الفروق الفرديّة عند المتعلّمين: بين الحقيقة والإنكار
الفروق الفرديّة عند المتعلّمين: بين الحقيقة والإنكار
وداع وجيه حمادي | أستاذة جامعيّة- لبنان

يسعى المرء لاستثمار الفرص التي تسهم في الحفاظ على استدامة التنمية، لذلك يبحث في استراتيجيّات وخطط  تمكّنه من استشراف مستقبل البشريّة لتجاوز الأضرار المحتملة، وطرح حلول تناسب بني جنسه بما يتلاءم مع نهضة مستمرّة. وتعدّ التربية لبِنة الأساس التي تُبنى عليها المجتمعات المتحضّرة. ولم تكن هذه المجتمعات متشدّقة بما تنجزه قولًا، بل إنّ القول يقترن حتمًا بالفعل والعمل، ما يجعلها تبرز إلى الواجهة، وتتصدّى لشتّى المشكلات التي تواجه المتعلّم والمعلّم على حدّ سواء. بل إنّ ما أنجزته هذه المجتمعات، كان في كثير من الأحيان ملاذ الأهل الذين لم يجدوا حلولًا لعوائق تقف في وجه مسيرة أبنائهم التعليميّة والتعلّميّة.

 

مراعاة الفروق الفرديّة: واجب أو استحباب؟

التعلّم والتعليم مسيرة لا تتوقّف منذ انعقاد النطفة إلى حين انسلاخ الروح عن الجسد، وما بينهما طريق طويل تجري فيه تنمية المهارات والقدرات في شتّى المجالات. إنّها رحلة يملأ فيها الفرد سلاله محاصيل متنوّعة، يتمكّن بها من استثمار طاقاته في بناء شخصيّة يستطيع تعديل مكتسباتها عند اقتضاء الأمر، كما يكون قادرًا على التكيّف مع مستجدّات العيش بتغيّر الظروف وتنوّعها. إذًا، الأمر ليس مقتصرًا على تلقين المعلومات وتخزينها، بقدر ما يحتاج إلى توسيع أفق الفكر في مراحل حياتيّة متتابعة. ولا بدّ من التنبّه إلى أنّ التعليم لا يجري بوتيرة واحدة عند جميع الأفراد، لذلك وجبت مراعاة الفروق الفرديّة، إذ إنّ ذلك يؤدّي بشكل كبير إلى رفع المستوى العامّ للطلبة، وزيادة تحصيلهم العلميّ (زاهر، 2018). لذلك كلّه، يبدأ صراع بين المتعلّم والمعلّم من جهة، وبين المتعلّم وذويه من جهة أخرى: فالمجتمع يفرض قواعد اجتماعيّة تشكّل ضغوطًا على الأهل، فيصعب عليهم تقبّل أيّ تأخّر أو تراجع في أداء أولادهم التعليميّ، محاولين تنميط أبنائهم، وسجنهم في قوالب دراسيّة ستنقلب عليهم بسوء وخسارة.

 

تعدّد الذكاءات: قوّة أو ضعف؟

يبحث الأهل عن مدارس ترعى أولادهم سلوكيًّا ومعرفيًّا، وفي معظم الأحيان يبحثون عن مدارس تقدّم خدمات في اللغات الأجنبيّة والموادّ العلميّة، وهو أمر يعود إلى ثقافة مجتمعيّة نمطيّة، إذ ينال الناطق باللغات الأجنبيّة وصاحب العلامة الأعلى في الرياضيّات والعلوم استحسان محيطه، ويجري التعاطي مع المبدع في غير مجال بإهمال وربّما بدونيّة. والأمر ليس سهلًا على طفل بدأ رحلته مع القلم والكتاب وهو راغب في اللعب طوال اليوم. بذلك يمارس الأهل ضغوطًا على أبنائهم، من غير أن يلتفتوا إلى أنّ الذكاءات متعدّدة والتعلّم مستمرّ، وأنّ عليهم استكشاف نقاط القوّة في طفلهم لتنميتها من أجل سلامة مستقبله. وقد حدّد هوارد جاردنز في نظرية الذكاءات المتعدّدة ثمانية أنواع مختلفة من الذكاء، وأكّد أنّ كلّ شخص لديه القدرة على امتلاكها، ومع ذلك لا يزال المجتمع وعدد لا بأس به من الأساتذة ينكرون هذا الأمر (Edutopia, 2016).

 

الأهل والمدرسة: مسؤوليّات مشتركة

يحتاج مستقبل التعليم اليوم إلى ترتيب الأمور بين الأهل وأطفالهم من جهة، وبين المدرسة والمعلّمين من جهة أخرى، انطلاقًا من تقبّل الاختلاف على الأصعدة كافّة، أي الاختلاف الواقع في الصفات الجسديّة، وفي القدرات العقليّة، وهذا ما سيقدّم فرصة ذهبيّة لتقييم الوضع الدراسيّ وتحسينه، بالتخفيف من حدّة الصراع الذي يتولّد من غياب الفهم الحقيقيّ لسلوك المتعلّم جرّاء هذه الفروق.

بناء على ذلك تتحدّد المشكلات وتوضع الحلول. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد في صفوف المرحلة الثانويّة تفاوتًا ملحوظًا في القدرة على التحليل والتوليف، لا سيّما في اللغة العربيّة. وهذا التفاوت يتجلّى بعد ملء شبكة النتائج، إذ إنّ قراءة أفقيّة للنتائج تظهر الكفاية أو الكفايات التي يجد فيها المتعلّم صعوبة. ولأنّ المعلّم يعتمد سلّم بلوم لوضع الأسئلة، فمن الطبيعيّ أن يدرك جيّدًا نوع القدرات التي يجد فيها المتعلّم صعوبة، وأكثر ما يجده المتعلّم مربكًا سؤال التحليل والتوليف، بالإضافة إلى إبداء الرأي، إذ إنّه لا يستطيع أن يضع حججًا وبراهين يثبت بها صحّة ما يبيّن.

من هنا يأتي دور المعلّم في إبلاغ الإرشاد المدرسيّ الذي يتولّى توضيح المفاهيم للأهل، بحيث تكون النتيجة تحمّل مسؤوليّات تجاه المتعلّم، ووضع خطط تعويضيّة تساعده في احتواء الموقف. بالإضافة إلى اعتماد المعلّم استراتيجيّات تسعى لزيادة فرصة التعلّم لهؤلاء الأشخاص؛ إذ إنّ المسؤوليّة التي تقع على عاتقه كبيرة، لأنّ الأمر يتطلّب ألّا يتعامل مع الطلّاب كأسنان المشط، بل عليه أن يراعي في تحضيره الشخصيّات المتنوّعة والقدرات المتفاوتة، لأنّ احتياجات المتعلّم تقود التعليم (كوجك وآخرون، 2008) وليس العكس، وهذا يعني تحسّن مخرجات التعليم، وبالتالي تعزيز تحقيق الأهداف على المدى البعيد.

 

تجربتي في ثانويّة الصرفند الرسميّة (جنوب لبنان)

عانى التعليم في لبنان فاقدًا تعليميًّا أثّر في المستوى التعليميّ بشكل عامّ، وفي المتعلّمين ذوي التحصيل الضعيف بشكل خاصّ، ما انعكس على العمليّة التعليميّة، ودفع بالهيئة التعليميّة في ثانويّة الصرفند الرسميّة إلى اتّخاذ مجموعة من الإجراءات، كان منها تنويع استراتيجيّات التعلّم، واستخدام التعليم النشط في الموادّ كافّة، بهدف تعويض الفاقد التعليميّ مع مراعاة الفروق الفرديّة.

أمّا بالنسبة إلى مادّة اللغة العربيّة التي أدرّسها في صفوف المرحلة الثانويّة، فأستهلّ العام الدراسيّ بتحديد الفاقد وتبيان الفروق، باستخدام تقييم تشخيصيّ يراعى في وضع أسئلته سلّم بلوم. بعد التقييم أتمكّن من تحديد نقاط الضعف والقوّة، فأجمع النقاط في ملفّ كلّ طالب على حدة، ثمّ أستثمر نقاط القوّة لتجاوز نقاط الضعف، إذ أحاول تحديد الواجبات والتكاليف بشكل متفاوت: أطلب إلى أحدهم إنجاز تعبير كتابيّ كامل، بينما أطلب إلى آخر العمل على المقدّمة فقط. ومن الأمور التي تساعد فعلًا في دفع المتعلّمين الخرائط الذهنيّة، فالاعتماد على هذه الخرائط قدّم نتائج أفضل في غير تقييم. هذا بالإضافة إلى توزيع الكفايات على مجموعات، على أن أستثمر كلّ مجموعة في نصّ محدّد، ما يخفّف وطأة كثافة المعلومات على ذهن الطالب، بل ويساعده في تنظيم ما يتلقّاه رويدًا رويدًا، حتّى يكون اكتساب المعلومة سلسًا.

 

أمّا في ما يخصّ نقاط القوّة عند بعض المتعلّمين، فتوجيهها داخل الصفّ ضروريّ. فالمتعلّم الموهوب في الكتابة يمكن أن يكون قائد مجموعته، وهكذا يتدرّب المتعلّمون على العمل التعاونيّ، واستثمار قوّة البعض لتحفيز ضعف آخرين. بالإضافة إلى ذلك أستخدم في الشرح وسائل متنوّعة تراعي الذاكرة السمعيّة والذاكرة البصريّة، وهذه التجربة كانت مستساغة، لا سيّما عند المتعلّمين الذي يعانون مشاكل في السمع ويعتمدون على جهاز سمع إلكترونيّ لتحصيل الشرح، من ذلك اعتماد الرسومات على اللوح بألوان شتّى مع ربط الموضوعات بمسائل واقعيّة، وعلى الأغلب حسّيّة ملموسة. وإن احتاج الأمر أحضر أدوات مثل الصلصال، ما يزيد من فعّاليّة عمليّة التعليم وجودتها (الراعي، 2014). فعلى سبيل المثال: عند شرح العصر الجاهليّ، أجهّز رسومات وألوانًا، ورموزًا أشكّلها من الصلصال. وعند البدء بالشرح أرسم الصحراء والواحات، والخيم والعشيرة، وكلّ ما يتعلّق بذلك العصر. هذه التجربة حفّزت المتعلّم على استذكار التفاصيل من دون الحاجة إلى العودة إلى قراءة النصّ، كما ساعدت في استخدام التفكير المنطقيّ، لا سيّما في توقّع الأحداث عن طريق الإجابة على الأسئلة الاستقرائيّة المتنوّعة. وفي وقت آخر أدفع بالمتعلّم إلى اللوح ليعيد لنا جزءًا يختاره من الشرح السابق، على أن يطرح الأسئلة على زملائه، وهذا ما يحفّزهم على التفاعل بشكل إيجابيّ، ظنًّا منهم أنّ زميلهم يحتاج إلى دعم كي لا يخسر علامته.

 

زِد على ذلك ضرورة خلق بيئة تعليميّة تحفّز المتعلّم على تلقّي اللغة العربيّة على أنّها لغة أمّ، وليست لغة بديلة. في هذا السياق، تنظّم وحدة اللغة العربيّة في الثانويّة، بإشراف وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان، إحياء ليوم اللغة العربيّة، بتنفيذ مجموعة من الأنشطة التفاعليّة التي تنطلق على فترة أسبوعين، وصولًا إلى يوم الإحياء. تتضمّن الأنشطة لوحات بالخطوط العربيّة المتنوّعة، وأرشيفًا لعدد من الأدباء، وسوق عكاظ، ومناظرة حول مستقبل اللغة العربيّة، ومبارزة في إلقاء قصائد متنوّعة الموضوعات، بالإضافة إلى نشاط مسرحيّ، ومباراة في الإملاء، وفقرات ثقافيّة متنوّعة. هذه الأنشطة يقوم بها طلّاب الثانويّة تحت إشراف أساتذة الوحدة، ولا يشترط في المشاركة أن يكون الطالب متفوّقًا، بل على العكس، فهذه الأنشطة تراعي الفروق الفرديّة، وتسمح للمتعلّم بإبراز مواهبه، ما يدعم ثقته بنفسه ويحفّزه على بذل المزيد من الجهد.

 

المتعلّم اليوم نهضة الغد

هذه الاستراتيجيّات في التعليم المتنوّع لا توفّر للمتعلّم ذي المستوى المنخفض تحفيزًا فحسب، بل تؤمّن بيئة نشطة لذوي المستوى المتوسّط والعالي. كما إنّها تساعد الطالب الضعيف في الإفادة من زملائه، من غير أن تظهر تمييزًا بينهم، وتعمل على إثارة دافعيّة المتعلّم نحو التعلّم. هذا التنوّع في الاستراتيجيّات يستجيب إلى حاجات المتعلّمين المتنوّعة (حاتم، 2015)، لأنّ الأصل في التعليم أن يكون متوافقًا مع قدرات المتعلّمين وليس العكس. وليس الهدف من هذا كلّه سوى تأهيل المتعلّم ليصبح مواطنًا قادرًا على التأقلم على التطوّر السريع في مجالات الحياة والعمل، والإسهام في بناء مجتمعه (السبيل، 2016)، وهذا ما يؤكّد على أنّ التعليم ليس إلّا السبيل إلى التحضّر والنهضة، لأنّ الحضارات يؤسّسها أبناؤها القادرون على استثمار قدراتهم، وتطوير مهاراتهم لغايات نبيلة تصبّ في خدمة الإنسانيّة.

 

المراجع

- أحمد، زاهر. (د.ت). تكنولوجيا التعليم كفلسفة ونظام. المكتبة الأكاديميّة.

- كوجك، كوثر والسيّد، ماجد وخضر، صلاح وعيّاد، أحمد وفايد، بشرى وأحمد، فرماوي وأحمد، عليّة. (2008). تنويع التدريس في الفصل: دليل المعلّم لتحسين طرق التعليم والتعلّم في مدارس الوطن العربيّ. مكتب اليونسكو الإقليميّ للتربية في الدول العربيّة.

- الراعي، أمجد. (2014). فعّاليّة استراتيجيّة التعليم المتمايز في تدريس الرياضيّات على اكتساب المفاهيم الرياضيّة والميل نحو الرياضيّات لدى طلّاب الصفّ السابع الأساسيّ (رسالة ماجستير غير منشورة). الجامعة الإسلاميّة.

- حاتم، محمّد. (2015). فاعليّة مدخل التدريس المتمايز في تدريس العلوم على تنمية المفاهيم العلميّة والاتّجاه نحو العلوم لدى تلاميذ المرحلة الابتدائيّة بالمملكة العربيّة السعوديّة. مجلّة التربية العلميّة، 18، 235.

- السبيل، ميّ. (2016). أثر استراتيجيّة التدريس المتمايز في تنمية التحصيل والتفكير التأمّلي في مادّة العلوم لدى طالبات الصفّ السادس الابتدائيّ. مجلّة التربية العلميّة، 19، 115.

- Edutopia. (2016). Multiple intelligences: What does the research say?