّا، بل عمليّة مستمرّة تتطلّب صبرًا ومراجعة مستمرّة.
وفي درس "المواطنة الفاعلة" للصفّ العاشر، استخدمت تقسيم الطالبات إلى مجموعات بحسب اهتماماتهنّ الشخصيّة، فعملت مجموعة على قضيّة بيئيّة، وأخرى على حقوق الطلّاب، وثالثة على مشاريع مجتمعيّة. على الرغم من نجاح هذه الاستراتيجيّة في رفع التفاعل، بقيت أسئلة مؤرّقة: هل المشاركة حقيقيّة، أم أنّها طريقة لإضفاء حيويّة على درس نظريّ جافّ؟ هنا يظهر جوهر التعليم الشامل كما تصفه فلوريان (2014): "يجب أن يكون المتعلّمون جزءًا فاعلًا في العمليّة، لا مجرّد متلقّين". وهذا الأمر لم يقتصر على الصفوف الحضريّة، بل امتدّ إلى الفصول المتنوّعة ثقافيًّا ولغويًّا، حيث تطلّب الأمر تكييف الأمثلة لتناسب خلفيّات الطالبات المتعدّدة، ما عزّز الإدراك لديّ بأنّ التعليم الشامل عمليّة تتطلّب حساسيّة ثقافيّة ومهارات تواصل دقيقة.
لا تقلّ التحدّيات العمليّة اليوميّة قسوة عن التحدّيات النظريّة. الوقت محدود، والموارد محدودة، والجهد الذهنيّ المطلوب في التخطيط لحصّة شاملة يفوق بكثير التحضير التقليديّ. لجأت إلى حلول مبتكرة: بنك أنشطة قابل لإعادة الاستخدام، واستخدام الوسائل الرقميّة المجّانيّة، وتخطيط أسبوعيّ صارم. كلّ هذه الاستراتيجيّات كانت ضروريّة، لكنّها لم تكن كافية لوحدها. الدعم الإداريّ والمشرفون التربويّون كان لهم أثر مباشر: حين شعرت بالتمكين من الإدارة، كان تطبيق التعليم الشامل أكثر سلاسة.
التقييم في السياقات الشاملة: معضلة العدالة
التقييم كان أحد أكبر التحدّيات: كيف يمكن أن يكون عادلًا ويعكس تقدّم كلّ طالبة، من دون مساواة مصطنعة بين مستويات مختلفة؟ استخدمت التقييم الذاتيّ، ومحكّات التقدير الوصفيّ، والتقييم المبنيّ على الأداء، لكن بقيت أسئلة حول مدى العدالة الحقيقيّة. العدالة في التعليم الشامل تتطلّب أكثر من أدوات تقييم، إنّها تتطلّب ثقافة مدرسيّة تؤمن بأنّ كلّ طالبة، بغضّ النظر عن خلفيّتها أو قدراتها، لها الحقّ في التعلّم بشكل يحقّق نموّها الشخصيّ.
حتّى في أوقات الأزمات، حاولت تطبيق التعليم الشامل قدر الإمكان. على سبيل المثال، خلال جائحة كورونا، اضطررت إلى إعادة تصميم الدروس لتكون قابلة للتعلّم عن بُعد، مع مراعاة الفروقات في الإمكانيّات التقنيّة والمنزليّة بين الطالبات. أصبح التعليم الشامل في هذه الفترة اختبارًا حقيقيًّا للمرونة والابتكار والالتزام الأخلاقيّ، إذ لم يعد التعليم مجرّد نقل معلومات، بل توفير بيئة داعمة للمتعلّم تحت ظروف استثنائيّة. كانت الحاجة إلى التكيّف السريع مع منصّات التعلّم الرقميّة، وإيجاد طرق للتفاعل والمشاركة عن بُعد، واستخدام موارد مجّانيّة وسهلة الوصول، كلّها ممارسات تهدف إلى ضمان أنّ كلّ طالبة، مهما كانت ظروفها، لها الحقّ في التعلّم بشكل فعّال ومستمرّ.
وعلى الرغم من جميع التحدّيات، كانت النتائج مشجّعة: ارتفع مستوى مشاركة الطالبات، وتحسّنت دافعيّتهنّ، وتقلّص القلق. واكتشفت بعض الطالبات قدرات لم تكن ظاهرة من قبل. هذه النتائج تؤكّد ما ذكرته فلوريان حول أثر التعليم الشامل في تعزيز الصحّة النفسيّة والشعور بالانتماء. المشهد الأكثر تأثيرًا كان رؤية طالبة خجولة ترفع يدها للمرّة الأولى، أو أخرى تبتكر فكرة جديدة ضمن مشروع جماعيّ. لحظات مثل هذه تجعل كلّ الجهد يستحقّ.
***
علّمتني رحلتي أنّ التعليم الشامل ليس مجرّد تقنيّة أو خطّة تعليميّة، بل خيار أخلاقيّ قبل أن يكون ممارسة مهنيّة. إنّه يدفعني إلى إعادة التفكير في مفاهيم العدالة والنجاح والتقييم، وفي دوري معلّمة. كلّ يوم يطرح سؤالًا جديدًا: هل حصلت كلّ طالبة على فرصتها الحقيقيّة؟ الإجابة ليست دائمًا واضحة، لكنّها نفسها تدفعني إلى المواصلة. وكما تقول توملينسون (2017): "نجاح طالبة واحدة في اكتشاف قدراتها أهمّ بكثير من إنهاء جميع صفحات الكتاب". وربّما هذا جوهر التعليم الشامل: عمليّة مستمرّة من التفكير النقديّ والتأمّل والتكيّف مع تنوّع المتعلّمات والظروف المحيطة.
المراجع
- Ainscow, M. (2024). Developing inclusive schools: Pathways to success. Routledge.
- Florian, L. (Ed.). (2014). The SAGE handbook of special education (2nd ed.). SAGE Publications.
- Tomlinson, C. A. (2017). How to differentiate instruction in academically diverse classrooms (3rd ed.). ASCD.
- UNESCO. (2017). A guide for ensuring inclusion and equity in education.





نشر في عدد (25) صيف 2026